الرجوع إلى البحث الذهاب لعدد هذه المقالة العدد 7 الرجوع إلى "الثقافة"

جنون نيتشه

Share

شهد اليوم الأول من يناير سنة ١٨٨٩ حادثا فريدا في بابه في حي كارلو امبرتو بمدينة تورين في إيطاليا ، فقد كان أحد سائقي العربات ينهال علي حصانه بسوط في يده ، واشتد الوجع بالحيوان فأخذ يتوثب ويتعامل دون أن تأخذ الرجل به شفقة ، وبينما هو في ذلك إذا برجل يعدو نحوه ويعانق الحصان المضروب وينهال على السائق شتما وتأنيبا ، وقد نطقت اسارير وجهه بالغضب الشديد ، ومضي يصرخ بأعلي صوته وقد خرج به الغضب عن طوره ، وتفرس السائق فيه فوجد له شاربا ضخما يتدلي علي فمه ويغطيه ، وعينين حادتين قد أحالهما الغضب جمرتين من نار فكف عن الضرب وملكة الهلع ان يقربه ، واستوقف المشهد نفرا من السابلة فتكأ كأوا حوله ومضوا يتفرسون في هيأة هذا الغريب المعانق الحصان بكلتا يديه ، الصارخ بأعلي صوته كأن به مسا ، ولم يلبث أن عرفه أحدهم فصاح فيمن حوله :

- إنه ألماني ... بيد إنه فردريك نيتشه أستاذ الفلسفة الذي انتجع تورين منذ شهور

وكان نيتشة قد خانته قواه إذ ذاك وسكت عن الصباح وبدا كأنه يتعازم على الوقوف ، وانه سيخر على الأرض إذا لم يتداركه الناس ، فأسرع الرجل وأعانه ، وحمله علي كتفه ومضي به إلي داره حتى أرقده في فراشه .

ظل نيتشه مضطجعا على ظهره وقد استولى عليه ذهول دام يومين وليلتين ، وربما افاق خلال هذه المدة لحظات يهذي ببعض الكلم المنقطع تم عاد إلي ذهوله ، وكان هذيانه غريبا مخيفا ، فقد كان يقول إنه الملك فكتور عمانويل او الكاردينال انطونيلي ، أو بوجين امير سافوا كرنيان ، وغير هذا مما كان الرجل يسمعه ونفسه مشطورة بين الخوف

والتحسر ، ثم تحسنت حال المريض بعد ذلك فزايله سباته ، وقام يتمشى ، وصار يبارح الدار ويعود ، غير ان الخفة لم تفارقه ، فكان يمضي إلي المحطة أو إلي مكتب البريد ويعلن لمن يجده هناك أنه الله متنكرا

وكان العالم النفسي المعروف سيزار لمبروزو يسكن تورين تذ ذاك ، وكان قد فرغ في ذلك الحين من كتابه عن (العبقرية والجنون) فأذهله ما رأى من امر صاحبه الفيلسوف ، ولم يكن قد شهد له مثلا ، ولم يكن بينه وبين الفيلسوف ود او تواصل ، فأخذ يرقب الأمر من بعيد ،

وحار الخباز المسكين الذي يأوي الفيلسوف المريض في داره ، ولم يدر ما يصنع ، ثم بدا له فكتب بالأمر إلي الأستاذ اوفرباك صديق نيتشه يستنجد به ويستقدمه لأنه لم يجد عند الفيلسوف ما يغني او يعين على تكاليف إيوائه وتمريضه ، إذ ان نيتشه لم يوفق إلى ناشر يشتري منه الجزء الأخير من كتابه الخالد " زرادشت " فاشتد به الإملاق وباع أثاثه القليل ليتبلغ بثمنه ، فلما قدم اوفرباك ، استصوب ان يصطحبه معه إلي بلده بازل ، وهناك وافته امه التي أسرعت لتسهر على ابنها ، فلم يكد يراها حتى صاح بها : " ألا ترين أني طاعية تورين ؟ " وأقامت تعني به وتسهر على راحته ، ثم رات ان تأخذه إلي بلدها " بينا " ويبدو انها أحست من نفسها العجز عن رعايته وحراسته , فاستودعته المارستان .

واجتمع الأطباء يفحصون حاله ، واجتمع رأيهم على ان جنة الرجل إن هي إلا مقدمة لشلل عام سيصيبه ، فذعرت الأم ، وأبت أن تصدق هذا عن فتاها ، ووصلت في ذلك الحين اخته السيدة اليزابث فورستر (التي ستصبح فيها بعد مؤرخته والمشرفة على دار مخلفاته واثاره في قبار) , وانضمت إلي الام في تسفيه رأي الأطباء ،

وأصرتا على أن الفيلسوف قد أجهد نفسه في الأيام الأخيرة اجهادا اعي ذهنه وأوهي عقله ، وانه عائد ولا ريب إلي صحته وعقله بعد قليل .

واشتدت اللجاجة بين الام والأخت والأصدقا ، في طرف ، والأطباء في طرف آخر ، وثار الجدل حول سرير المريض ، وابت الام إلا ان تأخذ ابنها لتقوم على تمريضه بنفسها ، وتردد الأطباء في إجابتها إلي مطلبها ، ولم يكن أحد من الأطباء يعرف شيئا عن العظيم المريض او مقامه في الفلسفة ، حتى كبير اطباء المارستان اعترف بأنه لا يعرف شيئا عن كتابات نيتشه او فلسفته ، واعتذر عن هذا بكثرة شواغله ، والأطباء لا يجدون من الوقت ما يمكنهم من الظهور على هذه الآثار الفكرية الجميلة .

واقام المرض على حاله فتصدى الكثير للنصح والتطبيب ، فزعم قوم ان بالرجل رثيا ، وانه قد اصابته خفية ، فأخذت الأشياء تتصور في رأسه المحموم وتتراءى له ، واقترحوا ان يعالج بنقر النحاس بانتظام ، وجلب الراقصين ليرقصوا حول سريره حتى تزايله عقلة السحر التى ألمت به ! وضاقت الام ذرعا بهذا الهذيان ، فاشتدت في طلب ابنها حتى اذعن لها الاطباء ، فأخذته من المارستان ومضت به إلي دارها لتسهر على شأنه مع ابنتها .

وطالت مدة المرض وطال سهر الام الرءوم ، واخذت قوي الفيلسوف العظيم تهبط ، وبريق عينيه يخبو ، حتى ثبت في فراشه كأنه ميت وما هو بميت ، ولبث على هذه الحال ست سنوات ، انطفا في ختامها سراج حياته الوهاج ؛ ولا يدري إلا الله كيف كانت حاله خلال هذا المرض الشاق الطويل . بيد أن المراسلات التي دارت بين امه والأستاذ اوفرباك ، والتي لأزالت بين ايدينا إلي الآن ، تلقى شيئا من الضوء على حال الفيلسوف العظيم خلال هذه السنوات ،

ففيها ما يشهد للأم الجليلة بالصير الطويل على الألم البالغ والسهر المضني علي العلة الملازمة ، وفيها ما يرفع الام والأخت الجليلتين إلي مقام البطولة ، فقد كان الفقر يهد جانبهما ، والعوز يحاربهما ، فأقامتا صابرتين مواصلتين للجهاد ، حتى استطاعتا ان تشيعا جناز رجلهما العظيم بعد هذه الحقبة الطويلة ، ولقد كانت تتنابه صحوات مفاجئات اختلط فيها وساوس ذهنه وبنات فكره وعروا جنونه ، ورعا قذفهما بما وقع تحت يده من وسادة او منديل ، وربما اصابته نوبات من الإغماء الطويل ، ولكن السيدتين الجليلتين أقامتا على الصبر والوصب ، لم يشاركهما مصبيتهما بأحد ، ولم يخطر ببال أحد من العالمين إذ ذاك أن يعرج على دار الفيلسوف العظيم ليلقي إليه تحية!

اشترك في نشرتنا البريدية