عقد ابن خلدون في مقدمته النفيسة فصًلا شائقا ليثبت أن العلماء من بين البشر أبعد عن السياسة ومذاهبها ، وقد علل ذلك بأن العلماء قد اعتادوا النظر الفكري والغوص على المعاني وانتزاعها من المحسوسات وتجريدها في الذهن أمورًا كلية عامة ليحكم عليها بأمر العموم لا بخصوص مادة ولا شخص ولاجيل ولا أمة ولا صنف من الناس ، ولا يكتفي العلماء بذلك ، بل يشرعون في تطبيق الكلي على الخارجيات ويقيسون الأمور على أشباهها وأمثالها بما اعتادوه من القياس . وصاحب السياسة في رأي ابن خلدون يحتاج إلى مراعاة ما في الخارج وما يلحقها من الأحوال ويتبعها ، فإنها خفية وربما كان فيها مالا يتيسر إلحاقه بشبه أو مثال وينافي الكلي الذي يحاول تطبيقه عليها . ثم يسترسل في تعزيز رأيه فيقول : " لا يقاس شيء من أحوال العمران على الآخر ، إذ كما اشتبها في أمر واحد فلعلهما اختلفا في أمور ، فتكون العلماء لأجل ما تعودوه من تعميم الأحكام وقياس الأمور بعضها على بعض إذا نظروا في السياسة أفرغوا ذلك في قالب أنظارهم ونوع استدلالاتهم فيقعون في الغلط كثيرًا ولا يؤمن عليهم " . ويلحق ابن خلدون بهؤلاء العلماء المستهدفين للوقوع في الخطأ أهل الذكاء والكيس ، لا لأن ذكاء المرء محسوب عليه كما يقولون ، فمثل هذا التعليل الغامض لا يعجب ابن خلدون ، وإنما لأن هؤلاء الأذكياء الأكياس ينزعون بثقوب أذهانهم إلى مثل شأن العلماء من الغوص على المعاني والقياس والمحاكاة فيقعون في الغلط ، والعامة عند ابن خلدون أسعد حظًا وأنأى عن الخطأ من هؤلاء الكيسى الألباء ، لقصور فكرهم عن ذلك وعدم اعتياده . والرجل العامي
لا يقيس ولا يعمم ، ولا يفارق في أكثر نظره المحسوس ، فهو كالسابح لا يفارق البر عند الموج أخذًا بنصيحة القائل :
فلا توغلن إذا ما سبحت
فإن السلامة في الساحل
ويستخلص ابن خلدون من ذلك كله " أن صناعة المنطق غير مأمونة الغلط لكثرة ما فيها من الانتزاع وبعدها عن المحسوس " . فهؤلاء العلماء لا يصلحون للسياسة في رأي ابن خلدون ، لأنهم يلمحون أوجه الشبه وتغيب عنهم نواحي الاختلاف ، ويبادرون إلى استخلاص النتائج وتكوين الأحكام فتجيء أحكامهم خاطئة ، فهم حيرى مساكين لأنهم يعيشون في عالم من التجريدات بعيد عن حقائق الحياة ووقائع الوجود ، أو هم يعيشون كالحالمين بين الأخيلة والظلال والأخطاء والأوهام ، فهم لا يحسنون فهم أمور الدنيا ولا يجيدون سياستها ، وحالهم يشبه حال هذا الرجل الطيب الذي حدثنا عنه الجاحظ في كتاب البيان والتبيين ، وذكر أنه نسى في المسجد نصيبه من العطاء فلما صار في منزله ذكره فبعث رسولًا من قبله ليأتيه به ، وكان الرسول على ما يظهر رجلا عاميًا لم تفسده الأقيسة المنطقية فقال لسيده : " وأين أجد هذا المال الذي تركته في المسجد ؟ " فعجب سيده من شأنه وقال له : " سبحان الله أو يأخذ أحد ما ليس له ! "
فالعلماء في رأي مؤرخنا الكبير أهل نظر وقياس وتجريد وهذا من شأنه أن يبعدهم عن الحقائق المحسوسة . وقد كان ابن خلدون نفسه من أهل النظر والقياس والتجريد . وقد حاول أن يجعل من التاريخ علمًا يقوم على استخلاص
النتائج من المظاهر المتشابهة وينتزع الأحكام العامة والتعميمات ، وكان فضلًا عن ذلك رجلًا ذكي الفؤاد لماح الخاطر كيسًا لبيبًا أريبًا ، فهل يا ترى كان يرى رأي المتنبي في قوله :
أبلغ ما يطلب النجاح به الطبع
وعند التعمق الزلل
ويلحق نفسه بزمرة الذين أخفقوا في السياسة من العلماء والمفكرين ؛
مهما يكن من الأمر ، فإنه قد ترفق بحال العلماء إخوانه ، ولعله قد راعى في ذلك واجب الزمالة وحق الأخوة المهنية ، ولم يقس عليهم قسوة النقادة الإنجليزي وليام هازلت الذي تناول العلماء في أحد فصول كتابه الشائق " حديث المائدة " فأوسعهم نقدًا وتنقصًا وزراية ؛ فهو يقول في بداية هذا الفصل الممتع معرضًا بالعلماء : " إن القعدة اللكعة الذي لا يرى إلا حاملًا سفرًا من الأسفار بين يديه ليست له قدرة ولا ميل إلى أن يلاحظ ما يحدث حوله . أو يمر بفكره ويخطر بباله ، ويمكن أن يقال في مثل هذا إنه يحمل عقله في جيبه أو يتركه في بيته فوق رفوف كتبه ، وهو يخشى الجرأة على التفكير أو إبداء أي ملاحظة لا توجها إليه الحروف المكتوبة بطريقة آلية ، وينفر من احتمال عناء التفكير الذي يصبح عبئًا ثقيلًا لأنه لم يتعوده ، ويكتفى بالألفاظ التي تملأ فراغ عقله وتمحو بعضها البعض بغير انقطاع . والتحصيل في حالات كثيرة عقبة في طريق التفكير السليم وبديل من المعرفة الحقة ، وتتخذ الكتب أستارًا تحجب ضوء الطبيعة القوي عن العيون الكليلة اكثر مما تتخذ نظارة لرؤية الطبيعة ، وتنوع الأشياء يذهله ويحيره وسرعتها ترهقه وتستنفد قواه ، وحب الراحة والسلامة هوشعاره . وإذا سمت القارئ المحصل نبذ كتبه والتفكير بنفسه كنت كمن يطلب إلى المشلول أن يثب من مقعده ويلقى بعكازته " .
والعالم في رأي هازلت ليست له أفكار خاصة ، وإنما
هو يعيش على تفكير غيره من الناس ، وعادة استجلاب الأفكار من الغير تضعف تفكيره ؛ والذي يتلقى دراسة كلاسيكية منظمة ولا يصبح سخيفًا يكون قد نجا بأعجوبة . ويلاحظ هازلت أن الصبية الذين يبرزون في المدارس وأيام التحصيل المبكرة لا يكونون من الأفذاذ العدودين بعد مبارحة المدارس ، وذلك لأن الأشياء التي يفرض حفظها ومعرفتها على الناشئين ويتوقف عليها نجاحهم لا تتطلب تدريب أسمى للمواهب ولا أعود الملكات بالفائدة على الإنسان ، وعماد هذه الدراسة الذاكرة وهي ليست من الملكات السامية ، بل هي في رأي هازلت أنزل الواهب منزلة . والغلام الضعيف البنية البطئ التفكير الذي يحفظ ما يطلب منه حفظه ، وليست له قدرة علي التمييز أو التذوق وإمتاع النفس سيكون في العادة أول فرقته . ويلاحظ هازلت أن أكثر ما نسميه غباء في الصبية هو في الغالب نقص في الاهتمام والالتفات والعناية بالحفظ لعدم وجود دافع يرغم على ذلك بسبب جفاف الدروس وخلوها من أسباب التشويق ودواعي الترغيب وإيقاظ الاهتمام والعناية . ويقول هازلت : " أعظم العبقريين عندنا لم يظهروا تفوقًا في التحصيل أثناء دراستهم في المدارس أو الجامعات " .
والعلماء في رأي هازلت " ينظرون بعيون الآخرين ويسمعون بآذانهم ويعلقون يقينهم بهم ، والعالم يفخر بأنه يعرف الأسماء والتواريخ لا الرجال ولا الأشياء ، وهو لا يعرف شيئا عن جيرانه الأقربين ، ولكنه واسع الاطلاع حجة في معرفة قبائل الهندوس والتتار ، وهو لا يعرف طريقه إلى الشارع المجاور ، ولكنه عحرف بدقة أبعاد القسطنطينية وبكين . ومعرفته بالأشياء التي يتكلم عنها تشبه معرفة الأعمى بالألوان ؛ وهو يعرف اللغات البائدة الميتة ، ولكنه لا يتكلم لغته بطلاقة ، ولا يكتبها كتابة صحيحة ؛ والعالم الذي لا يعرف غير الكتب لا بد أنه جاهل بالكتب ، لأن الكتب لا تعلمنا كيف نفيد من الكتب ،
الكتابة وتجويدها وتذليل صعابها ، ولا تيسر هضم المعلومات التي يجمعها الإنسان من شتى المراجع والمصادر فلا يستطيع الإفادة منها وعرضها عرضًا صائغًا مقبولًا ؛ وقصوره في التعبير يجعله عاجزًا عن تحديد أفكاره وحصرها ، ومن ثم يستكثر من الألفاظ المتعاظلة ، والتراكيب النابية ، ويجعل الموضوعات الحية الشائقة مملة متعبة ، فاترة باردة جدباء مقفرة ، في حين أن الكاتب الطبوع الذي يفهم ما يكتب ويحسه يستطيع أن يروض الجموح ويلين الصعب ويشيع الحرارة في الموضوعات الجافة ، ويحيي مواتها ، ويفجر الماء في صخورها ، ويستنبت الأزهار في قفورها ، ويطلع الكواكب والأجثار في ظلماتها المدلهة . وأن يظفر الإنسان بالمعرفة الحقة والعلم الصحيح إلا إذا طلب العلم للعلم . أما من طلب العلم والمعرفة للجاه أو المال فقد يظفر منهما بالقشور فيخالها علمًا حقًا ومعرفة صادقة ، ولا يجيد العلم والمعرفة إلا من جعلهما غاية لا وسيلة ، لأن الإنسان لا يخلص في طلب
شئ إلا إذا جعله غايته . ولا بد أن يوازن الإنسان بين معرفة الحياة ومعرفة الكتب ، فكلتاهما تلقي ضوءًا على الأخرى ، ومن جهل الحياة لا يفيد من الكتب ، ومن جهل الكتب كذلك أصبح عاميًا ثقيلًا بغيضًا جهولًا مهما أوتي من الذكاء وقد بدا لهازلت أن يشنط في تنقص الذين يكتفون بالكتب وينصر العامة والجهلة رغبة في إبراز وجهة نظره في صورة تثير الاهتمام وليس أدل على أنه كان لا يؤمن بكل ما قاله في العلماء من أنه هو نفسه كان واسع الإطلاع ، دائم القراءة ، مكبًا على الدرس ، منقطعًا للكتابة والتأليف . وعندي أنه وابن خلدون على ما بينهما من اختلاف في التفكير وطرائق التعبير ينتهيان ويلتقيان عند نقطة واحدة ، وهي ضرورة الرجوع إلى الحياة نفسها في استيحاء الأفكار واستلهام الواقع ، وعدم الاكتفاء بالتعويل على القراءة والاطلاع والتفكير المجرد .
