علمتني التجارب أن الضعف في القوة العسكرية يعنى الضعف في السياسة . تشمبرلين - ٦ أكتوبر
إن خطاب المر متار فى نورمبرك وما تبعه من اضطرابات في سيكومتر كيا ، وقطع المفاوضات بين حكونها رمزيه السوديت الألمان أقلق الرأى الدولى ولاسيما في لندن وباريس. فقام المستر تشمبر لين ، رئيس الحكومة البريطانية ، بالاتفاق مع المسيو دلاديه رئيس الحكومة الفرنسية ، بذل جهود شخصية لم يكن أحد يتوقعها منه ، لابعاد شبح الحرب العالمية وتثبيت السلام . وإننا في عرضنا لهذه الجهود تكلم عن مباحثات برختسكادن ومشروع لندن ، وتذكر مطالب الهر هتلر الجديدة، ونبدى ما تلاها من الذعر الدولى ، وما تم في مؤتمر مونيخ
مباحثات برختسكادن و مشروع لندن
اشتدت خطورة الحالة في تشيكوسلوفاكيا في ١٣ سبتمبر ( ايلول ) وخشي حدوث حرب أهلية بين الننيك والألمان السوديت على أثر انتشار الاضطرابات بين المنصرين في كثير من المقاطعات السودينية ، وذلك مما كاد يؤدى إلى تدخل الجيوش ، وبالتالي إلى مساعدة الجيش الفرنسي لحكومة براغ . وهذه الأعمال الحربية إن وقعت ، لا تلبث أن تصبح حربا عالمية بتدخل الدول الأخرى عملا بالمخالفات التي تربطها مع براغ الألمانية وباريس من جهة ، ومع براين من جهة ثانية وبما أن النظام الدكتاتوري الذي يضع مصير البلاد في قبضة رجل واحد قلل الانتفاع من النظام الديبلوماسي الاعتيادي ولاسيما في ساعات الأزمات، لذلك قرر المستر تشمير لين، بالاتفاق مع حكومة باريس ، الذهاب إلى ألمانيا ، ومقابلة الهر هتلر ، ليتحقق ما إذا كان لا يزال باقيا أى أمل في حفظ السلام . فأرسل إليه في ١٤ سبتمبر ( ايلول ) برقية قال فيها :
نظر الازدياد تحرج الحالة أرى أن آتي لمقابلتكم بقصد انسى لايجاد حل سلمى . وفى عزمى أن آتي بطريق الجو ، وإنى من للسفر قدا . فأرجو أن تخبرني عن أقرب وقت تستطيع فيه مقابلتي ، وعن المكان الذى مجتمع فيه » . فرد الهر هتلر على هذه البرقية بقوله إنه مستعد لمقابلة رئيس الوزارة البريطانية غداً فى
طار المستر تشمبر لين إلى ألمانيا صباح ١٥ سبتمبر ( ايلول ) فوصل برختسكادن الساعة الرابعة . وبعد تناول الشاى مع زعيم ألمانيا أخذ رجلا الدولة يتباحثان . ولم يحضر مباحثاتهما هذه التي دامت ثلاث ساعات غير المترجم
خلال هذه المحادثات أبان المر هتلر بوضوح وتأكيد وجوب إعطاء السوديت الألمان حق تقرير مصيرهم ، والعودة إلى الريخ إذا كانوا يريدون ذلك. وإذا لم يعطوا ذلك الحق ذان ألمانيا تأخذه لهم بالقوة .
وقد تذمر الهر هتلر من تهديدات بريطانيا له فأجاب المستر تشمبرلين على ذلك أنه يجب التفريق بين التهديد والانذار . وقد يكون القدر هتلر سبب معقول من الندم لو أن المستر تشمبرلين التفكير في أن بريطانيا لا تدخل ضده في حرب مهما كانت الظروف ، ولكن عملياً توجد حالات إن وقمت تضطر بريطانيا إلى دخول الحرب ضد ألمانيا .
ظهر للمستر تشمير بين أن امر عشر كان يتأب أن كسيح تشيكوسلونا كيا مما جعله يسأله لماذا مكنه من السفر إليه مسافة طويلة، ما دامت نتيجة ذلك ضياع وقته فقط. فأجاب المرهتلر على ذلك أنه لو أن المستر تشم برلين يؤكد له هناك (أى في ألمانيا ) وفى ذلك الوقت - أن الحكومة البريطانية تقبل مبدأ حتى تقرير المصير، لكان ( أي الهر هتلر ) مستعداً لبحث الطرق والوسائل لتنفيذ ذلك. ولكن إذا كانت الحكومة البريطانية لا نعتبر هذا المبدأ، فان من الحق ألا تكون هناك فائدة من متابعة المحادثات . غير أن المستر تشمبر لين لم يكن حينذ وفى ذلك المكان في حالة تمكنه من إعطاء مثل ذلك للتأكيد، فأعلم محادثه أنه يريد العودة للمشاورة مع زملائه في هذا الشأن ، إذا امتنع المر هتار من القيام بأعمال عدائية ربما يتمكن من معرفة جوا بهم . فوعده الهر هتلر بذلك .
عاد المستر تشمير لين إلى لندن صباح ١٦ - بتمبر (أيلول) ، معتقداً أن لا شيء يحول دون احتلال الجيوش الألمانية تشيكوسلوفاكيا إلا متح الألمان السوديت حق تقرير مصيرهم في وقت قريب. وكان ذلك فى رأيه ، الأمل الوحيد في الوصول إلى حل سلمي.
وفى اليوم نفسه ، وبطلب من المستر تشمبر لين عاد اللورد رنسيمان من يراغ إلى لندن. ولما سأله الصحفيون عن رأيه في الموقف أجاب: «كنت أود لو أني أعرف عن الموقف ما تعرفون، وأخشى ألا يكون عندى من المعلومات ما أفضى إليكم به غير القراء بأن الحالة دقيقة جداً رأنها بين يدى الله » .
وفى مساء ذلك اليوم عقد مجلس الوزراء البريطاني جلسة ، حضرها اللورد رنسيمان . وفى هذه الجلسة عرض رئيس وزارة بريطانيا لزملائه ما سمع من الحمر هنلمر ، وما حمل من فكرة عن موقف الجيش الألمانى إزاء المشكلة التشيكوسلوفاكية . وفى هذه الجلسة أيضاً أوقف المورد رنسيات الحكومة على الحلة في تشيكوسلونا كيا وأبدى لها ما يعتقده من حل حاسم لمكانها .
بعد أن عرض الفورد رنسيمان سير المفاوضات ووضع مسؤولية فشلها على الهر هنلاين ومعاضديه داخل البلاد وخارجها قال : ( مع ذلك فانني أعطف على قضية السوديت . إنه من المؤلم جداً أن يخضع الشعب الحكم شعب غريب» ثم أبان أنه حين وصوله كان زعماء السوديت الممتدلون لا يزالون يرغبون فى حل يبقيهم داخل حدود الدولة التشيكوسلوفاكية ، لتأكدهم أن الحرب ستقضى على بلادهم لأنها ستكون ساحتها . وقد حاول اللورد الوصول
إلى مثل هذا الحل ولكنه لم ينجح ، لتصاب أتباع المر هنلاين وإيجادهم العراقيل أمام تحقيق الحلول المعروضة . لهذا أخذ اللورد رنسيمان يدين بأن المقاطعات المأهولة بأكثرية كبيرة ألمانية يجب أن تعطى حالاً حق تقرير من برها ، وأنه إذا كان لابد من إذا ان بعض الأقاليم بألمانيا ، وهو يعتقد بضرورة ذلك ، فانه يجب أن يكون حالا ومن غير تأخر. لأنه وجد - حسب رأيه في ترك الحاله غير جلية - خطر حقيق : خطر حرب أهلية . ولذلك يرى وجوب اتباع سياسة سريعة حاسمة . أما إجراء الاستفتاء في المقاطعات التي تكون أكثريتها الساحقة ألمانية ، فما هو إلا : .
شكلي إذ الأكثرية من سكان هذه المقاطعات تحبذ الانضمام إلى ألمانيا . والاستفتاء لا يؤدى فى هذه الحالة إلا إلى تهيج شعور الجمهور ، وبالتالي إلى نتائج سيئة . لهذا فان المورد رنسيمان يوصى يضم هذه الأقلم التشيكوسلوفاكية إلى ألمانيا
أما الأقلام التي فيها النسبة الألمانية قليلة فانه يوصي بإعطائها الاستقلال الذاتي ضمن حدود الجمهورية التشيكوسلوفاكية وبعد أن عرض اللورد رنسمان مسألة الحدود، تناول الأوجه السياسية التي تتعلق بسلامة الجمهورية التشيكوسلوفاكية وبتحسين
علاقتها مع مجاوريها الملاصقين ، ولتحقيق ذلك يوصى : ۱ - منع الأحزاب والأشخاص في تشيكوسلوفاكيا الذين يشجعون انباع سياسة الخصومة المجاوريها ، من متابعة تحريضهم حتى ولو باتخاذ وسائل قضائية ضدهم
٢ - تثير حكومة براغ علاقاتها السياسية الدولية كما تعطى تأكيداً لج اوربيها بأنها لا تريد مهاجمتهم في أي ظرف من الظروف، أو بالاشتراك في أي اعتداء عليهم تنفيذاً لمعاهدات مع دول أخرى. ومعنى ذلك إلغاء حكومة براغ لمحالفاتها الدفاعية مع فرنسا والروسي
٣ - ضمان الدول الرئيسية - الذين يهمهم السلام في أوربا - حدود تشيكوسلوفا كيا فى حالة التعدى عليها ، غير المحرض عليه
4-عقد معاهده تجارية بين تشيكوسلوفاكيا وألمانيا إن كان ذلك مفيداً لاقتصاديات البلدين
كان تقرير اللورد و نسيان تأثير عظيم على الحكومة البريطانية. وقبل أن تضع خطتها النهائية ، رأت من الضروري استشارة الحكومة الفرنسية ، فدعا المستر تشمر لين المسيو دلادييه رئيس وزارتها ، والا مو بونيه وزير خارجيتها إلى لندن التشاور مع الوزراء البريطانيين في ١٨ سبتمبر ( إيلول )
اجتمع الوفد الفرنسي بالوزراء البريطانيين ، وأبان له المستر تشمبر اين مطالب الهر هنر ورأى الحكومة البريطانية فيها، وأوقفه على ما وصل إليه اللورد رنسيمان . وقد تم الاتفاق بينهم على مشروع لحل النزاع الألمانى التشيكويسلوفاكي يضمن شقيق مطالب زعيم ألمانيا ويحتوى على النقط التالية :
١ - فصل المناطق المأهولة بأكثرية ألمانية عن تشيكوسلوفاكيا وضمها إلى الريخ .
٢ - عدم إجراء الاستفتاء ، للصعوبات التي تنجم عنه ، والاستعاضة عنه بالتنازل عن المقاطعات التي كان يجب إجراء الاستفتاء فيها .
- تأليف لجنة دولية ، تكون تشكو سلونا كيا أحد أعضائها ، لتعيين الحدود التشيكية الجديدة والاشراف على تبادل السكان.
- تعهد حكومة بريطانيا بالاشتراك بضمان دولى للحدود التشيكية الجديدة بدلا من معاهدات الدفاع الحالية . وافقت الوزارة البريطانية بالاجماع على هذا الشروع ، أما في فرنسا فاعترض عليه أربعة من الوزراء . وفى 20سبتمبر ( إيلول ( أرسلت حكومة براغ ردها على مشروع لندن إلى الحكومة البريطانية ، أبانت فيه الأسباب التي تدعوها إلى عدم قبول التنازل عن الأرض السردينية. وأشارت إلى أنها لا يمكنها فقط قبول الاقتراحات الانكليزية الفرنسية التي وضعت دون موافقتها ، وطلبت أن يكون الخلاف بين تشيكوسلوفاكيا وألمانيا
موضع التحكيم ، وفقا لمعاهدة عام ١٩٢٦ المعقودة بين هذين البلدين، وأن تعيد حكومتا لندن وباريس النظر في المسألة؛ غير أن سفيرى بريطانيا وفرنسا زارا الرئيس بنيش في الساعة الواحدة والربع من سباح ٢١ سبتمبر (أيلول) وألحا عليه بضرورة قبول مشروع لندن، وقد أفهماء أن الحالة في بريطانيا لا تمكنها من دخول رب دفاعاً عن تشيكوسلوفاكيا، وبالتالي فان الحكومة الفرنسية لا تستطيع نجدة حليفتها . فقضت حكومة براغ ما تي من الليل في درس الحالة . وفى الصباح أصدرت بيانا ذكرت فيه الأسباب التي
اضطرتها إلى قبول مشروع لندن . ومما جاء فيه ، أنه « لم يسع رئيس الجمهورية والحكومة إلا قبول اقتراحات الدول الكبري لأننا وجدنا أنفسنا بلا معين ) .
على أثر ذلك اضطرب الرأي العام في تشيكوسلوفاكيا ، وقامت في البلاد مظاهرات وطنية ، واحتشدت الجماهير أمام قصر الرئاسة صارخة ( فليحى سيروفى ، وليحي الجيش فأطل الجنرال سيروفى مفتش الجيش العام من شرفة قصر الرئاسة
وألقى خطابا قال فيه : ( إنكم لا تعلمون الأسباب التي حملت الحكومة على اتخاذ القرارات الأخيرة. إنى أحب الجمهورية يقدر ما تحبونها . إننا لا نستطيع أن ندفع بالشعب إلى الانتحار ) - فأجابت الجماهير ( إننا نفضل الانتحار ولا نريد أن يمس شرفنا . نريد الكفاح ) ... وكانت النساء على الأرصفة يشهقن بالبكاء ، والدموع تساقط من أعين رجال البوليس.
وفي صباح ٢٢ سبتمبر (أيلول) استقالت وزارة الدكتور هودزا وأعلن تأليف وزارة قومية برئاسة الجنرال سيروفى ، رجل تشيكوسلوفاكيا القوى .
وبرغم مطالب بولندا و ٠٠٠ اريا التي زادت تعقيد المشكلة التشيكوسلوفاكية فان الدوائر السياسية ظنت أن الأزمة الدولية قد انفرجت بقبول تشيكوسلوفاكيا مشروع لندن الذى هو عبارة عن تحقيق مطالب المر هنار . واعتقدت أن طيران مستر تشبرلين إلى ألمانيا للمرة الثانية في ٢٢ سبتمبر ( إبلول ) مكال بالنجاح. فهل تحقق ظن هذه الدوائر ؟ هذا ما ستعرفه في المقال المقبل
