الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 695الرجوع إلى "الثقافة"

جهود المصارف فى غمرة الحرب، (على ذكر حوادث حرق القاهرة)

Share

عندما أكفهر الجو السياسي في سماء القارة الأوربية منذرا بقرب نشوب الحرب العالمية الثانية ، سارع مصرف كبير في بريطانيا (٥)  إلي اتخاذ أهم الاحتياطات الوقائية ضد الغارات الجوية ، وكان ضمن تلك الوسائل التي كانت تتطور من حسن إلى أحسن ، أخذ صورة طبق الأصل من كل سجل من سجلات الحسابات الجارية والإيداع والتوفير والودائع والكمبيالات تحت التحصيل ، والكمبيالات المحولة وغيرها من السجلات الهامة الخاصة بشئون العملاء والمصرف . وقد لعبت آلة التصوير في بعض الأقسام دورا هاما في هذه الجهود الشاقة .

ولم يقتصر هذا العمل الإضافي الجديد علي نسخ اصول السجلات فحسب ، بل كان المسئولون يعجلون في إرسال السجلات المنتهية إلى الجهة التي اختيرت لإيداعها بها - هذا ما حدث في بريطانيا ، أما في غيرها من البلدان فلم يكن من السهل تنفيذ هذه العمليات ، ناهيك بندرة الورق في ذلك الحين وصعوبة الحصول عليه .

وما إن أغارت طائرات العدو في شهر مايو سنة ١٩٤١ على العاصمة البريطانية ، وأصابت قنابلها ضمن ما أصابت فرعا من فروع هذا المصرف حتى تبين للكل ضرورة الأخذ بهذه الفكرة ؛ إذ سرعان ما أكلت النيران التي أشعلتها القنابل المحرقة التي ألقيت خلال هذه الغارة الشديدة المدمرة ، كل ما كان أمامها من أوراق ، ولم حدث لهذا المصرف الذي كان أول من اتبع هذا النظام أن تأخر مرة

واحدة بسبب حدوث غارة جوية عن استئناف عمله ( في مواعيده ) في أي مكان آخر ، وفي اليوم التالي مباشرة ، منعا لتأخير إنجاز أعمال عملائه وتعطيل مصالحهم .

وقد درس عدد كبير من موظفي تلك المؤسسة قبل قيام الحرب طرق الوقاية من الغارات الجوية ، أو استمع إلي المحاضرات التي ألقيت عنها . كما اشترك بعضهم فعلا في مراقبة الغارات فيما بعد ، وفي الغارات التجريبية ؛ بل وتألفت منهم فرق لمكافحة النيران وللاسعاف والمحافظة على النظام في المصرف الخ ، وخاصة عند اشتداد الازمة وقد يصعب على الكاتب أن يصور الجهود الحبارة التي بذلها هؤلاء الموظمون هم وغيرهم في معركة بريطانيا ، التي لم يعرف عنها العالم الخارجي إلا القليل ، كما تم يشهد لها التاريخ أي مثيل .

ولم تكن الغارات الجوية هي الأخطار الوحيدة التي كانوا يخشونها ، بل كان هناك خطر الغزو ، لاسيما بعد انسحاب الجيش البريطاني من دنكرك وإصدار الحكومة تعليمات عن الخطوات التي يجب اتباعها عند وقوع هذا الخطر .

ومن الاحتياطات التي اتخذها هذا المصرف ، عدم حصر كل السلطة في مركزه الرئيسي بالعاصمة ، بل قام كل فرع على تصريف شئونه الخاصة ، وقسمت المناطق في الجهات التي بها فروع المصرف إلي مجموعات أشرف علي كل منها موظف مسئول ، وأخذت الحيطة من وقوع المركز الرئيسي في أيدي الأعداء في حالة الغزو ، كي لا يصدروا تعلمات زائفة الفروع بالخارج ترتبك بسببها أعمالها ويصيبها الفشل .

وللدلالة على شدة الغارات التي قاساها هذا المصرف وفروعه ، يكفى أن تذكر أن رفع الأنقاض كان يستغرق أحيانا خمسة أسابيع دون أن يتمكن الموظفون من الوصول إلى مكان الخزائن الحديدية تحت الأرض ؛ وكان يحدث أن تحتفظ هذه الخزائن والأنقاض بحرارة النيران ، بالرغم من مرور وقت طويل على حدوث الغارة . كما كان يصعب فتح الحزائن من شدة تأثير النيران . فكانوا يضطرون إلى قطعها ليجدوا لدهشتهم جميع محتوياتها كانها شويت بل وزاد شواؤها على النار ؛ وقد حدث أن فقدت جميع السجلات ، فرجعوا لصورها الحفوظة في مكان آخر .

ولم يمض وقت طويل علي قيام الحرب حتي تدفقت على الولايات المتحدة الأمريكية سيول اللاجئين من مختلف بلاد أوربا والجزر البريطانية ، وزادت مشاكل فروع المصارف هنالك بمشاكل هؤلاء ، إذ رحل أغلبم عن بلادهم تاركين أموالهم في مصارفهم آملين - كما خيل لهم - انهم بمجرد أن تطأ أقدامهم أرض مدينة نيويورك . فهم لابد حاصلون بطريقة سحرية على ما يلزمهم من مال بعد أن جمدت أموالهم في بلادهم ، غير مقدرين ما ستلاقيه المصارف من صعوبات في حل مشاكلهم المالية ، بالرغم من مجاملة الحكومة الأمريكية لهذه المصارف نظرا لاختلاف القوانين في بلد عن آخر . ويكفي أن نشير إلى أن إنهاء عملية مالية واحدة استنفذ ذات مرة من الورق مازنته ثلاثة عشر رطلا ونصف رطل بين فواتير ومستندات .

وقد كانت الأعباء علي كواهل موظفي فروع المصارف بمدينة نيويورك تزداد كلما طلبت منها حكومة أو أخرى طلبا ما . فمثلا عندما أصدرت الحكومة البريطانية أمرها في أغسطس سنة ١٩٤٠ بعدم جلب أوراق العملة الإنكليزية  (البنكنوت) من الولايات المتحدة إلى إنكلترا إلا عن طريق المصارف في موعد غايته ٢٧ أغسطس من ذلك العام . وكانت هذه التعليمات لم تصل مدينة نيويورك إلا يوم ٢١ أغسطس سنة ١٩٤٠ ، أي ثم يكن هناك مهلة غير سبعة أيام فقط ، فقد سارع فرع ذلك المصرف بعد اتصاله بمدينة لندن إلى تنفيذها قبل الموعد المهدد ، إذ أرسل

١٢٩٤٧٣ جنيهاً انكليزيا ( أغلها من الفئات الصغيرة ) إلى انكلترا متخذا كل الاحتياطات لوصولها سالمة ، من ذلك أنه قطع جميع أوراق العملة  (البنكنوت) نصفين  (*) أرسل كل نصف في طرد على حدة بعد فرزها وعمل بيان (من ثلاث صور) عنها موضحا به قيمة كل ورقة ، ومكان وتارع إصدارها . وقد أخطر المصرف بوصول الطردين إلي إنكلترا سالمين .

وما أن مؤسسة النافي N.A.A.F.I(**)ومثيلتها الأمريكية أنشئتا للترفيه عن الجنود أينما وجدوا ، فقد كانت جميع أعمال المصارف تؤدي لهما ولأفراد القوات المحاربة في ميادين القتال بسولة تامة . ففي بنغازي وفي غيرها كان في استطاعة الفرد أن يرسل تلغرافيا أو بالبريد نقودا لأسرته المقيمة في أرض وطنه ، هذا إذا كان مقتصدا ، أما إذا كان من المبذرين فكان في مقدوره أيضا أن يحصل على قيمة الشيكات المسحوبة على مصارف في بلاده . وكم كان سرور الجميع وتعجبهم لمثل هذه التسهيلات

وبالرغم من أن الحرب تطورت لصالح الأمم المتحدة فما بعد فإن الغارات الجوية كانت في مستهل عام ١٩٤٤من لا تزال مستمرة ، وكانت ليلة ١٩/١٨ فبراير ١٩٤٤ من الليالي الليلاء بالنسبة لحي ومبلدن  (Wimbledon) حيث يوجد المركز الرئيسي لذلك المصرف وأكثر موظفيه ، إذ أصابته إحدي القنابل الثقيلة التي سقطت في تلك الليلة في حديقة تبعد عنه نحو اثنين وعشرين مترا فشلت حركته . وكانت هذه الدار من الدور القديمة الفسيحة ذات الطوابق العديدة ، ولها ملحق كانت تشغله إدارة حسابات المصرف . وكان يقوم بالمراقبة في ذلك الوقت ثلاثة من موظفي الصرف وبالحراسة ليلا أحد الحراس .

وكانت الإصابات في الأرواح عديدة ، كما دمرت إحدى الدور القريبة تدميرا واشتملت النار بدار اخرى بعد أن أصابتها القنبلة إصابة شديدة ، ولم تسلم إدارة الحسابات من النيران .

وبالرغم من أن موظفي الصرف الذين كانوا مكلفين بالمراقبة ، قد كافحوا النيران لئلا تمتد للمبنى الرئيسي ، فإنهم لم يستطيعوا عمل شئ أكثر من ذلك إلى أن أتت فرقة مطافئ المدينة إذ كانت تطفئ الحرائق في أماكن اخرى فأخمدت النيران.

وبفحص ما خلفه الحريق بعد هدوء الحالة وإنقاذ

ما أمكن إنقاذه تبين أن كمية كبيرة من الأوراق والسجلات لم تعد تصلح قطعا . أما ما كان محفوظا منها في الأصونة  الدواليب ( الصلب فقد تأثر قليلا من لفحة النيران) . كما أن القسائم والدفاتر التي كانت محزومة جيدا لم تصب النار الابعض أطرافها وما كان ظاهرا منها . وكانت عملية الإنقاذ وفرز السجلات والقسائم عملية شافة واحتاجت لوقت طويل . أما السجلات الهامة فكانت محفوظة في الخزانة المعدة لحفظها تحت الأرض ولم يصبها شئ .

اشترك في نشرتنا البريدية