الرجوع إلى البحث الذهاب لعدد هذه المقالة العدد 679 الرجوع إلى "الثقافة"

جواب على نقد :, حول " ثورة الخيام "

Share

تفضل الأديب الشاعر ، الأستاذ محمد عبد الغني حسن فكتب في " الثقافة " الغراء مقالة عن كتابي " ثورة الخيام " جاءت آية مفصحة عما يتحلى به كاتبها من أدب رفيع ، وذوق فني مطبوع ، ونقد نزيه . وإني إذ أزحي إليه خالص شكري علي ما أولاني من حسن ظنه وكرم نفسه أود أن أجيب على بضعة أمور أخذها علي . ويبدو أنه لا مفر من خلاف في الرأي بين ناقد ومؤلف ، كلاهما مخلص للحقيقة صادق في الدفاع عنها . وما أنفعه من خلاف .

أظهر الأستاذ عجبه لاقتناعي بصحة مقطوعات عربية ذكرتها للخيام ، وشك في نسبتها إليه . وقد ظن فيما يبدو أن دليلى على صحتها ما ورد فيها من ذكر الطبيعة والأفلاك ، والسعد والنحس ، وحسب على حين أني دللت على صحتها بقولي إنه قد " خلص إلينا شعر عربي للخيام لم يطعن أحد في صحته ، فما أعلم . "

فما الداعى إلي الشك في شعر يرويه الأقدمون للخيام ولم يطعن أحد في صحته ، أعني أن أحداً لم ينسبه إلي غير الخيام ، خصوصا إذا كان " أسلوبه أشبه بالعلماء منه بالشعراء " وكان ما فيه من استعارات وتشابيه وذكر للأفلاك والسعد والنحس " وأدل على الخيام حتى من رباعياته الفارسية " ( ص - ٤٥ و ٤٦ ) .

على أني لا أبريء نفسي من خطأ ، فأنا اعترف للأستاذ محمد عبد الغني حسن بأني سهوت عن ذكر سند هذا الشعر العربي . وأقول الآن إن المقطوعة التي ناقشها الأستاذ قد رواها الشهرزوري ( شمس الدين بن محمود ) في كتابه " نزهة الأرواح وروضة الأفراح " الذي تم تأليفه ما بين عاي ٥٨٦ و ٦١١ ه - وهو أقدم عهداً ، وأقرب إلي عصر الخيام ، وأوثق سنداً من معظم رواة الرباعيات الأصيلة " المعتمدة . فإن شككنا في صحة هذه المقطوعة العربية

فلتنفض أيدينا من كل الرباعيات الفارسية أيضاً . والذي دعا الأستاذ الناقد إلى الشك في صحة نسبة الشعر العربي إلي الخيام هو فخره بنفسه في المقطوعة المذكورة إذ يقول :

تدين لي الدنيا ، بل السبعة العلي

                                 بل الأفق الأعلى إذا جاش خاطري

فهو يحسب الخيام متواضعا لأنه " شاعر الطين والصلصال " . أما أنا فلا أعرف للخيام تواضعا ، وإنما أعرفه نياها فخوراً - على طريقته - ثأئراً على كل شئ لم يطأطئ إلا حبال ( الموت ) الذي عجز عقله عن فهمه والاحتيال له . وقد فخر الخيام في بعض رباعياته ايضا ، ومنها :

قد حللنا مشكلات الكون طرا لفلل

                    من حضيض الأرض تالله إلى أوج زحل

ووثبنا من أحابيل خداع وحيل

                    ففضحنا كل سر . . ( ما عدا سر الأجل )

إني أكتفي بهذه الرباعية شاهداً ، لأنها من الرباعيات المعتمدة التي لايشك الباحثون في نسبتها إلى الخيام ، ولأنها - باستثناء الجملة الأخيرة - تؤدي عين المعنى الذي أفصح عنه الخيام في هذا البيت العربي ، بكل مافيه من تطاول وشموخ على الأرض والسماء . ولو استبدلنا الجملة الأخيرة من هذا البيت بالجملة الأخيرة من هذه الرباعية ، فقلنا :

تدين لي الدنيا ، بل السبعة العلي

                           بل الأفق الأعلي ، ( ومادان لى الأجل )

لكنا قد ترجمنا الرباعية ترجمة موجزة ، ولكنها صحيحة : فالفخر إذاً لا يصلح حجة لنفي شعر عربي عن الخيام بل إني لا أتردد طويلا في اتخاذ " التواضع " حجة على بطلان نسبة مقطوعة أو رباعية إليه إذا وجدت فيها شيئا من التواضع !

ويري الأستاذ الناقد كذلك أني ظننت " أن وصف العروضى السمرقندي للخيام بالإمام طوراً ، ويحجة الحق طوراً هو من ولائل توهمه بأن الخيام من الأولياء أرباب الكرامات " .

والحقيقة أن هذه ملاحظة أزجيتها تعقيبا على حكايته الأولى ولم أقل إنها الدليل . وما كل ملاحظة يوردها كاتب في معرض إيضاح رأي له تعد داله على ذلك الرأي . وأما دليلى على وهم السمرقندي فهو حكايته نفسها ، ويالها من دليل وقد قلت عند مناقشة حكايته الثانية ، إن عقله " عقل خرافى  كما يتضح من بعض حكاياته في مقالاته الأربع "  -  ( ص - ٣٠٠ ) فهذا دليل آخر ! .

ويقول الأستاذ محمد عبد الغني حسن : " فإذا صح هذا المنطق الجديد جاز لنا أن نقول إن المسلمين اليوم توهموا الشيخ محمد عبده من أرباب الكرامات والأولياء لأنهم وصفوه بالإمام ! " .

إني أرجو الأستاذ أن يلحظ الفرق بين عقلية المسلمين اليوم في عصر الذرة والتدمير وعقلية العروضى السمرقندى الذي كان متخلفا عن الأذكاء حتى من أبناء جيله . وها أنا اعترف ، للمرة الثانية ، أني لو وجدت اليوم قوماً يلقبون الشيخ محمد عبده بالإمام وحجة الحق . وهم يعتقدون انه كان يرجم بالغيب ويتنبأ بالتنجيم ، بمثل السذاجة التي اعتقد بها السمرقندى  ذلك في الخيام - لما تمالكت نفسى من القول بأنهم يتوهمون أنه من الأولياء أرباب الكرامات !.

وفي الختام أعود فأقدم للناقد أصدق آيات الشكران عن نقده وإطرائه جميعا فإن الأول يدل على أنه تعمق في قراءة الكتاب ومحصه فلم يقتنع بما يقتنع به أوساط الفراء من مطالعة سادرة عابرة . والثاني يدل على انه استحسنه ورضى عنه . وهل يطمع مؤلف بأكثر من هذا من قاريء ممتاز وأديب كبير كالأستاذ محمد عبد الغني حسن ؟ .

اشترك في نشرتنا البريدية