قرأت في العدد ٦١٠ من الرسالة الغراء في البريد الأدبي (ص ٢١٤) كلمة للسيد أحمد حمد آل صالح تحت عنوان (تساؤل واستفهام) ، فأكبرت له إحفاءه في التساؤل، ودقة ملاحظاته في النواحي التاريخية، وأحببت أن أجيبه إلى بعض ما سأل عنه:
١ - من أنعم النظر في معجم الأدباء الذي قام بطبعه المستشرق مارجليوث طبعتين، ثم حذت حذوه دار المأمون في طبعتها المشكولة - علم أن كل هذه الطبعات كانت عن نسخة واحدة لا ثانية لها، وإذا كانت هناك نسخ أخرى فإنما هي ناقصة مخرومة. ومن هنا يجد المتصفح للكتاب المذكور أن بعض الأعلام لم يرد منها في الكتاب إلا النزر اليسير، فإن المسمين - من الأدباء - بعمرو كثيرو العدد جداً، مع أنه لم يرد منهم في هذا المعجم إلا أربعة، وكذلك المسمون بعبد الله لم يرد منهم إلا عشرة، والمسمون بعمر لم يرد منهم إلا بضعة عشر، مما يدل بوضوح على أن قسماً كبيراً من هذا الكتاب لا يزال في طيات الخفاء. يعرف ذلك كل من تصفح هذا الكتاب من أهل المعرفة بكتب الطبقات ومعاجم الأعلام.
٢ - هذا من جهة ومن الجهة الأخرى فإن لياقوت معجمين اثنين واحدا منهما للشعراء والآخر للأدباء. والظاهر أن الأمر قد اختلط على بعض الوراقين فنقلوا من معجم الشعراء ترجمات وضموها إلى معجم الأدباء مثل ترجمة الفرزدق وصريع ا لغواني وأبي دلامة ومن إليهم.
٣ - على أننا نرى أن نترك كلمة الفصل في الجواب لياقوت نفسه إذ قال في مقدمة كتابه هذا ما نصه: (وجمعت في هذا الكتاب ما وقع إلي من أخبار النحويين، واللغويين، والنسابين، والقراء المشهورين، والإخباريين،
والمؤرخين، والوراقين المعروفين، والكتاب المشهورين، وأصحاب الرسائل المدونة، وأرباب الخطوط المنسوبة والمعينة، وكل من صنف في الأدب تصنيفاً، أو جمع في فنه تأليفاً، مع إيثار الاختصار والإعجاز، في نهاية الإيجاز).
ثم قال: (وكنت قد شرعت عند شروعي في هذا الكتاب أو قبله في جمع كتاب في أخبار الشعراء المتأخرين والقدماء، ونسجتها على هذا المنوال، وسبكتها على هذا المثال في الترتيب، والوضع والتبويب، فرأيت أكثر أهل العلم المتأدبين، والكبراء المتصدرين، لا تخلو قرائحهم من نظم شعر، وسبك نثر، فأودعت ذلك الكتاب كل من غلب عليه الشعر، فدون ديوانه، وشاع بذلك ذكره وشأنه، ولم يشتهر برواية الكتب وتأليفها، والآداب وتصنيفها، وأما من عرف بالتصنيف، واشتهر بالتأليف، وصحت روايته، وشاعت درايته، وقل شعره، وكثر نثره، فهذا الكتاب عشه ووكره. . . وأجتزئ به عن التكرار هناك، إلا النفر اليسير الذي دعت الضرورة إليهم، ودلتنا عنايتهم بالصناعتين عليهم، ففي هذين الكتابين أكثر أخبار الأدباء، من العلماء والشعراء، وقصدت بترك التكرار، خفة محملة في الأسفار. . .)
ومن هذا يعلم القارئ الكريم السبب في إغفال ياقوت في معجمه هذا ذكر حسان بن ثابت والحطيئه والأخطل. . . الخ لأنه ذكرهم في معجمه الثاني. وأن من جاء ذكره من الشعراء في هذا المعجم ممن لم يشتهر بالتأليف مثل الفرزدق، فإنما هو من عمل الوراقين ليس غير.
ونحن لا نشك في أنه إذا تيسر العثور على معجم الشعراء يتبين التمايز بين هذين المعجمين.
٤ - أما الأئمة العظام الذين لم يشتهروا بقول الشعر أو النثر الفني كالإمام أبي حنيفة والإمام أحمد فلا معنى لإثباتهم في هذا المعجم. أما الإمام الشافعي، فله شعر معروف، ونثر موصوف، لا يزالان خالدين إلى يوم الناس هذا. والمعروف أن الإمام الشافعي
طلب الأدب قبل أن يطلب الفقه. وقد روى الرواة أن عبد الملك ابن قريب الأصمعي قال: قرأت شعر الهزليين على فتى من قريش يقال له محمد بن إدريس (يعني الشافعي) .
ملحوظة: ذكر الكاتب الفاضل اسم البحتري بين الشعراء الذين أغفلهم ياقوت في معجمه هذا. مع أن ترجمته وردت مبسوطة في الجزء التاسع عشر من (ص٢٤٨ إلى ص٢٥٨) ويظهر لنا أن السبب في ذكره بين الأدباء يرجع إلى كونه معدوداً في زمرة المؤلفين، فإن له ديوان الحماسة الذي عارض به حماسة أبي تمام، وقد طبع بمصر في المطبعة الرحمانية سنة ١٩٢٩ فاستحق بهذا أن يعد بين الأدباء، كما هو معدود في الطليعة من فحول الشعراء.
(بغداد - كلية الحقوق)

