لا جدال في أن شخصية الشاعر الألماني جوته " كانت متعددة النواحي ، وان اتجاهاته كانت كثيرة إلى الحد الذي يستطيع فيه الناس أن نجد كل الناحية التي تصحبه أو الاتجاه الذي يلائمه . ولهذا تعديت نواحي الدراسات والبحوث التي قام بها النقاد والأدباء في مختلف أقطار الأرض . وهناك من النقاد من يعلى من شأنه بسبب رأيه في الطبيعة والإنسان ، وضع مؤلفاته في المرتبة الثانية من عبقريته ، بعد فكرته عن الإنسان وشعور هذا الإنسان بالطبيعة وبمركزه منها .
ويرى الناقد الإنجليزي " هوايت " أن هناك ثلاث مراحل هامة في تطور الفكر البشري : المرحلة الأولى منها تبدأ من بدء انفصال الإنسان عن الفصيلة الحيوانية ، وكان الإنسان فيها يشعر بأنه جزء من الطبيعة لا يحس استقلالا عنها ، والمرحلة الثانية تبدأ في القرن الرابع قبل مولد المسيح ، وقد أصبح الإنسان في هذه المرحلة يشعر بوجوده مستقلا . ويفكر في نفسه باعتباره منفصلا عن الطبيعة . وقد بدأ هذه المرحلة الفيلسوف الأغريق أفلاطون ، الذي فصل القيم الذاتية عن عالم الظواهر الطبيعية . وهذا الفصل العميق قد صبغ بلونه تفكير أغلب مفكري العالم منذ ذلك الحين . فقد اعتبروا الفكر والمادة شيئين منفصلين في الأصل ، وأن الشعور الإنساني والإرادة الإنسانية منفصلان عن العالم الخارجي . وأما المرحلة الثالثة ، فيري كثير من المفكرين أننا مقبلون عليها ؛ وسوف تمتاز هذه المرحلة بأن الإنسان يسترجع فيها ذلك الشعور بالوحدة مع الطبيعة ، ولكنه يدرك هذه المرة العمليات الطبيعية التي تعمل في نفسه . وهذا الشعور نتيجة للاعتقاد العقلي الواضح الذي يعزوه الفهم العلمي للعمليات العضوية وغير العضوية والعقلية التي تصل داخل غدد الإنسان ، وثمرة مباشرة للأثر المتزايد للعلم ولاتساع مجاله ومدى أبحاثه . وخاصة في ميادين علم الحياة وعلم النفس وعلم الاجتماع . وإذا ما استمر تقدم العلم ،
سوف يرى الإنسان نفسه بعد قليل أو كثير جزءا من النظام العام للطبيعة ، ولذلك لا يدهشنا إذا ما وصل عدد غير من المفكرين إلى أننا ندخل المرحلة الثالثة التي تمتاز بالإدراك العلمي الواضح للانسان باعتباره جزءا من الطبيعة .
ولذلك يرى " هوايت " أن أفلاطون كان رمزا المرحلة الثانية ومبشرا بها وممهدا لها ، كما يرى جوته رمزا للمرحلة الثالثة ومبشرا بها وممهدا لها أيضا .
ومهما كان رأينا في فكرة " هوايت " فلا جدال في أن إحساس جوته بالطبيعة كان احساسا غير عادي ؛ فلقد اعتقد هذا الشاعر في أن الإنسان يستطيع بالملاحظة الدقيقة أن يفهم جميع التغيرات التى تعتري الطبيعة ، حتى إنه قال ذات مرة إن مطمعه الوحيد هو الكشف عن قانون واحد للتغيرات التى تطرأ في عوالم الطبيعة المختلفة : العالم غير العضوي للكمياء والجيولوجيا ، والعالم العضوي لنماء النبات وتطوره ، والعالم الانساني للدرس والتعلم ، والعلاقات الفردية والإبداع الفني . وظل من فجر حياته حتى مغربها يسيطر عليه احساس عميق بالوحدة مع الطبيعة . وهناك لحظات خيل إليه فيها أنه كشف هذا القانون في إحدى هذه الميادين ، ولكن الرأي العلمي لم يقدر اكتشافاته هذه كما قدرها هو نفسه .
وكان هذا الاتجاه جديدا . فلم يكن جوتة يفكر تفكيرا منظما مضطردا ، ولذلك استطاع بصيرته وإلهامه أن يتغلب على تلك الثنائية التى سيطرت على الفكر البشري .
ونحن لا نستطيع أن اسمي هذا فلسفه عن الطبيعه ولا حتى رأيا ، ولكن يكفي أن نسميه إحساسا بالطبيعة ، لأن جوته فكر فيه من الناحية البصرية ، ولأنه كان إحساسا حبا غير عادي بالطابع العام للوجود ، وهذا واضح في كتاباته عن الطبيعة وفي مذكراته عن نفسه وعن العلوم ؟ على أننا نستطيع أن نتبين أثار ، أيضا في جميع مؤلفاته وأطوار حياته .
وينبغي ألا يعوقنا النقاش عن قيمة اكتشافاته في العلوم عن رؤية جمال رأيه في الطبيعة ومغزاه ، فلم يكن جوته عالما بالمعنى الذي نعرفه اليوم .
وهذا الإحساس ملون بفلسفة الوحدة مع الطبيعة وفلسفة الحلولية ، فقد اعتقد جوته أنه لا يوجد دوام ، فكل شئ في مرحلة التتكون والتحول ، وانه علينا ان نكتشف قانونا واحدا يسود الكون للتكون Oeutaliung والتحول Mentomorphose ولا ينبغي أن ننظر إلى الإنسان باعتباره فردا معزولا ، ولكن باعتباره تعبيرا عن الطبيعة العامة . وهذه الوحدة في العمليات الطبيعية تكمن تحت التقسيم الظاهرى للعقل والمادة ، ولذات والموضوع ، وان المواهب الإنسانية التي تعمل في الخلق والإبداع تعبير عن العمليات العامة التي تعمل في الإنسان ، ومن الحكمة أن تقل ما تتضمنه هذه العمليات ، وأن حاول إيجاد التوافق بين جميع الدوافع التي أوجدتها الطبيعة فينا .
وكان جوته مقتنعا اقتناعا جازما بأن الطبيعة الإنسانية تصور القوانين العامة ، وهذا يتضمن موهبة الخلق والإبداع في رجل الفكر ورجل الفن ، وهذه القوانين يمكن وجودها في الطبيعة العضوية وغير العضوية . وكان يري أن التاريخ وعلم الحياة وعلم الأخلاق وعلم الجمال تصير كلها واحدة إذا ما فهمناها جيدا ؛ وقال إنه يمكننا معرفة الجمال الموجود في الطبيعة والفن معرفة كاملة ، إذا ما عرفنا أولا القوانين العامة للطبيعة ، وثانيا القوانين الخاصة التي تعمل بها الطبيعة عملا منتجا داخل غدر الإنسان .
ومهما كان رأينا في تلك الآراء ، فلا جدال في أنها قد أثمرت ثمرا فنيا وإنسانيا ، وخاصة أن جوته قد رأي بجانبها وحدة الجنس البشري ، وقال في عصر اشتدت فيه روح القومية والتعصب للحضارة الأوروية :
ومن يعرف نفسه وغيره .
يتحقق من هذا أيضا .
فالشرق والغرب ،
لا يستطيعان العيش معزولين من بعد .

