في يوم الثلاثاء الماضي نعت أنباء رومة العلامة المخترع الأشهر جوجليلمو مركوني، الذي كان لاختراعاته في المواصلات اللاسلكية أعظم أثر في تطور الحياة البشرية في عصرنا، وكان مولد هذا العلامة الكبير في مدينة بولونيا (بإيطاليا) في ٢٥ أبريل سنة ١٨٧٤ في أسرة كريمة من أب إيطالي وأم ارلندية، وتلقى مركوني تربية حسنة في جامعة لجهورن ثم في جامعة بولونيا؛ وكان من أساتذته العلامة الرياضي الشهير روزا. وأبدى مركوني منذ حداثته عناية خاصة بكل ما يتعلق بالكهرباء، وشغلته فكرة نقل التموجات الكهربائية عن طريق الهواء فأجرى فيها تجارب لم تشجعه عليها الحكومة الإيطالية يومئذ؛ فذهب إلى إنكلترا واتصل بالسير وليم بريس كبير مهندسي التلغرافات يومئذ، وأجرى تجاربه بإشرافه، ونجحت التجربة لأول مرة فوق خليج برستول. وفي سنة ١٨٩٩ تقدمت التجربة خطوة جديدة، واستطاع مركوني أن ينظم المواصلات اللاسلكية بين فرنسا وإنكلترا فوق القنال الإنكليزي. وفي سنة ١٩٠١ استطاع أن ينظم المواصلة اللاسلكية فوق المحيط الاطلانطيقي بين كورنوال في إنكلترا وجزيرة نيوفوندلند في أمريكا على مسافة ٢١٠٠ ميل؛ وعلى أثر ذلك افتتحت المواصلة اللاسلكية بصفة رسمية بين أوربا وأمريكا، وكلل اختراع مركوني بالنجاح الكامل؛ وذاع الاختراع
بسرعة، واستعملته السفن التجارية منذ أوائل هذا القرن، وكذلك نظم في جميع الأساطيل الحربية، وأضحى أداة سهلة سريعة للمواصلات البرقية؛ وخصص مركوني حياته لتحسين اختراعه المدهش؛ وأنشأ منذ سنة ١٩٠٠ شركة للمواصلات اللاسلكية سميت باسمه ولها اليوم فروع في جميع أنحاء العالم. ولما دخلت إيطاليا في الحرب الكبرى تولى مركوني الإشراف على المواصلات اللاسلكية الإيطالية؛ وفي نهاية الحرب انتدب عضواً في الوفد الإيطالي لدى مؤتمر الصلح، وتولى عن إيطاليا توقيع معاهدات الصلح التي عقدت مع النمسا وبلغاريا؛ ومنح مركوني من ألقاب الشرف العلمية والأوسمة الرفيعة ما يضيق المقام عن ذكره؛ ومنح جائزة نوبل للعلوم في سنة ١٩٠٩؛ وانتخب منذ سنة ١٩٣٠ رئيساً للمجمع العلمي الإيطالي؛ وأنعم عليه بلقب المركيز، وانتخب عضواً بمجلس الشيوخ
واليوم يغدو اختراع مركوني في المواصلات اللاسلكية وتبادل التموجات الأثيرية أعظم ما عرف العصر؛ ولم يحدث أي اختراع آخر مثل ما أحدث اختراع مركوني من ثورة في نظم الحياة البشرية، ولم يقرب مثل ما قرب بين أبعد أطراف العالم. وإذا كنا نستطيع اليوم في لمح البصر أن نتصل بأوربا وأمريكا واستراليا ونحن جلوس في منازلنا، وأن نصغي إلى آخر الأنباء العالمية، وأن نسمع الموسيقى والغناء على بعد آلاف الأميال؛ وإذا كانت السفن في عرض المحيط، والطيارات في جوف الفضاء، تستطيع الاتصال والاستغاثة عند اللزوم، فالفضل في ذلك كله يرجع إلى عبقرية جوجليلمو مركوني
ولم ينبغ في عصرنا من المخترعين نبوغ ماركوني في ميدانه سوى رجل واحد هو أديسون المخترع الأمريكي؛ على أن مركوني يتفوق على أديسون من الناحية العلمية، ويمتاز بسعة آفاقه التي لم يحد منها بحر ولا جبل ولا هواء. وقد عاش مركوني طول حياته في جو من الهدوء والثقة، يحمله النجاح إلى التماس النجاح؛ وكان مثل العلامة المتواضع يرتفع بالفكرة الإنسانية إلى ذروتها.

