كتبنا كلمة في هذا الباب من أبواب (الرسالة) منذ أسبوعين عن حياة جوركي؛ وها قد لفظ أديب الشيوعية الكبير آخر أنفاسه في الأسبوع الثاني من هذا الشهر (٩ يونيه سنة ١٩٣٦) من أثر التدرن الذي كان يشكو منه دائماً والذي سافر من أجله إلى إيطاليا يستشفي منه، ولكن ما زال به حتى قضى عليه في النهاية. وقد ذكرنا أن جوركي عمل في حداثته عند خباز، ونذكر اليوم أن هذا الخباز كان اسمه (راماس) من مدينة قازان، وأنه كان ذا أثر كبير في توجيه مكسيم جوركي، فقد كان يعمل ليلاً في مخبزه اتقاء لشبهة جواسيس القيصر، ثم يبث في عماله روح الانتفاض على ظلم القيصرية بما كان يلقيه عليهم من أحاديث ملتهبة، وبما كان يقرئهم من كتب ويثقفهم به من معلومات. وكان الفتى جوركي أشد العمال تعلقاً براماس، وكان يلتهم كتبه التهاماً حتى حدثوا عنه أنه كان يقضي نصف أوقات راحته ونومه مكباً على كتب راماس! ولما علق جوركي الأدب ومهر في الخطابة توجه إلى بطرسبرج ودعا الشعب إلى مطالبة القيصر بالدستور، ثم جمع عدداً كبيراً من العمال وتوجه بهم إلى قصر القيصر في مظاهرة صاخبة وهتفوا بحياة الدستور، وما هي إلا لحظة حتى حصدتهم نيران البنادق والمدافع من كل صوب، ونجا جوركي بأعجوبة. ولكنه قبض عليه وحوكم أمام محاكمة عسكرية فقضت عليه بالسجن لمدة سنة وعلى الزعيم الآخر (الأسقف جابون) بسنة مثلها (١٩٠٥)
وكان جوركي يستشفي في إيطاليا حينما هبت الثورة في روسيا فعاد إليها ليلقى لينين وليكون هو وتروتسكي أشد أعوانه وأكبر مؤيديه، وإن يكن جوركي كان يأخذ على طاغية روسيا وزعيمها الأكبر أخذه الناس بالشدة وسوقهم إلى نظمه بالعنف، وكان
يصارحه بعدم رضاه عن هذه الطرق التعسفية في بث مبادئ الثورة مع علمه أن معنى معارضة لينين الشنق والقتل بالرصاص. والعجيب أن عطف جوركي هذا لم يستمر طويلاً. فقد حدث بعد موت لينين أن أختلف ستالين وتروتسكي من أجل تنفيذ مبادئ الثورة تنفيذاً حرفيا فكان من رأي تروتسكي أخذ الفلاحين بالعنف وإخضاعهم بالقوة لتعاليم لينين، ولكن ستالين أبى ورأى في الطفرة تمهيداً لثورة الفلاحين ففضل التدرج معهم في جذبهم إلى حظيرة هذه التعاليم. واشتد الخلف بين أقطاب الشيوعية، وملك ستالين زمام الأمور، وفر تروتسكي خارج روسيا، ولحق به جوركي؛ ولكن جوركي عاد إلى روسيا بعد ذلك فشهد بعينه صدق نظر ستالين، فرجع عن رأيه لما رأى من استقرار الأمور، وعاد إلى سالف تشجيعه للاتحاد السوفيتي فعينه في لجنته التنفيذية.
وجوركي من اشد الملحدين الذين عرفهم التاريخ فهو يقول أن المعبود الذي تعنو له الجباه إن هو إلا خرافة، وهو مصدر الخرافات! وتلك جرأة على الله سبحانه وتعالى من هذا الرجل الذي خبله البؤس وذهب بوجدانه العوز في أكبر شطر من حياته. ويكاد يكون الفيلسوف برجسون أشد أعداء جوركي، فبرجسون روحي بطبعه، والناس في فرنسا يصدقونه في كل شيء حتى لو ادعى النبوة، ولم يدافع أحد من الفلاسفة عن وجود الله في عصرنا الحديث بمثل ما دافع برجسون، وإليه وحده يرجع الفضل في هزيمة داروين وجوركي، وإن جوركي ما يزال منتصرا بقوة الحديد والنار داخل روسيا.
وإلى جوركي يعود الفضل فيما لصق بالثورة الشيوعية من تهم الإباحية وما إليها، لأنه هو نفسه ما كان يتورع أن يظهر أمام الملأ في أعمر ميادين موسكو وبطرسبرج (ليننجراد) محاطاً بعشيقاته و (محظياته!) . وقصته (الاعتراف) هي نموذج خبيث من أدب المنحطين تبذ قصص لورانس وجويس وبلزك، وفيها يذكر حديثاً غير محتشم لغادة من الساقطات تدعوه إلى نفسها لترزق منه غلاماً. وفي ذلك شبه من قصة لورانس التي أشرنا إليها مرة في هذا الباب (عشيق لادي شاترلي) . وتلك القصة ثالثة ثلاث ألفها إذ هو في إيطاليا والاثنتان هما (الأم) و (الصيف) ونرجئ الكلام عن بقية قصصه وكتبه ومجلاته إلى نبذة أخرى.
