الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 2الرجوع إلى "الفكر"

جوزيف كونراد

Share

حياته - تآليفه

لعل الروائي جوزيف كونراد الانكليزي الجنسية البولوني المحتد العالمي الشهرة والصيت من أشد الروائيين الغربيين إهمالا من طرف الادباء العرب فهو مغمور الاسم في اوساطهم أو يكاد ولم نعلم أن رواية من رواياته قد نقلت الى العربية على كثرة ما ينقله إخواننا في الشرق العربي من تأليف أجنبية متفاوتة القيمة متنوعة .

ليس هنا مجال للبحث عن أسباب هذا الاهمال بل حسبنا تسجيله ليكون مبررا لهذا المتواضع لوجه طريف من وجوه الادب الغربى المعاصر .

وثمة سبب آخر حثنا على القيام بهذا * التقديم " هو القران الموجود بين ما يمكن ان نسمية بحكمة كونراد التى هي منبثة في سائر رواياته تسيل في حشاياها عيونا عذبة لذة للشاربين وبين ما تجيش به الآن صدور الشباب العربي من رغبات عنيفة وغلة وجموح . . .

ذلك ان كونراد داعية للمغامرة في اسمى معانيها يتغنى في تآليفه بلذاتها الرجولية واحاسيسها القاسية القتية . والمغامرة هي في اعتقادنا اهم ظاهرة

ظهرت في نفسية الشباب العربي المعاصر وطغت على غيرها من الظاهرات فان لم يشاهدها المشاهد وقد خرجت الى الفعل فانه لامسها وهي بالقوة وشاعر بها وهي كامنة تحت الوجوه الكالحة الشابة ، مزمعة على التوثب بحركات تشنجية سخية والانطلاق في العالم الرحب الفسيح .

واي دواء لهذا البحران انجع من البحر الممتد امام سواحلنا العربية لا ينتظر منا سوى التفاتة صاغية حتى يطفئ جذوة حنفنا في مرارة مياهه المنعشة ؟

وهذا البحر بالذات هو الذي قضى فيه كاتبنا معظم حياته يجوبه طولا وعرضا والذي فتح بصيرته الى آفاق من الحكمة والمعرفة اوسع وارحب من الآفاق التى عرضها على بصره ، والذي هو المطلب الدائم لرواياته والمنبع الحي لوحية وإلهامة .

روايات جوزيف كونراد تعلمنا كيف نلتفت إلى البحر . وهنا يتم القران الذي ذكرناه آنفا .

هو جوريف كونراد كورز نيوفسكى (١) ولد مترجمنا في خريف سنة ١٨٥٧ بمقاطعة بودوليا احدى مقاطعات بولونيا الجنوبية من ابوين من اعيان الخهة . وكان والده آبولو كورز نيوفسكي شاعرا اديبا ألف عدة مسرحيات صادفها نجاح لا بأس به فى مدينة جيتومير عاصمة المقاطعة .

وقد اضاف آبولو اسم كونراد لاسم ابنه تيمنا باسم كونراد دي ميكياويس (٢) اعظم الكتاب البولونيين على الاطلاق .

وهكذا نشأ جوزيف كونراد في بيئة أدبية راقية . وفي سنة ١٨٦١ انتقل ابلو وعائلته الى فارسوفيا حيث عين مديرا لمجلة ادبية كبيرة ولكنه سرعان ما انصرف بكليته الى الحياة السياسية وكانت بولونيا اذ -ذاك تعاني الاحتلال الروسي والوطنيون البولونيون يستعدون حثيثا للثورة على المحتل الغاشم .

ولم تمض سنة على اقامته بالعاصمة البولونية حتى ألقي عليه القبض بتهمة

محاولة قلب نظام الدولة وسجن ثم نفي الى مدينة في شمال روسيا حيث أبت زوجه إلا ان تصحبه مع ابنهما الصغير.

ولكن سريعا ما اثرت رداءة الطقس على صحة هذه المرأة الجسورة فلم تلبث ان لاقت حتفها بذات الصدر في سنة ١٨٦٥ . وقد اثرت وفاة زوجه بالاضافة الى طول النفي على معنويات آبولو وامتلكه اليأس والغم .

شب كونراد في هذا الجو الحزين المثقل بوحشة المنفي وحيدا بعيدا على لداته ليس له من منفذ للهو سوى مطالعة كتب والده الوقورة .

واحس الوالد بما لابنه من مواهب وحسن استعداد فطري فكرس اوقاته على تزويده بالعلوم وتلقينه اللغتين الفرنسية والانكليزية .

وفي سنة ١٨٦٧ اذنت السلط الروسية للمبعد السياسي في العودة الى وطنه ولكنه يتمتع طويلا بحريته المسترجعة اذا وافته المنية في مدينة كراكوف سنة ١٨٦٩ . وكان كونراد يبلغ عمره اذ ذاك ١١ عاما .

وقد واصل الفتى اليتيم تعلمه في هذه المدينة العتيقة حيث التحقت به جدته للام وتكفلت به واسبغت عليه من عطفها وحنانها ما تقر به عينه ولكنه كان متبرما من حياته في كراكوف ضجرا من افقها الضيق ورتابة العيش فيها ولا غرابة في ذلك فقد تشبع بالمطالعات الكثيرة التي قضى فيها ليالية وايامه بالمنفى والتى فتحت امام عينه افاقا واسعة تشذ عن افاق اقرانه من الفتيان . اضف الى ذلك انه ورث عن ابيه مخيلة خصة ومزاجا عصبيا مرهفا .

عزم الفتى اليتيم الصموت في سويداء قلبه على ان يكون بحارا اعتقادا منه - وهو الذي لم ير البحر في حياته قط - ان هذا البحر هو المنفذ الوحيد للمأساة التي يتخبط فيها وكانت نفسه تواقة الى المجهول بقدر ما هو مخيفها .

لم يبح كونراد بسره لاهله واقرانه وغذاه في باطنه طيلة خمس سنوات حتى انتهى من تعليمة الثانوي وكان عزمه قد قوي في هذه الفترة واشتد .

وفي سنة ١٨٧٤ اعلن لجدته انه يريد " خدمة البحر " وانه يرى في هذه الخدمة مثله الاعلى في الحياة . ولم تنفع جميع التوسلات والمحاولات التى قام بها جدته واهله لحمله على العدول عن هذا العزم الاخرق في نظرهم ، فاستجابوا

الى رغبته في آخر الامر وارسلوه الى مرسيليا مزودا بتوصيات الى بعض مواطنيهم هناك لكي يساعده على الظفر بعمل على احدى المراكب .

وكان اول ملتقى له بالبحر نشوة لا تماثلها نشوة تحدث عنها في مذكراته بلهجة تنبئ عن شدة الانطباع الذي تركه في نفسه ذلك الملتقى .

وفي سنة ١٨٧٥ ابحر لاول مرة كنوتي بسيط على متن مركب شراعي تابع لشركة ملاحة تتعامل مع جزر الانتيل فقام بسفرتين الى هذه الجزر تلقن اثناءهما مبادىء مهنته الجديدة وقد ساعده على ذلك نوتي غريب الاطوار كورسيكي الاصل يدعى دومينيك سارفوني ترك في نفسه اثرا لا يمحي وقد تحدث عنه كونراد في كتابه " مرآة البحر " وفى روايته " السهم الذهبي " التي قص فيها قصة شبابه الطائش في مرسيليا ورحلاته الاولى على متن البحر .

وكانت السنوات الثلاثة التي قضاها بمرسيليا مفعمة بالمغامرات تقتصر على الذكر منها عملية لتهريب السلاح الى المكسيك قام بها واستاذه سارفوني اثناء سفرته الثانية الى جزر الانتليل ومحاولة فاشلة لتهريب السلاح ايضا الى اسبانيا لفائدة الامير دون كارلوس المطالب بعرش اسبانيا اذ ذاك وحب ارملة فاتنة الجمال وقع فيه اسفر عن مبارزة مع مزاحم له في حبها .

وفي سنة ١٨٧٨ ابحر هذه المرة على متن باخرة متوجهة الى تركيا والقرم بشحنة من الفحم ولما رجعت الباخرة الى مينائها الاصلي بانكلترا كان مترجما على متنها فوطأت قدماه التراب الانكليزي لاول مرة ولم يبلغ من العمر سوى ٢١ عاما وهو يكاد لا يعرف كلمة من اللغة الانكليزية .

وقد كانت السنوات الاولى التي قضاها في بريطانيا او بالاحرى مترددا على بريطانيا في الفائجات التي تتوفر له بين رحلة بحرية واخرى عسيرة شاقة وذلك لجهله لغة البلاد وطبيعة البريطانيين ذوي المزاج الخاص الذي يختلف تماما مع مزاجه السلافي ولقلة ما بيده وكانه يتحدث عن هذه الفترة من حياته عندما يقول في قصة " آمي فرستار " :

" حقا انه عسير على المرء ان يجد نفسه اجنبيا مغمورا غير قادر على الافصاح عما يريد وبدون مستند ومن اصل غريب في بقعة من الارض دكناء "

قام كونراد في هذه الفترة بعدة رحلات منها رحلة إلى استراليا وأخرى حول مواني الارخبيل اليوناني في سنة ١٨٧٩

وقد كان كونراد يتراسل مع خاله تادي بروبوفسكي الذي تبناه واجتباه لنفسه منذ أن توفيت جدته وكانت تقتصر هذه المراسلة غالبا من جانب كونراد على المطالبة بالنجدة المالية التي يستجيب إليها الخال دائما ولكن مع كلام طويل ملؤه التأنيب والحث على الاعتماد على النفس والتفتيش عن عمل قار يستدر منه الرزق وقد تأثر كونراد بهذا الكلام وقع في نفسه فانهمك في تعلم اللغة الانكليزية والعلوم التي تهم الملاحة استعدادا لاجتياز امتحان ضباط البحرية التجارية وقد اجتازه فعلا في سنة ١٨٨٠ بكامل النجاح .

ثم رحل من جديد الى استراليا عن طريق رأس هورن ثم الى بانكوك عاصمة برمانيا وفي هذه الرحلة احترق المركب الذي كان يعمل على متنه وكاد يتلف في هذا الحادث الذي قص قصته في كتابه " الشاب "

وفي سنة ١٨٨٣ اجتاز امتحانا آخر واصبح ضابطا من الدرجة الثانية وقد زار في هذه السنة خاله تادي بروبوفسكي في ماريا نباد مدينة المياه المعدنية فحثه هذا الاخير على التجنس بالجنسية الانكليزية خشية منه أن يفتكه الروس إن ظفروا به وكانوا ما يزالون محتلين لبولونيا .

ثم ابحر كونراد الى الهند ولكنه تخاصم مع ربان المركب وأفسخ العقد الذي عقده معه وقضى مدة في ميناء بونبابى إلى أن ظفر بعمل على متن مركب يدعى " نارسيوس " خلده في رواية " اسود النارسيسوس (١) "

وفي سنه ١٨٨٦ - وهي سنة حاسمة في حياة مترجمنا - تجنس كونراد بالجنسية الانكليزية واجتاز امتحانا ثالثا جعل منه ربانا للمراكب الشراعية . وفي هذه السنة ايضا حاول كونراد الكتابة لاول مرة في حياته وكان ذلك عرضا عندما اطلع على اعلان في بعض المجلات الادبية يتعلق بمسابقة لمجازاة أحسن قصة تعرض على المجلة .

وفي سنتي ١٨٨٧ و ١٨٨٨ قام كونراد برحلات عديدة بين سنغفورة

وبورنيو تعرف أثناءها الى أبطال رواياته المقبلة أمثال " المايار " وتمكن من التشبع بحياة العالم الاسوي والتعرف إلى اسراره وتقاليدة الغريبة .

وكان يعمل إذ ذاك كربان لباخرة صغيرة تقوم بالملاحة الساحلية (١) بين جزر ارخبيل الملايو . وكان هذا العمل سهلا ولكنه رتيبا كل الرتابة فلم يلبث أن سئمة وابحر إلى سد ناي الميناء الاسترالي الكبير . وقد وصف في كتابه " خط الظل " هذه الفترة من حياته وما اكتنفها من تردد وحيرة .

ومن سدناي سافر إلى جزيرة موريس حيث حصلت له تجربة غرامية فاشلة

وفي سنة ١٨٩٠ عاد إلى وطنه بولونيا بعد غيبة استغرقت ١٦ عاما واجتمع بخاله وما بقي من أهله وأقاربه . ثم عاد إلى لندرة وقد مر في طريق العودة ببروكسيل حيث تعرف بقريبة من قريباته هاجرت إلى عاصمة بلجيكا وكانت أديبة كاتبة فشجعته على الاستغلال بالادب واستغلال ما شاهده وسمعه في اسفاره الكثيرة وقد باح لها كونراد بأنه كتب في اوقات فراغه على متن المراكب والسفن رواية قصدا للتسلية وكان يعني روايته الاولى وعنوانها " جنون اميار "

ومن لندرة أبحر إلى الكونغو البلجيكي في قلب افريقيا السوداء حيث عمل كربان لباخرة صغيرة تقوم بالملاحة في نهر الكونغو لفائدة شركة بلجيكية . .

وقد ذكر كونراد تجربته الافريقية في رواية " قلب الظلام " فتحدث عن الانطباعات التي احس بها في قلب افريقيا السوداء امام الحياة البدائية الوحشية . وقد اثرت رداءة الجو الاستوائي على صحته وبعثت في نفسه تلك الميلاخوليا الوراثية المغروسة فيها غرسا والتي كانت تنتظر اول فرصة للبروز من جديد ولاجل هذا كانت " التجربة الافريقية " مرحلة حاسمة في حياة كونراد يمكن اعتبارها نقطة التحول من حياة الملاحة إلى حياة الأدب فانه لم يشتغل بعدها بالملاحة الا مدة ثلاث سنوات قضاها على السفن الرابطة بين بريطانيا واستراليا

وفي سنة ١٨٩٤ بعد سفرة قصيرة الى ميناء روان الفرنسي انقطع كونراد تماما عن حياة الملاحة .

وفي هذه السنة يموت خاله تادي بروبوسكي فيعكر هذا الخبر صحته المتداعية قيدذهب الى سويسرا للتعالج ويشرع هنا في مؤلفه الثاني " منبوذ الجزر " . وقد صدر في تلك الاثناء مؤلفه الاول وهي رواية " جنون المايار " فقوبل من طرف الصحافة قبولا حسنا جدا .

ومما كتبته جريدة " اسباكتاتور " في هذا الخصوص قولها : " هذه قصة متينه لها طابع غير عادي ويمكن اعتبارها فتحا جديدا في عالم الرواية . . . ان اسم المستر كونراد اسم جديد بالنسبة الينا ولكن يبدو لنا ان هذا الكاتب يستطيع ان يصبح " كيبلينغ " (١)  " ارخبيل الملاي " وقد شجعه نجاح هذه الرواية على احتراف الادب بصورة نهائية .

وفي سنه ١٨٩٦ تزوج كونراد بفتاة انكليزية وسافر الزوجان الى فرنسا حيث استقرا في احدى جزر مقاطعة بريطانيا الجميلة . وقد اختار كونراد هذا المكان لعزلته وهدوئه حتى يتفرغ بكليته للانتاج الادبي الذي شجعه عليه صديقه الناشر ادوارد غارنات ، وقد لعب هذا الناشر في حياة  " كونراد المؤلف " نفس الدور الذي لعبه دومنيك سارفوني في حياة " كونراد الملاح " لما اسبغ عليه من عطف ونصائح واعانة مادية في اوقات الشدة والياس والقنوط .

وقد قاسى كونراد في السنوات الاولى من احترافه الادب عناءا كبيرا حتى استقامت له آلة فنه ولا ادل على شدة هذه الفترة الاليمة مما صرح به في مقدمة رواية " اسود النارسيسوس " التي الفها اذ ذاك " ان مسكك في حين العزم والشجاعة ورغم التيار الجارف لقطعة عابرة من الحياة ليس هو سوى بدء المهمة التي وقع الشروع فيها بايمان وعطف والتى تتمثل في الاحتفاظ بهذه القطعة ووضعها امام جميع الاعين بدون ما تردد او هلع ولكن على ضوء موقف صادق ."

وفي سنة ١٨٩٧ يعود الى انكلترا حيث يستقر في بيت ريفي عتيق في مقاطعة ايسيكس ويتم فيه رواية " اسود النارسيسوس "

وقد تعرف كونراد في هذه الفترة من حياته الى عدد من رحال الادب

البارزين امثال جون غالسوارتي John Galsworthy وهنري جامس Henry James الكاتب الاميركي وبالنقادة هنلي Henley الذي نشر له رواية " اسود النارسيسوس " تباعا في مجلته " نيوريفيوو " .

وقد الف كونراد ونشر في نفس السنة عدة قصص منها : البحيرة والبهاليل ومركز امامي من مراكز التقدم . وجمعها فيما بعد في كتاب " قصص قلقة " .

وقد بدات شهرته تنمو في هذه الاثناء وتتجاوز نطاق الاوساط الادبية الى الجمهور . واصحت حياة كونراد منذ ذلك الحين مقصورة على الانتاج الادبي ليس فيها من حوادث تذكر سوى صدور مؤلفاته التي اصبحت تتعاقب بسرعة لما بلغه هذا الكاتب من استحكام عظيم لآلة فنه . وقد اصدر في نفس السنة ثلاثة روايات من اعظم رواياته وهى : لورد جيم - الشباب - النجدة

وفي غضون سنتي ١٩٠١-١٩٠٢ كتب عدة قصص صغيرة منها : الدرك الاخير - آمى فوستير - فالك - الاعصار .

وفي سنة ١٩٠٤ كتب رواية : نوسترومو : وهي اعظم رواياته على الاطلاق استغل فيها الانطباعات التي تركتها في نفسه سفرة قام بها في شبابه الى اميركا الجنوبية .

وفي سنة ١٩٠٥ سافر الى كابري طلبا للراحة والاستجمام والف في تلك الاثناء كتابة " مرآة البحر " وهي مجموعة من اعتبارات تدور كلها حول البحر وحياة البحارة . وقد اثار هذا الكتاب اعجاب الادباء بما فيهم روديار كيبلينغ .

تم استقر بفرنسا حيث قضى مدة في مدينة مونبيليي ثم سافر الى سويسرا والف فيها رواية " العون السري " .

ثم عاد الى بريطانيا حيث استقر قرب لندرة في مقاطعة بادفود شاير والف رواية " تحت عين الغرب " وقد حاول في هذه الرواية ان يصف نفسية الروس الذين اتيحت له فرصة التعرف التام بهم ايام كان والده مبعدا في شمال روسيا .

وفي سنة ١٩٠٩ الف مجموعة من القصص نشرها في كتاب " بين البر والبحر " .

وفي الفترة التي تتراوح بين ١٩١٠ و ١٩١٤ الف رواية " الحظ " ورواية " النصر " وقد صادف رواية " الحظ " خاصة اعجاب الجمهور وترجمت الى اللغة الفرنسية تحت اشراف اندري جيد فذاع صيت الكاتب في اوروبا قاطبة .

وفي جويليا سنة ١٩١٤ اي قبل نشوب الحرب العالمية الاولى بقليل سافر كونراد مع عائلته الى بولونيا وزار البقاع التي قضى فيها طفولتة واتصل بما بقي له من الاهل والاقرب وقد مضى على مبارحته لبلاد ما ينوف عن الاربعين عاما .

ثم عاد الى بريطانيا حيث قضى مدة الحرب في بيته الريفي في شبه عطلة طغت عليه اثناءها ذكريات حياته الصاخبة المفعمة بالحوادث فالف في هذه الفترة كتاب " السهم الذهبي " الذي قص فيه قصة مغامرات شبابه في مرسيليا .

وفي سنه ١٩٢١ سافر من جديد الى فرنسا فجزيرة كورسيكا حيث قضى شهرين في الاستراحة وشرع في رواية " القرصان " وهي رواية تاريخية يدور محورها حول الوقائع الحربية التي جرت بين الاسطولين الفرنسي والانكليزي في البحر الابيض المتوسط في عهد نابليون .

وفي سنة ١٩٢٣ ابحر الى الولايات المتحدة تلبية لدعوة ناشر كتبه في اميركا حيث اقام ستة اسابيع والقى عدة محاضرات على جمهور المعجبين بفنه الكثيرين .

وفي سنه ١٩٢٤ بعد زيارة قصيرة لميناء لوهافر الفرنسي وبلدة كوفارفيل مقر الكاتب اندري جيد ، تعكرت صحته فجأة وختمت انفاسه في شهر اوت ١٩٢٤

بقي علينا الآن ان نقدم للقارىء العربي عينات من هذه الحكمة " الكونرادية " الطريفه التي اشرنا اليها في طالع هذا الفصل والتي تتمثل طرافتها لا في جدتها فان كونراد لم يأت بجديد ولكن في اصالتها فهي حاصلة عن تجربة شخصية فذة وهذه التجربة حاصلة بدورها عن اتصال مباشر بالعالم وبالانسان .

فان كونراد ليس من صنف اولئك الروائيين الفلاسفة الذين راجت سوقهم بعد الحرب العالمية الثانية والذين يصوغون ما يتمخض عنه تفكيرهم " المجرد " وبهلوانيتهم العقلية في قالب الرواية عساهم يغدقون على جفاف الفكر هطلة من معين الحياة ، بل حسبه ان يستلهم حياته الغنية الطافحة بالتجارب ويقد من فيضها

المتدفق قطعا شهية منها تضوع عطور الشرق ويفوح أريج الادغال الافريقية وتقاعد رائحة البحر المنعشة

ونحن لا نعني ان كونراد من الكتاب الوصفيين فهو لا ينتمي الى المدرسة الواقعية او الى اية مدرسة من المدارس وقد اعرب عن هذا بصراحة عند قوله : " ان موقفي ازاء المطالب والتعابير وزوايا النظر واساليبي في التأليف ستكون الى حد ما متغيرة دائما وذلك لا لاني انسان متغير متقلب ولكن لاني انسان حر او بالاحرى - واكون اكثر دقة في قولي - لاني انزع دائما الى الحرية حسب امكانياتى . " (١)

انما نريد إلفات النظر الى ان كونراد يرمي في آثاره الادبية الى اكتناه الحياة التي يعالجها فيها بعد أن عالجها على العين وعانقها بملء ذراعيه سعيا منه وراء جوهرها الماكر اللعوب الذي كلما خيل للمرء انه اقترب منه توارى عنه وآزور .

ولا ادل على ما قدمنا مما صرح به كونراد نفسه في احدى رسالاته الى صديقه السير سدناي كولفن : " لقد وصفوني بانى كاتب من كتاب البحر والدائرتين (٢) ونعتوني بأني كاتب وصفي ورو منطيقى وواقعي . ولكن في الحقيقة كان شغلي الشاغل بلوغ القيمة " المثلى " للأشياء والاشخاص . كان شغلي ذلك ولا شئ آخر سواه . " (٣)

وما هي هذه " القيمة المثلى " سوى جوهر الاشياء والحوادث والاشخاص غير ان هذا الجوهر لا يمكن بلوغه بالارادة وبعد التصميم اذ السعي اليه هو الاستسلام له وهذه هي المغامرة الكبرى التي يدعو إليها كونراد في رواياته وراء المغامرة الظاهرية وهي في اعتقادنا التي يصبو اليها الشباب العربي وراء ثوراته وسورة غضباته .

الفرق العظيم

كيف لكم ان تفهموا انتم الالى تحسون بمقارنة الطريق المتين تحت اقدامكم انتم المحاطون بجيران طيبين مستعدين للتصفيق لكم او للتنكيل بكم ، انتم الالى تسعون بلطف بين القصاب والشرطي يملا قلوبكم الهلع من الفضيحة و " الكراكة " ومأوى المحاذيب ، كيف لكم ان تتصوروا هذه الارض ارض العصور الاولى التي قد تحمل الانسان اليها خطاه الحرة من العقال بفضل العزلة المطلقة العزلة بدون شرطي ! ... حيث بفضل السكون ذلك السكون التام حيث لا همس لاي جار طيب يكون صدى الراي العام . ان هذه الاشياء الطفيفة هي التي تكون الفرق العظيم . لئن زالت فانك تصبح من جديد رهين حزمك الخاص ، رهين استعدادك الخاص للوفاء .

قد تكون طبعا على درجة عظيمة من الحمق لكي تعرض نفسك لخطر الفتنة والغواية او تكون على درجة عظيمة من البلاهة لكى تخامرك ولو مجرد ظنون بأن شياطين الظلام قد احاطت بك وسطت عليك . ( قلب الظلام - الباب الثاني )

حدود العالم

ان حدود العالم بالنسبة لكل واحد منا مسطرة من طرف الاشخاص الذين تعرفهم . فلا شي يوجد خلف همس الاطراء او التأنيب الصادر من الشفاه المألوفة لا شيء يوجد بعد آخر معارفنا سوى الخواء الرحب . ( منبوذ الجزر )

الخوف

الخوف يبقى دائما . وان في وسع الانسان ان يخنق كل شيء في نفسه : الحب والضغينة والايمان وحتى الشك ولكن ما دام متشبثا بالحياة فانه لن يخنق الخوف النافذ الراسخ الذي يغمر الكيان ويلون الافكار ويمكن في سويداء القلب والذي يتحين ايضا على شفاهه مجهود لفظه النفس الاخير . قصص قلقة ( مركز امامي من مراكز التقدم )

فن الروائي

فن الروائي بسيط وهو في نفس الوقت ادعى فنون المخيلة للخيبة واكثرها عرضة لتردد خدامه وعباده واخصها ببعث الحيرة في ذهن الفنان وقلبه .

ان ابداع عالم ليس بعد كل حساب بالمهمة اليسيرة الا بالنسبة لمن وهب الهبة الالاهية .

والحقيقة انه ينبغى على كل روائي ان يبتديء بخلق عالم لنفسه صغير او كبير يستطيع ان يؤمن به . وهذا العالم لا يمكن ان يكون الا على شاكلته فيبقى حتما عالما فرديا غامضا بعض الغموض ولكن ينبغي عليه مع ذلك ان يشبه شيئا يكون مألوفا لتجارب قرائه وافكارهم واحاسيسهم . ( ملاحظات في الحياة والأدب )

المشهد المحض

ان النظر الى العالم من الوجهة الاخلاقية يوقعنا آخر الامر في متناقضات على جانب من الاستحالة والقساوة تكاد تهلك لشدتها اخر اثار الايمان والترجى والسخاء وحتى اخر اثار العقل . الامر الذي أداني الى اعتقاد ان غاية الخليفة ربما لا تكون اخلاقية بالمرة . بل اظن ان هدفها هو ان تكون مجرد مشهد للخشية والحب والعبادة او للضغينة ان شئتم ولكن - ومن هاته الوجهة على الاقل - لن تكون ابدا مشهدا لليأس ! ان هاته الرؤى اللذيذة او الرهيبة انما هي غاية اخلاقية في ذاتها . اما الباقي فهو شأننا - الضحك والدموع والحنان والغيض وسكون قلب مصفح وفضول فكر ثاقب - هو شأننا ايضا . وهذا التيقظ الذي يغفل عن نفسه ويتعلق بجميع اطوار عالم حي ينعكس في شعور ربما تتمثل فيه مهمتنا الحقيقية على الارض وهي مهمة ربما لم يلزم المصير فيها منا سوى شعورنا وهو شعور يتمتع بصوت لكي يقدم به شهاده صادقة على الآيات البادية للعيان والهلع الملازم للاذهان وعلى الهوى الرحب والسكينة التى لاحد لها وعلى الناموس الاعظم والسر الدائم للمشهد الرائع . ( ذكريات . الباب الخامس )

شرخ الشباب

لا يملك المرء قدرة الخروج من نفسه او تشوف رؤى شخص اخر ومشاطرة احساساته الا في فترات شرخ الشباب القصيرة . كل ما في هذا العالم واقعي بالنسبة للشباب وحق له ذلك لانه يتمسك بحماس بهذه الصور التي يشككنا عمر طويل في وجود أية مادة وراءها . " ملاحظات في الحياة والأدب "

الشباب

الشباب شئ جميل وقوة جبارة - ما لم يفكر فيه المرء .. " حظ الظلام . الباب ٣ "

حب البحر

اكره واحب : ربما كان هذا ديدن جميع الذين وهبوا حياتهم لاغراء البحر سواء عن شعور منهم او باندفاع اعمى . ان جميع الاهواء المعاصرة ، اهواء ايام الانسانية الاولى كحب السطو وحب الفخر وحب الخطر وايضا حب المجهول واحلام البطش والسلطة الواسعة قد مرت مثل الصور تنعكس في المرآة بدون ان تترك لها اثرا على سطح البحر الغامض . البحر القاسي ذو الاسرار المنيعة لم يجد بشيء من نفسه لمن رغبوا في الحظوة لديه والتحصيل على نعمه الزائلة . ( مرآة البحر )

طعم المحيط

من ذاق مرارة المحيط بقي طعمها الى الابد في فيه ( فالك )

رتابة

رتابة البحر ايسر حملا من سآمة العيش على اليابسة ( طورينس )

اوجه شبه

بين الدنيويين الذين يعيشون على ظهر السفن وبين القديسيين المجموعين في الاديرة توجد اوجه شبه عميقة ، لعل هذا يعزي الى ان خدمة البحر مثل خدمة المعبد مجردة من زيف العالم واخطائه هذا العالم الذي لا ينصاع الى اية قاعدة دقيقة . ان البحارة ليتفقون تماما في نظرتهم الى شؤون هذا العالم لان العزلة نصوح طيب وليست الوحدة بالمؤدب السيء

انهم يتميزون جميعا بروح ملؤه السذاجة والريبة اضف اليهما تلك المعرفة الشديدة بالاسباب كالتي يستطيع ان يتحصل عليها نظارة اللعب الخليون . " الحظ - الباب - ١ "

ملح البحر

البحر - ولعل ذلك يعزى لملحه - يوبس وجه النفس ولكن يلطف داخلها . " منبود الجزر - الباب ١ "

اشترك في نشرتنا البريدية