الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 141الرجوع إلى "الثقافة"

جوليان سوريل، Julien Sorel

Share

جوليان سوريل بطل رواية (( الأحمر والأسود)) للكاتب الفرنسى ستاندال stendhal سنة ١٧٨٣ - ١٨٤٢ . نموذج لارستقراطية العقل التى تشاء الاقدار أن تشب بين طبقات الشعب المتواضعة ، ثم تنظر فإذا بوقاحة المال وعزة المركز وصلف المحتد تتنكر لما وهبت وتود أن لو درجتها أكفانا من الاحتقار ، وإذا بكبرياء العقل تحرق الا كفان وتقطع الأيدى .

نادت الثورة الفرنسية بالمساواة بين الرجال ، كما حطمت الامتيازات لتجعل الحقوق وفق المواهب ، وسرى هذا المبدأ الجميل حتى لكأن الاطفال يرضعونه مع لبان أمهاتهم ، فيكبر صغيرهم وقد استقر فى نفسه أن ملكاته سبيل مجده ، وأن الوجاهة الاجتماعية لابد آتية فى آثار التفوق العقلى . ولكن ما يكاد الرجل منهم يدلف إلى الحياة فى العشرين من عمره حتى تنهض أمام طموحه وإيمانه بملكاته أشد العقبات ؛ فكم من نفوس صغيرة ومواهب واهية قد دفعتها فى سبيله القراية وحماية ذوى السلطان وقوة المال ودس النفوس الملتوية فسدت أمامه المنافذ ، وسبقته إلى غابات المجد ! وهكذا تتضور النفوس الممتازة جوعا ، وقد قضى عليها أن تتبع السلسلة الادارية ، وأن تكبح من طموحها حتى تبلى فى أصغر المراكز مقتنعة بأتفه كسب ، وما تزال تحنى أصلابها وتتصب عرقا حتى تستطيع - وقد لا تستطيع - بعد جهد عشرين عاما - جهد الرقيق - أن تصل إلى ما تستحق . وأما ملكاتها فماذا تجدى فى هيئة اجتماعية لا تقيم لها وزنا ؟ وهكذا تعلن

الجماعة إفلاسها ، إذ لا تمكن حيرة أبنائها من حقوقهم ، فيحتمى رجال الفن ورجال العقل بعالم الاحلام ، بينما الطبائع المسالمة الخيرة يتناولها اليأس فترضى بحياة وضيعة متئدة الخطى ثقيلة التقدم ، راضية بما يتخلى لها الغير عنه من كسب حقير ، وقد أضناها الجهد وهذها الظلم . وأما الارادات القوية - ومن بينها سوريل Sorel- ممن لا يعتمدون على حام ولا قريب يمهد لها السبيل فماذا تفعل ؟

أما القناعة بالقليل والرضا بالظلم فلا ، بل تأهب للنزال ، وقد تجهمت لهم أوجه الجماعة التى يحيون بينها ، وحرمتهم عدل ما تواضعت عليه من قواعد الأخلاق ؛ فليطرحوا تلك القواعد التى كيلوا بها منذ الطفولة ، وليسكنوا كل ما تستشعر نفوسهم من رحمة أو يختلج فى ضمائرهم من ندم ، وليخفوا إلى الحياة مرفوعى الرءوس ، حديدى  الفيضات ، وليشقوا سبيلهم فى جسارة وعنف عندما تسنح الفرصة ، وليصطنعوا - إلى أن تسنح - كل قسوة ونفاق ، وليكن بعد ذلك ما يكون ، فاما الصدر أو القبر ، وما تستطيع نفوسهم أن تركن إلى وضيع . وهكذا

تجعل الجماعة منهم كما جعلت من "سوريل" طيورا جوارح ، وإن تكن - لسوء الحظ - يد الأداة الحكومية لهم بالمرصاد ، تقودهم إلى الشانق كما قادت سوربل الذى لولا عبوس القضاء لجثت تحت قدميه تلك الجماعة التى أنزلت بنفسه الخراب .

لم يكد سوريل يبلغ العشرين من عمره (سنة ١٨٢٨) حتى كان مجد نابليون قد زال ، وقد عادت الملكية ، وعاد رجال الدين إلى نفوذهم القديم ، ولكنه ما يزال يذكر ما رآه غير مرة أيام طفولته من فرسان نابليون فوق جيادهم الأصيلة ، وقد انتفت من حولهم معاطفهم الضافية البيضاء ، وغطت رءوسهم قلانس تحليها شعور الخيل السوداء ، مارة بقريته إلى جوار جرينوبل ، وهى عائدة من غزواتها بايطاليا . ولكم من مرة نظر من نافذة غرفته فاذا الخيل واقفة فى الساحة أمام المنزل أو مشدودة أعنتها إلى قضبان نافذته ؛ ولكم استمع إلى أنباء البطولة التى ترددها كل الألسنة عن معارك " لودى " و"أركول" و "ريفولى" ، فتتوق نفسه إلى مهنة الحرب ؛ ولكنه نظر فوجد أن زمن البطولة قد ولى ، وأن نابليون قد أصبح فى نظر ذوى السلطان غاصبا ، يورد النطق باسمه موارد التهلكة ، بينما انقلب الأمر كله لرجال الدين يرفعون من تشاء رغباتهم ، ويخفضون من يستهدف لسخطهم ؛ فانعقد عزمه على أن يتخلى عن آماله فى الجيش وأن يصبح من رجال الكنيسة ، وإذا فليستبدل الرداء "الأحمر" بالرداء "الأسود" .

ولد جوليان لأب نجار فى قرية صغيرة ، وكان أبوه أميا فظا غليظ القلب . ولقد اتفق يوما أن أتى الأب إلى "ورشته" ، وقد ناط بجوليان أن يقوم على ملاحظة العمل ، وإذا به يجده ممتطيا كتلة من الخشب ممدودة قرب السقف وبيده كتاب يقرأه ، فناداه الأب فلم يسمع

لشدة ضوضاء المناشير ؛ فصعد إليه ، وبضربة قوية على رأسه أوشك أن يسقطه على الأرض ؛ ولو أنه سقط لتقطعت أوصاله فوق الآلات المنتثرة هنالك ؛ ولكنه أمسكه بيديه الغليظتين صائحا : "أيها الكسول ! أو ما تستطيع أن تقرأ كتبك اللعينة فى الليل عندما تذهب إلى القسيس لتضيع وقتك ، بدلا من أن تلهو بها الآن عن ملاحظة المناشير ؟ " ولزم جوليان الصمت والدموع تترقرق فى عينيه ، لا لما أصابه من ألم ، بل حزنا على كتابه الذى طاحت به ضربة أبيه إلى نهر مجاور .

- إنزل يا حيوان لأكلمك ! ولكن جوليان لم يسمع أيضا لشدة الضوضاء من حوله ، فأتى الأب سوريل بقطعة طويلة من الخشب وضربه بها على كتفه ، ذلك لأنه لم يشأ أن يعود فيصمد إليه ، ونزل جوليان ، وطرده أبوه بعنف أمامه إلى المنزل ؛ وكم كانت حسرة الغلام عند ما نظر إلى النهر وهو يبتلع " ذكريات سنت هيلانه " أعز ما يملك .

ولو أنك رأيته يومئذ لرأيت خدودا محمرة وأعينا ساجية ؛ وهو فى التاسعة عشرة من عمره ، غلام ضعيف فى مظهره غير منتظم مقاطع الوجه ، وإن يكن دقيقها ، ذا أنف منحن قليلا إلى جانب ؛ وأما عيناه فكانتا كبيرتين سوداوين شديدتى البريق - ما هدأت نفسه- بريقا ينم عن حرارة وعمق فى التفكير ؛ وأما فى ذلك اليوم فما كنت ترى فيهما إلا بغضا مخيفا ؛ ولقد كان شعره الكستنائى القاتم يكسو أعلى جبهته ، فتبدو صغيرة ، مما يبالغ فى مسحة الشر التى تلوح عليه عند ما يأخذه الغضب . وفى الحق أن جوليان كان أصيلا فى خلقه ، وفى ضمور خصره ما ينبئ بالخفة أكثر مما يدل على القوة . ولقد رأى أبوه منذ الطفولة فى ميله إلى التفكير وفى شحوب لونه ما حمله على الاعتقاد بأنه لن يعيش ،

وإن عاش فسيكون عبئا على أسرته .

وقد كان جوليان موضع احتقار أهل المنزل جميعا ، فكره إخوته كما كره أباه ؛ ولكم ضرب بالساحة فى أيام الأعياد .

لم يكد جوليان يدخل المنزل حتى أحس بيد أبيه القوية تمسك بكتفه ، فارتعدت فرائصه وتوقع الضرب ، ولكن لحسن حظه لم يكن شئ من ذلك ، وإنما كان حوار بين الأب وابنه ، إذ أن عمدة القرية قد طلب إلى القسيس أن يأتيه بمرب لأولاده ، فلم يجد القسيس خيرا من تلميذه جوليان ، وقد توسم فيه كل نجابة ، فكرس على تثقيفه الكثير من وقته ؛ وأروع ما كان فى ذلك الحوار الفقرات الآتية :

الابن : وأى أجر سأنال على ذلك ؟ الأب : الغذاء والملبس وثلثمائة فرنك . الابن : ولكنى لا أريد أن أكون خادما . الأب : ومن قال لك إنك ستكون خادما أيها الحيوان ؟ أنظن أنى أقبل أن يكون ولدى خادما ؟

الابن : ولكن مع من سآ كل ؟ وكان فى هذا السؤال الأخير ما أحرج الأب سوريل ، وخشى أن يكون فى جوابه ما لا يقتضيه الموقف ، فثار ضد جوليان وأشبعه سبابا ، متهما إياه بالنهم ، ثم تركه ليستشير أبناءه الآخرين .

وذهب جوليان إلى منزل المسيو دي رينال de Renal عمدة القرية ، فوجده رجلا غنيا من رجال الصناعة ، نظر إليه فاذا به قد وخط الشيب عارضيه ، فلاح رأسه من لون بدلته الرمادية ، وأحس فيه برضا عن النفس واعتزاز بالشخص لا يجده إلا عند ذوى العقول الضيقة والخيال المحدود : رجل تلخصت مواهبه فى أن يعرف كيف يحصل على حقه فى أسرع وقت ، وكيف يرجيء ما عليه إلى أبعد

حين ؛ ومع ذلك فقد كان المعروف عن المسيو دى رينال أنه ابن نكتة حاضر البديهة ، والفضل فى ذلك راجع كله إلى دستة نكات ورثها عن خال له . وأما مدام دى رينال فكانت امرأة طيبة النفس ، فى الثلاثين من عمرها ، وكان جمالها ما يزال يبهج الأبصار . وهال جوليان ما رأى من بذخ هؤلاء الناس ، وخشى احتقارهم له أو إدراجه فى عداد الخدم ، فعقد عزمه على أن يرغمهم على احترامه ، بأن يقنعهم كما يقنع نفسه بأن النزاع إنما يقوم بين غناهم وفقره ، وأما قلبه فأسمى من أن تناله وقاحتهم ، وقد وضعه حيث لا تستطيع أن تصل إليه أمارات رضاهم أو إعراضهم ، وتلك هنات هينات .

ذلك موقف جوليان من العمدة وزوجه . وأما الأطفال فقد كان يعلم أنه لا ذنب لهم فى جراح نفسه ، فأخلص فى القيام على تربيتهم ، بأخذهم بالعدل دون إسراف فى العطف ، وأنى له بمثل هذا الاسراف وأقوى سلاح اعتزم أن يلتجىء إليه ضبط النفس والسيطرة على المشاعر ، بل والتظاهر بغير ما يضمر ؟ ولقد كانت له فى ذلك الأعاجيب ، فلقد تسوقه الحماسة يوما فى معرض الحديث عن نابليون إلى إعلان فرط إعجابه بهذا القائد العظيم ، ثم يفطن إلى ما فى ذلك من حمق قد يودى بمستقبله ، فيعاقب نفسه بأن يشد ذراعه إلى عنقه شهرين كاملين ، مدعيا أنه قد كسر وهو يحرك قطعة من الخشب . ولقد يخلص لقسيس قريته الود ، ويعترف له بالفضل ، ولا يغيظه منه إلا نفاذه لمكنون نفسه ، فما كان جوليان عميق الإيمان ، ولا كان ميله إلى الاشتغال بالدين صادقا ؛ وإلى هذا فطن القسيس ، فأتخذ شابنا هدفا له أن يخدع هذا الرجل الصادق النظر عما فطن إليه من أمره . ولقد تحس مدام رينال فى جوليان أصالة فى الرأى ، وقوة فى الارادة ، واعترازا بالذات ، تدهش له فتعجب به ، ثم ينشرح لذلك صدرها ، وتساورها الشكوك عن حقيقة شعورها نحوه ،

وإذا بالشك يتجلى عن يقين ، وإذا بمدام رينال تحب جوليان ، وجوليان عنها لاه ، وما إلى هذا تتطلع نفسه الجريحة ، وقد اتجهت بكل عنف إلى الثأر من تلك الجماعة التى تحتقره لغير ذنب جناه ؛ ويكون فى موقفه من تلك السيدة العطوف ما يدهش .

كان من عادة مدام رينال أن تصطحب جوليان وصديقة لها إلى حديقة المنزل وقت العشية ؛ وفيما هم جالسوات ذات ليلة مست يد المربى يد السيدة عفوا ، فسارعت السيدة إلى سحبها ، وحسب جوليان فى ذلك احتقارا له ، وتنغصت بذلك حياته طوال الليل والنهار التالى ، حتى أتى الليل من جديد ، وعاد الثلاثة إلى مجلسهم من الحديقة ، ووطد الشاب عزمه على أن يمسك باليد التى تراجعت عنه بالأمس ؛ وكان صراع بينه وبين نفسه لم يجد منه مخرجا إلا بتحديد موعد لتنفيذ عزمه ، وكان ذلك الموعد دق الساعة العاشرة ، ودقت الساعة فأمسك بيد مدام دى رينال ، وتراجعت اليد فعاد للامساك بها ، واستسلمت السيدة لجرأته ، فتركت يدها فى يده ، بل عادت هى إلى أخذ يده عندما رجعت من قضاء أمر نهضت إليه ، وكان ذلك المساء فاتحة سقوط تلك المرأة المسكينة ؛ ووجد جوليان فى استسلام السيدة نشوة لا حد لها ، لا نشوة الحب ، ولا نشوة اللذة البهيمية ، بل نشوة الانتصار المتعطشة إليه نفسه .

وذاع الامر حتى لم يعد هناك معدل عن أن يغادر جوليان هذا المنزل الذى دنسه ، ليذهب إلى مدرسة القسس بإحدي المدن المجاورة يتم بها دراسته ؛ وقبل بالمدرسة لتفوقه الظاهرى ، وهنالك زادت خبرته بالرجال وزاد ظنه بهم سوءا . نعم إنه قد وجد فى الأب المشرف على المدرسة عقلا راجحا ، وقلبا كبيرا ، قدر مواهبه حق قدرها ، بل واحس نحوه رغما عنه بحب لا ينبغى لرجل

دين أن يخص به فردا دون آخر ، وحبه كله لله وحده ؟ ومع ذلك ألم يقل له هذا الأب يوما ما : " نعم يا بنى إنى أستشعر نحوك العطف ، والله يعلم إن ذلك رغما عنى ، وما أجهل أنه ما ينبغى لى أن أخص أحدا من البشر بحب أو بغض ، وأن أكون بينهم عادلا فحسب . أى بنى ، إن مستقبلك شاق ، وفيك ما ينفر النفوس المبتذلة ، سيطاردك الحسد والنميمة ، وحيثما اتجهت أو ساقتك الأقدار ستشقى دائما بحقد زمللائك الذين لن يتظاهروا بحبك إلا ليمعنوا فى الكيد لك . وما أرى لهذا علاجا غير الركون إلى رحمة الله الذى شاء أن يجعل فى كره الناس لك عقابا عادلا لغرورك ، ليكن سلوكك نقيا ؛ وسوف ترى أن أعداءك سيبوءون بالهزيمة ما تعلقت بالحقيقة الخالدة تعلق الغريق بأسباب النجاة " .

وشاءت شهوات الحقد ودس النفوس الوضيعة أن يتخلى الأب المشرف على المدرسة عن مركزه ، وخشى الأب على جوليان غيرة إخوانه وحقدهم ، فأخذه معه إلى باريس حيث وجد له عملا كسكرتير المسيو دى لامول de la mole أحد الأشراف الوزراء ، بل أقوى الوزراء نفوذا فى ذلك العهد ؛ ومع ذلك قد نتساءل : أكانت مخاوف الأب من أجل جوليان على أساس ؟ ألم يتفق لهذا الشاب الموهوب أن لاقى يوما المطران فأعجب به ، وأهداه كتابا قيما عاد به إلى المدرسة ، فسكنت الأحقاد من حوله وأخذ إخوانه يسلمون له بالتفوق ؟ ثم ألم يحدث يوما أن رفعه الأب المشرف نفسه إلى رتبة قارئ الكتب المقدسة أيام القداس ، فأخذ إخوانه فى تملقه بدلا من الكره والحقد على مواهبه ؟ ولكن من يرينا وكل ما أصاب من توفيق لم يستطع أن يسكت غل القلوب جميعها ، وقد استمر الكثير منها على عدائه الظاهر أو الخفى .

وكانت إقامة جوليان عند الركيز دى لامول بباريس

أشق من إقامته عند المسيو دى رينال عمدة قريته ، ولكم قاسى من احتقار المركيزة بنوع خاص ، هى وزائراتها ؛ ولكم ضاقت نفسه بأحاديث المركيز وإخوانه بالصالون كل مساء ، وحديثهم لا يعدو أتفه الأشياء ، حتى أصبحت حياته جحيما ، وكان إحساسه من الارهاف بحيث أصبح يشعر بجرح من كل نظرة ، وتولدت فى نفسه من العقد ماجعله يخشى اعتداء فى كل لفظة ، ولكنه رغم ذلك صمد لما حوله من ضغط بعزم قوى ، وبادل الكل احتقارا باحتقار ، وتعاليا بتعال ، حتى دانت له كل النفوس ، وبلغ الأمر ببنت المركيز نفسها أن أعرضت عن كل من يسعى إليها من أشراف لتتعلق به ؛ وكان يوم همت الفتاة بالسقوط فيه بين يديه ، فعاودته طبيعته الخيرة ، وأخذ يناقش نفسه الحساب ؛ ولكنه عاد فذكر ما كان من اضطهاد تلك الفتاة له فى أول الأمر ، ورأى فيها رمزا لتلك الجماعة التى أذاقته مر الآلام .

"يا لى من أحمق - أنا ابن الشعب تأخذنى رحمة بعائلة كهذه - أنا الذى دعانى دوق شون بخادم ؛ ثم كيف يبنى المركيز ثرونه ؟ أليس ببيعه أوراقا مالية عندما يعلم من القصر أنه سيحدث فى اليوم التالى ما يشبه انقلابا فى الحكم ؟ ثم آنى  أنا الذى ألقاه القضاء الظالم خلف الصفوف ، أنا الذى أملك قلبا نبيلا ، ولا أملك ألف فرنك دخلا ، أنا الذى حرمت الخبز - نعم الخبز الضرورى ، فأترفع عن لذة تسقط بين يدى ؛ لا - لتترك هذا الحمق - ليعمل كل لنفسه وسط هذه الأثرة القاسية التى يسميها الناس الحياة )) .

وتذكر جوليان نظرات المركيزة وصديقاتها فاشتعلت نفسه وجرت شهوة الإجرام فى دمه ، وكأنه عندئذ رجل يحارب الإنسانية جميعا ، وسقطت الفتاة وحملت من جوليان ، وعلم بذلك الأب ، فهم بأن يعمل ليمنح جوليان لقبا يدخله فى عداد الأشراف فيزوجه من ابنته ، وقد

خيل إليه غروره أن جوليان لا يمكن أن يكون ابن نجار ، وأنه لابد ولد طبيعى لأحد الأشراف تخلى عنه أبوه بين يدى ذلك النجار الذى ينسب إليه ، وإلا فمن أين لجوليان بتلك الشخصية القوية ؟ وود ان يستوثق من الأمر بالكتابة إلى أحد أهل قرية جوليان ؛ فهداه هذا إلى مدام دى رينال ، وأملى القسيس الذى يتلقى اعترافات تلك السيدة الرد قاسيا ، فثار غضب المركيز وعدل عن مشروع الزواج .

وركب جوليان رأسه إلى قريته حيث شرع فى قتل مدام دى رينال وهى تصلى بالكنيسة ، وكان يوم المحاكمة حيث تضافرت جهود بنت المركيز ومدام دى رينال لإنقاذه بعد أن عجز الكل عن حمله على الفرار . ونهض جوليان موجها الخطاب إلى المحكمين بهذه الألفاظ :

" أيها السادة المحكمون ؛ إن شناعة الاحتقار الذى أردت أن أكابره وقت الموت هو الذى يدفعنى إلى الكلام . أيها السادة ؛ ليس لى شرف الانتماء إلى طبقتكم الاجتماعية ، وما أنا إلا فلاح بسيط ثار على ما أنزلته الأقدار من منزلة وضيعة . ثم إنى لا أطلب منكم رحمة ، وما أخادع نفسى فى أن الموت ينتظرنى ، وإنى لمستحقه . لقد اعتديت على سيدة جديرة بكل احترام وكل تقدير . لقد كانت مدام دى رينال لى أما ، ولقد ارتكبت جريمة شنيعة أصررت عليها من قبل ، وبذا وجب إعدامى أيها السادة . ولو أننى كنت أقل إجراما لما منع ذلك نفرا من الناس من القسوة على دون رعاية لما يستحقه شبابى من رحمة ، ولا هم لهم إلا أن يعاقبوا فى شخصى أولئك الشبان الذين ينشأون من أصل متواضع تقعد به الفاقة ، ثم تشاء الأقدار أن يصيبوا من التربية الحسنة وأن يستشعروا من الجسارة ما يدفعهم إلى الاختلاط بما نسميه كبرياء الأغنياء (( الطبقات الراقية )) . هذه أيها السادة جريمتى ، وإنى لعلى ثقة من أنها ستعاقب أشد عقاب ، وبخاصة لأن قضاتى ليسوا من أندادى . وما أرى على مقاعد المحلفين فلاحا

أغتني ، بل كلهم أعيان متزمتون )) .

وواصل جوليان حديثه هذا عشرين دقيقة ، والنائب العام يتفزز فوق مقعده ، وهو أحرص ما يكون على رضا ذوى السلطان . وبالرغم مما كان فى حديثه هذا من عمق ، فقد تساقطت الدموع من أعين كل السيدات الحاضرات ، وما كان أكثرهن فى ذلك اليوم !

وسيق جوليان إلى الجيلوتين بعد أن رفض توقيع استئناف الحكم .

هذا هو جوليان سوربل كما خلقه ستاندال ، فحقق فى شخصه ما عجز عن تحقيقه فى حياته ، فهو رمز لأحلامه . ولقد كان ستاندال من أشد المعجبين بنابليون ، ولقد قص حياته فى كتاب رائع ؛ ولقد كان ستاندال ممن يدينون بمبدأ القوة الذى تنم عنه كل رواياته . وفى الحق أنه لأب روحى لنيتشه وأحد منابع ذلك التيار الجارف الذى اجتاح القرن التاسع عشر ، تيار العنف واستنكار قواعد الأخلاق ، ذلك التيار الذى لو لم يصمد أمامه تولوستوى لاجتاح الانسانية قاطبة .

جوليان سوريل هو ستاندال نفسه إلى حد بعيد ، ستاندال الذى حرم من عطف والدته صغيرا وشقى بقسوة أبيه ، وحاول مجد الحرب مع نابليون بإيطاليا وبالروسيا ، ثم عاد بغير مجد ، فأندرج فى السلك السياسى ، وعاش بإيطاليا زمنا طويلا ، حيث رأى فى ذلك الشعب من حدة الطبع وتوثب الحركة ما كان يعجب به دائما .

والآن ترى بم نحكم على جوليان ؟ والذى لا شك فيه أنه يتمتع بعطف ستاندال ، وأن البون بينه وبين جريزلو Greslou . (( تلميذ )) بول بورجيه لبعيد . فإن جوليان لم يولد خسيسا ولا شرير الطبع ولا محمولا على الإجرام بالفطرة ، وفى تاريخ حياته ما يؤيد ذلك ؛ ولقد أخلص الود لصديقه الريفى فوكيه ، وأعزه حتى أسلم آخر أنفاس الحياة . ولقد صفت نفسه وسلس طبعه بين يدى

قسيس قريته والأب الذى كان يشرف على مدرسة القسس التى تعلم بها ، وود لهما الخير من كل قلبه ، ولقد كان جوليان بطبعه حييا خجولا متواضعا . ولو أن الجماعة التى عاش بينها لم تشعره باحتقارها له ، أو لو أنه كان بليد الطبع صفيق الاحساس لما انقلبت حياته مأساة ؛ ولكنه ضاع ضحية تلك الأثرة البغيضة المستأصلة فى معظم النفوس ، وبخاصة الحقيرة منها ، وما أكثرها ! وإذا فهو جدير بالعطف . وإنه لخير للبشر أن يحطموا أغلالا لا تصنع لغير الضعفاء منهم . وإنه لمن حق النفوس الأبية - بل من واجبها - أن تثور على كل ظلم ، لأنه لا جرم أشنع من الظلم . وهيهات أن يدفع الشر غير الشر ، وأما الحياة فما أهون أمرها إذا خلت من عزة النفس وكرامة المعنى الإنسانى الذى نحن له حفاظ .

اشترك في نشرتنا البريدية