كان العصر الذى ولد فيه " ملتن " من عصور الكفاح الدينى والسياسى ، عصر بطولة وإقدام ، لم يكن عصرا مستقرا ، بل كان عصرا مضطربا . لم تكن قد تحددت فيه العلائق بين الحاكم والحكومين ، ولا بين الكنيسة والمتدينين ؛ وإنما كان كل ذلك مثارا للضجة والنقاش . وكان بعد ذلك عصرا حافلا بألوان من الكفاح حول المبادئ العامة ، فاتخذ كل مفكر سياسى أو دينى وجهة بذود دونها . واشتعلت بين كل طائفة وطائفة حرب شعواء ، اصطنعت السيف والنار حينا ، واكتفت باللسان والقلم أحيانا .
وقد ولد " جون ملتن " فى سنة ١٦٠٨ - أى بعد موت " إليزابث " بخمس سنين - وعاش حتى تيف على الستين . فهو قد عاصر التاريخ الإنجليزى فى أشد عهوده حرجا . وهو قد استشرف على تلك القوى الفتية التى اصطرعت فى حياة الأنجليز بعد موت الملكة إليزابث ؛ وحينما ماتت إليزايث فى سنة ١٦٠٣ خلفت لخلفائها تراثا من المشاكل العامة . فهى قد طبعت الحياة الإنجليزية بشخصيتها ، فكانت الملكية الإنجليزية كسائر الملكيات فى القارة ، مستبدة لا تعترف بحقوق الدهماء إلا قليلا . وهى قد خلفت سلطة توارثها برلمان قائم . وكانت هناك كنيسة إنجليزية خلقتها إليزابث خلقا بعد أن قطعت كل سبب بينهما وبين البابا . وكان يقوم إلى جانب تلك الكنيسة فئة من المتطهرين ( ٢ ) الذين رجعوا إلى الأصول الأولى للمسيحية . وكان فى الأدب مثل ذلك الصراع الذى قام
فى السياسة والدين . فقد تزايلت المدرسة الوحدانية (١) التى ترهمها شكسبير ، وقام بين النقدة من يدعو إلى توجيه الأدب فى نواح أخرى عقلية تحتفل بالأصول والقواعد (٢ ) ؛ وكانوا فى ذلك متأثرين بالمدرسة الكلاسيكية التى قامت فى فرنسا خلال القرن السابع عشر .
وكذلك نرى أنه كان عصرا قويا ذلك الذى ولد فيه " جون ملتن " . فهناك كفاح سياسى بين الملكية وبين البرلمانية . وهناك كفاح دينى بين الكتلكة وبين مبادئ التطهر ( ٣ ) . وهناك صراع أدبى بين أنصار الرومانتيك وأنصار الكلاسيك . وكان لا بد لشاعر عبقرى مثل ملتن أن يندفع بين تلك القوى الغامرة . ولعل كتاباته نفسها لم تكن إلا صفحة تمثل ذلك الصراع الدينى والسياسى والأدبى . ذلك بأن " ملتن " يمثل روح العصر الذى نشأ فيه . وذلك بأنه كان شاعرا يحس بكل الآثار التى تختلف عليه . وقد أسهم فى كل النقاش السياسى الذى قام بين أنصار الملكية المستبدة وبين أنصار البرلمان الحر . فدافع عن سياسة البرلمان حتى شبت حرب مسلحة بين الفريقين . ودافع عن فكرة التطهر فى الدين حتى نصرها على التفكير البابوى . وكذلك حمل لواء الأدب الكلاسيكى فأشرب قلبه حب القديم . وآمن بالقواعد والأصول التى امتاز بها أدب الإغريق والرومان ، واتخذ من تلك القواعد وسيلة مثلى حين كتب مسرحياته وشعره .
كان شعر ( ملتن ) جماع تلك المبادئ المتضاربة ،
ومركزا تلتقى فيه الأفكار والأمثلة العليا التى اضطربت بها الحياة الإنجليزية فى القرن السابع عشر . فهو يمثل القوة السياسية الفتية التى دافعت عن حقوق الشعب وهو يمثل قوة العقيدة المتطهرة التى أرادت أن تبرئ الدين مما علق به من يهرج وكذا . وهو يمثل قوة الذهن التى امتاز بها فلاسفة القرنين السابع عشر والتامن عشر ؟ هو يمضى مع " هويز " و " ديكارت " إلى ناحية التفكير الخالص ، وهو يحاول أن يفهم الدين كما فهم السياسة والأدب . ثم هو يمثل بعد كل ذلك تلك القوة الأدبية الناشئة ، التى اندفعت ظماى محو المثل الأدبية القديمة ، وحاولت أن توفق بين الأنجليزية وبين اليونانية واللاتينية فى الأخيلة والأساليب .
رجل تختلف عليه كل تلك القوى ويجتمع فى حياته مثل تلك المبادئ ، كان لابد أن يضيق بها جميعا . وإذا كان الأدب السامى تعبيرا عن التجارب التى بلقاها الشاعر أو الأديب ، فقد كان على " ملتن " أن يعبر عن ذلك جميعه فى حياته الطويلة الصاخبة . لذلك كان موزعا بين ثنائيات تمثلخ إحساسه امتلاخا ، ولذلك تقاسمته طائفة من النقائض فحاول أن يلائم بينها جميعا ، وقد أمن بالأفلاطونية التى أحيتها النهضة ، وكان فى نفس الوقت متدينا نقيا يؤمن بالعفة ويمقت الفحشاء . ثم لقد كان مفكرا قوى الذهن ، فحاول أن يلائم بين الدين وبين العقل . وهو قد تعمق دراسة الأدب الإغريق واللاتينى ، لكنه حاول أن يوفق بين أساطير الإغريق وبين قصص الأنجيل والتوراة . فكأنما كان الدين عند ملتن هو القوة الدفاعة فى كل شأن من شئون السياسة والاجتماع والأدب . فلم يصدر من كل الذى كتبه إلا عن إيمان دينى قوى . وكل الذى حاوله فى حياته لم يكن أكثر من التوفيق بين المسيحية والفلسفة ، وبين الدين
والعقل ، وبين الأدب الوثنى وأدب الأنجيل ، وبين العقيدة الشعرية والعقيدة الدينية .
وقد شغلت كل تلك الثنائيات حياة " ملتن " وكان لها أبلغ الأثر فى شعره . ولقد يطول بنا الحديث إذا نحن حاولنا أن ندرك كل الآثار التى نتجت عن ذلك . وحسبنا أن نقف عند أمر واحد لعلنا نستشف من ورائه ذلك الصراع الدائم الذى عاناء " ملتن "؟ . حسبنا الساعة أن نتحدث عن المرأة فى شعره - لأن تفكيره فى المرأة يبين لك مدى الذى عاناه من ذلك التوزع بين النقيضين ، ويجلو لك ما كان يندفع فى نفسه من المشاعر المتضاربة . وسترى أنه كان موزعا بين العاطفة المتلهفة الأخاذة وبين العقل الساكن الرشيد . وقد بدأ " ملتن " بنفسه حين حاول أن يعبر عن كل ذلك . فهو يصف فى كتاباته الكفاح بين العاطفة الانسانية وبين العقل البشرى . لكنه لا يصدر فى كل ما كتبه إلا عما كان يعانيه هو نفسه من ذلك الصراع الدائم بين الشهوة وبين العفة ، وبين الغريزة وبين الخلق ، ثم بين حاجات النفس التى فطرت عليها وبين أوامر الدين ونواهيه .
أدرك النقاد المحدثون أن " ملتن " كان يعانى كل ذلك ولجأوا إلى علم النفس يطبقون أصوله على حياة " ملتن ", فإذا بهم يطلعون على نفس حساسة كانت تشعر بغريزة جنسية حادة فى أعماقها . ثم هى بعد ذلك مكيلة بقيود الخلق ، تخشى الدين من جانب وأوضاع المجتمع الذى نشأت فيه من جانب آخر . وإذا كان قد استطاع أن يكبت تلك الغريزة وهو فتى ، وإذا كان قد اتقى الفحشاء حتى تزوج فى الخامسة والثلاثين ، فإن شعره لم يخل من التعبير عن ذلك الضيقى النفسى الذى كان يحس به . وأنت تستطيع أن نفس فى شعره ذلك الصدام بين شهواة النفس وبين وازع الدين . فهو يحيل ذلك الكفاح الشخصى الذى شب فى أطواء
نفسه إلى كفاح عام بنشب بين قوى الخير وبين قوى الشر فى هذا العالم . لذلك يذهب كثير من النقدة إلى أن الفكرة الأساسية التى تقوم عليها حياة " ملتن " لم تكن إلا الكفاح بين العاطفة وبين العقل ، وأن هذا الكفاح قد نشأ شخصيا خاصا فى نفس " ملتن " واتصل بغرزنه الجنسية الحادة ، لكنه أحيل إلى كفاح عام عالمى بين الفضيلة وبين الرذيلة ، وبين الخير وبين الشر ، وبين الطبيب وبين الخبيث .
وهذا فى نفسه مثل للعلائق التى يجدها المتفننون والأدباء بينهم وبين المجتمع الذى يعيشون فيه . فهم ينظرون إلى المجتمع نظرة جامعة عجلى ، يحاولون أن يؤلفوا بين النقائض التى تصطخب فيه . لكنهم فى كل ذلك لا يصدرون إلا عن العواطف والشاعر التى تختلج فى نفوسهم . هم فى الواقع يفكرون فى أفرادهم ، لكنهم يحيلون ذلك التفكير الفردى إلى تفكير عام . هم يصورون المجتمع صورة خيالية براقة تتألق فى أشعارهم وكتاباتهم . لكن هذه منتزعة من حياتهم الخاصة . فإذا هم حققوا هذا الخيال فى بيئهم كان ذلك نجاحا للفن والشعر . وإذا هم ارتطموا بحقائق الحياة ولم يجدوا سبيلا إلى تحقيق هذا الخيال ملأوا الدنيا وشغلوا الناس . لذلك يعتور الفشل والنجاح حياة المتفنتين والأدباء ، ولذلك تختلف على نفوسهم نوبات من السخط والرضى . ونفس المتفنن أو الأديب هى المبدأ والمعاد لكل الذى يقيمونه من عوالم خيالية يضفون عليها ما فى أغوار نفوسهم من الموحدة أو الأمل أو الإصلاح
وإذا كان ذلك يصح على كثير من أهل الفن والأدب فإن " ملتن " من خير الأمثلة التى يستطيع الناقد أن يعرضها ، لولا أن الكفاح بين الخيال وبين الواقع كان دقيقا فى نفسه ، ولولا أن أحدا من النقدة لم يستطع أن يتأثره إلا بعد الكشوف الحديثة فى علم النفس . فهو قد
نشأ نشأة دينية جافة ، وهو قد آمن بتطهر النفس ؛ وآية من آيات التطهر أن يكبح الفرد رغائبه وأن يقهر شهوانه ، وأن يكون خشنا جامدا يقمع الغريزة فى كل مظهر من مظاهرها . وهو قد كان فى نفس الوقت أفلاطونيا يؤمن بأن لكل شئ فى الوجود مثلا خالدا فى عالم المانى ، وأن تلك المعانى ما هى إلا الأمثلة العليا التى تتشكل على مثالها كل الموجودات ، ولكن هيهات أن تدانها . ثم هو بعد ذلك إنسان يحس بحاجاته الفطرية الأولى ، وهذه الغرائر المكبونة كانت تثور به أحيانا ، وكانت تطفى عليه فى أحيان أخرى . لذلك كان هذا الكفاح النفسى دقيقا . وقد حاول أن يستعلى بكل تلك الغرائر والشهوات ، فأرسلها فى شعره متشحة بخيال متألق أخاذ ولذلك يستطيع الناقد الحديث أن يدرك ولم كانت الفضيلة أحد المعانى التى رددها " ملتن " ولم كان ذلك الصخب الذى اصطنعه حول شهوات النفس وطبائع البشر؟
يستطيع الناقد الحديث أن يدرك كل ذلك ، لأن مدرسة التحليل النفسى قد أثبتت أن لكل غريزة مكبونة متنفسا تنفذ خلاله . فهى قد تسكن فى العقل الباطن ، لكنها لا بد أن تظهر فى مظاهر شتى ؛ هى لا تغنى ولا تتلاشى ، بل هى قد ترسب لتطفو . ويذهب النفسيون إلى أن المرأة فى حياة الشاعر أو الأديب هى الأصل فيما ينتجه من شعر وأدب . فالشاعر إذ يحس بذلك التدلى نحو الغرائز الدنيا يحاول أن يخلق لنفسه جوا من الجمال يستعلى بطبيعته ويضقى عليها ثوبا خلايا من الشعر الوهاج . والغريزة الجامحة التى كانت تدفع بالإنسان الأول إلى اقتناص المرأة والاستمتاع بها كما تستمتع اليهم ، هى نفسها التى دفعت بشاعر مثل " ملتن " إلى نسج تلك الأخيلة السامية التى ظهرت فيها المرأة فى مظهر الملاك المقدس حينا ، وفى مظهر الشيطان الميريد أحيانا . ( للمقال بقية )
