حياته :
وربما ظل جى دى موباسان كاتبا خامل الذكر فى القسم المدنى الفرنسى طيلة حياته لولا إيحاءجوستاف فلوبير . فقد اكتشف الروائى العظيم مخايل النبوغ فى الطالب الذي كانت غايته من الحياة الدنيا على حد اعترافه ان يكون " حيوانا كامل الصحة " والذى أطلق وهو فى الثالثة عشرة على الدين اسم " اللاشئ الأبدى "
وكانت أمه تعتزم أن تجعل منه مؤلفا نابها . وربما كان فلوبير باعث هذا الامل , فقد كان يعرف لورا موباسان قبل زواجها من جستاف دى موباسان الفتى المتأنق الذى هجرها بعد أن جروها من كل شىء . وكان فلوبير ولورا يتراسلان بلا انقطاع , فكان يسدى النصح إليها فيما يختص بتربية ابنيها هرفيه وجي . ولقد كان لهما بمثابة الأب الناصح على نقيض أبيهما الذى كان يتجنب المسؤولية ويحب اللهو , حتى حرم باسرافه ابنيه من فرصتهما فى الحياة . ولقد كان (جي) وهو صبي "كجواد طليق فى أحد الحقول " وفي ( اللبسيه امبريال نابليون ) برع فى الرياضة والسباحة , والنكات العملية الأنيقة ؛ وفى الثالثة عشرة كان فلوبير يقرأ المحاولات الأولى فى الشعر لمتبناه
وبعد ان غادر موباسان المدرسة بدأ يدرس القانون , غير ان المال اعوزه فلم يتم الدرس , واضطر أن يلجأ إلى حمى الوظيفة التى كانت غاية الوقار والامان عند اسر الطبقة الوسطى . وكان موظفا قديرا . وظل سنين عدة فى منصب مغمور , يتناول مرتبا ضئيلا لا يكفى رغباته المسرفة . ولكنه لم يتعجل لتعزيز وسائله بالكتابة , اللهم إلا بضع مقالات لجرائد ومجلات أدبية .
فقد كانت يد حكيمة , قائدة , تسدد مستقبله الأدنى . وكان يرد على الحاح امه إذ تطلب منه قطعا رائعة ": لم يحن الوقت بعد. إننى اتعلم صناعتي" وكان يكتب بعزم دون كلل , ويعرض كل سطر على فلويير ليصححه أو يكتبه له من جديد , وما اشتكى موباسان قط ولا كد نفسه
واستمرت تلمذته ثلاث عشرة سنة تلاها عشر من الغنى والمجد . ولما تخلص من خمول الوظيفة ، وأصبح سمير الأبهاء! الفرنسية , تعطش للنجاح , بيد أنه على إثر سقوطه النسي كمؤلف مسرحي اعتراه ذلك الأسى الذى ألقى ظلا قاتما على الجزء الأخير من حياته .( فالتكرار ) وهي المسرحية التي كان بها جد فخور , لم تمثل إلا بعد إحدى عشرة سنة من وفاته
وقد انتصر الكاتب على حساب " الحيوان كامل الصحة ؛" فقد كان من مغامراته أن يلقي بنفسه فى السين وهو فى لباسه ليدهش مواطنيه الباريسيين المتكلفى الاحترام , وان يصطاد فى الهواء والماء , وأن يلاكم ويبارز بالسيف , وأن يجوب البلاد والامصار . إلا ان حياة الحيوان فى دي موباسان لم تكن فى واقع الأمر فى حدود الصحة , فقد فرط فى قواه الجسمانية , وعبث بالصحة التى كان يقدرها فوق كل شىء . ولقد قدر " لثور بريتانى -" كما كانوا يدعونه لضخامة جسمه أن يجلس فى تراخ فى الآبهاء بحكم عمله ؛ ومع حبه للأدب كان نظره الضعيف يعوقه عن القراءة . وفى شبابه كان في سن تؤهله للاشتراك فى الحرب الفرنسية الألمانية عام ,١٨٧٠ ولكن نفوذ من يهمهم مستقبله الأدبى كان سببا فى تعيينه فى قسم المؤونة بعيدا عن معمعة القتال . وكان كبسترندبرج يحتقر النساء , ولكنه لم يكن يستطيع العيش دونهن
وكان فى أسرته جنون وراثى , فبعد أن أصيب أخوه فى قواه العقلية تم موته , علم موباسان انه محكوم عليه بتلك النهاية , وكانت حالته معقدة , وأغلب الظن أنها لو فحصت فى البداية لكان فى الامكان انقاذه . ولن يعادل ما وضع من السخريات فى قصصه تلك السخريةالتى اصابته فى السنين القلائل الاخيرة من سنى حياته ، حينما انحطت قواه العقلية بسرعة . وحقا لقد كان استمراره فى الكتابة نتيجة لارادته الحديدية وقوته الشديدة !
وفى ذات يوم وهو يغادر مكتبه التفت فأبصر نفسه ما زال جالسا إلى مكتبه هذا , وزادت أخيلته سوءا وأخذت أشكالا مخيفة ولم يكن هناك أمل بعد, غير أن الساخر الذى لم يكن يعتقد فى فضيلة من الفضائل ظل يغالب الأمل , وفى الدرجات الاخيرة من مرضه كتب الى امه يخبرها انه فى تحسن ظاهر : فالعقل في داخليته ما زال يستطيب الحياة ويقدر الشمس والسباحة والرياضة
وحاول بمعونة فرانسوا خادمه الامين الذى ظل سنوات عدة صديقه المخلص ان يفر من النساء المعجبات به اللاتي لم يتحققن انه هالك , ولا سيما إحداهن وهي امرأة غامضة ؛ وقد حاول بعد زيارة فجائية منها ان يطلق الرصاص على نفسه ، لكن فرانسوا اليقظ كان قد اتخذ الحيطة فأخرج الرصاص من الغدارة .
وبعد محاولة أخرى للقضاء على حياته نقل إلى مستشفى المجانين حيث ظل فى راحة لايذكر شيئا ولا يحس شيئا سوى تلك التأملات المبهمة التى يراها من فقد قواه العقلية بلا أمل
فنه:
لو اطلع إنسان على نخبة من قصصه دون المام بالتواريخ والأحوال والنظريات , لاستطلاع دون عناء أن يستنتج أنه كتب حين كانت مرارة الهزيمة فى حرب السبعين ما زالت تلقى على فرنسا ظلا عبوسا , وأنه كان رجلا مكنته وسائله وأخلاقه من الاختلاط بالأوساط الخاصة إلا أن النصيب الأعظم من عطفه الغريزى كان للفلاحين والفقراء , وأنه كان مشغولا بمعضلة البغاء , وأنه مع كل عظمته كفنان كان فى استثماره تلك المعضلة لمؤثرات عاطفية ظاهرة يهبط أحيانا الى درجة الاسفاف
وقصص موباسان جيدة . قالموضوع جذاب مشوق حتى ليجذب الانتباه لو حكى على مائدة الا كل , وهذه ميزة يعتد بها , فمهما كانت كلماتك متقطعة , وسردك فاترا ضعيفا , فلن تخفق فى إثارة اهتمام سامعيك إذا قصصت عليهم القصة العارية فى " بول دى سويف " أو " الميراث " أو " القلادة " فهذه القصص لها بداية ولها وسط ولها نهاية . فليست تهيم فى خط متردد لا تستطيع ان تعرف ان تنقاد , ولكنها تتبع من المقدمة الى النهاية منحنيا قويا جريئا
وربما خلت قصته من المعنى الروحى . ولم يرم موباسان الى ذلك , فلقد كان ينظر الى نفسه كرجل عادى . ولم يدع الفلسفة وحسنا فعل , لأنه حين يندفع فى التأمل يصبح سطحيا . ولكنه مبدع فى حدوده . وحقا لقد كانت له مقدرة عجيبة فى خلق أشخاص يزخرون بالحياة وقد يضيق بالايجاز , ولكنه يستطيع فى صفحات قلائل أن يعرض أمامك ستة من الرجال فى صورة واضحة حتى إنك لتعرف كل ما تحتاج عنهم فضلا عن ان حدودهم ظاهرة , ومزاياهم واضحة , وأنهم يتنسمون انفاس الحياة , وقد خلوا من التعقيد ومن التردد ومن المفاجآت ومن الغموض الذي نراه فى الآدميين
فصور أشخاصه بسيطة إلا أن هذه البساطة غير متعمدة , فعيناه الحادقان كانتا تريان بوضوح وإن كان على عمق غير بعيد . ولقد كانت فرصة سعيدة أن تريا ما هو ضرورى للفكرة التى يرمى إليها . فهو حقا يضع عينه على المرمى الذى نصبه أمامه ولكنه ما كان يستطيع أن يرى أكثر من مرمى واحد فى وقت واحد . فالمنظر الواحد , والجو المفاجئ , والباعث القاهر , كانت قوام مادته . وهذا هو السبب فى انه لم ينجح فى القصة الطويلة كما نجح فى القصيرة . ويقول موباسان ": الفنان يحاول أن ينجح أو يخيب , والناقد لا يحق له أن يقدر النتيجة دون أن يتتبع طبيعة المجهود , وليس له الحق فى أن يشغل بالمؤثرات " ولما كان يفرق بين الخيالى والواقعى , كان يصر على أن الواقعي يجب أن يكون " أكثر كمالا , وأشد تأثيراً , وأتم انطباقا , مثل الحقيقة نفسها ". وهو كمن سبقه من الكتاب الناسهين لم يكن خياليا فحسب ولا واقعياً فحسب , ولكن كان الاثنين معا وكانت عبقريته فى أن يرى ما فى الحقيقة من ابتداع
وتمتاز كتابته أيضا بصحة وطلاوة وبساطة من الصعب تحليلها ولكن من السهل فهمها . وليس معنى ذلك ان سهولة فهمها للأجنى تجعلها سهلة الترجمة . فالواقع أننا نجد أن أسهل الأعمال فى كل لغة أصعبها فى النقل , فقراءة هوميروس أسهل من قراءة ( مآسى اثينا ) إلا انه لم ينجح فى نقل هومير الشاعر الساحر إلى الان احد . وموباسان يعالج المحيط بنفس البساطة , فهو يضع منظره بدقة واختصار و تأثير , فاذا كان يصف طبيعة
نورمانديا الفاتنة ، أو أبهاء القرن الثامن عشر، فهو فى الحالين سواء وكان من أتباع المذهب الطبيعي يرى دواما إلى الحق , غير ان الحق الذى كان بتوصل إليه به قليل من الزيف , فلم يكن يحلل شخصياته , ولا يهتم بالأسباب الدافعة . فهم يتصرفون ولكنه لا يعرف إلى اي نهاية . وفيما يلى تعليله على حد قوله :
" فى رأيى أن التحليل النفسى فى قصة طويلة أو قصيرة معناه هذا أن أظهر الرجل الداخلي من حياته " حقا هذا جميل , بل هو ما يفعله القصصيون أجمعون , ولكن الحركة لا تدل دواما علي الباعث . والنتيجة عند موباسان كانت تبسيطا للشخصية ، وهذا له أثره فى القصة القصيرة , ولكنه عند إعمال الفكر يتركك غير مقتنع . وإذ ذاك تقول إن فى الرجال من يفوق ذلك .
هذا وقد كانت تتملكه الفكرة المنتشرة بين مواطنيه إذ ذاك ، وهى أن الواجب على المرء لنفسه أن يتصل بأي امرأة دون الأربعين تصادقه . فاشخاصه تساير رغباتها الجنسية لكي ترضى احترامها لنفسها . فهم كمن يأكل لونا من الطعام دون احساس بالجوع ولكن لأنه غالى الثمن
قلنا إنه كان تلميذا وصديقا لفلوبير . وكان التلميذ يتقبل آراء أستاذه فى مواضيع عدة ؛ وكان يعتقد أنه يحاكيه فى مجهوداته الجبارة فى الانشاء . إلا أنه من الصعب أن يتفق ذلك وسهولة أسلوب موباسان ؛ على أن الحقيقة التي لامراء فيها هى ان الانشاء الفنى كان عند فلوبير نصبنا وعناء . ولما كان موباسان قد مات فى شرخ الشباب , فمن المحتمل أن ننسى أحيانا أنه لم يكن تلميذ فلوبير فحسب , إنما كان تلميذا لدوديه وزولا واناتول فرانس أيضا . ومن العبث القول بأن هؤلاء الكتاب الكبار كانت لهم طريقة مشتركة , سواء من الوجهة النظرية أو العملية , ولكن إذا تكلمنا على وجه العموم دون تقييد فقد نستطيع القول أنهم يمثلون الحركة المتجهة نحو الدقة و الواقعية . فالتنقيب عن الكلمة الملائمة أكثر من سواها , والقول بأن الفنان ينبغى أن يسدد نظره إلى الموضوع , وألا يقبل المقاييس العامة لتنظيم التقديرات الشخصية كانت ميول المدرسة والوقت . والدقة الجميلة فى عمل فلوبير تدين لمبدئه وطريقته , على حين ان ادب زولا الواقعي كان فى الحقيقة منتخبات من أجزاء من الطبيعة أثارت اهتمامه أكثر من سواها . وبعد , أليست ماهية الفنان وعمله مهما حاول أن
يوضحه , أننا فى النهاية نجده لم يصور الحقيقة وإنما غيرها ؟ فإذا سما بهذا التغيير نحو الجمال فقد نجح , وإذا انحط به الى القبح فقد أخفق . وكان موباسان فنانا مجيدا لدرجة تسمو به عن الاسفاف المطلق , فان ارخص قصصه له ميزة الابتكار , ولكنا نرى النقاد فى بعض الاحيان قد بالغوا فى مدحه , ومع محاولته أن يكون طبيعيا نجده أحيانا يهبط إلى القيود البيانية , ويسمح أحيانا بالعواطف الزائفة
ولقد كان غالبا ما يبدأ قصصه بمقدمة يقصد بها ان يهيئ القارئ لحالة عقلية خاصة , وهي طريقة خطيرة إن لم تنجح قد تكون مملة , وقد تحمل القارئ بعيدا عن الاثر . ولقد كان يختار أشخاصا عاديين , ويحاول أن يظهر ما فى أعمالهم العادية وحياتهم من الفواجع , وكان يختار الحادث الذى لا أهمية له ويخرج منه كل ما يستطاع من المواقف المؤثرة , وهي طريقة تساعد على خلق الانتباه للقصة . وكان يكتب ويفرط فى الكتابة , وكان أيضا يتخذ موضوعا متشابها حتى ( بول دى سويف ) التى سببت شهرته تعطينا مقارنة سهلة عادية بين الرحلة التي قام بها بعض المبجلين هربا من غضب البروسيين وقد احسوا بقرص الجوع العنيف فسرهم ان يشاركوا البغى المسكينة زادها , وبين الرحلة الأخرى بعد أن أغروها بشتى الوسائل من حيلة ورجاء على ارتكاب الخطيئة مع الضابط الألمانى تلبية لطلبة , حتى إذا قبلت التضحية على مضض شديد , أبدوا لها ازدراءهم وترفعوا عن دعوتها لمشاركتهم الزاد فى الطريق بعد أن نالوا الاذن باستئناف المسير
ولقد وجد قاذة النقاد ان قصص موباسان وإن لاءمت نبوغه لا تصلح على الرغم من مظهرها الخادع لأن تكون أنموذجا مثاليا للغير . وقد كان مع حيوانيته وشهوته يعرف رقة الحب التقى . انظر على سبيل المثال قصته " ضوء القمر " ففيها نرى الكاهن الذى يكره النساء وهو ذاهب لكى يفاجئ ابنة اخيه وعشيقها ويجازيها شر الجزاء , يذهب إلى ضوء القمرالشاحب , ويذهل بين الغمام والبلابل , وحين يرى الحبيبان يخطران فى تلك الجنة الفيحاء ، يقول فى نفسه " ربما خلق الاله القادر , هذه الليالى السواحر , لكي يلقي غلالته القادسية على الحب البشرى "

