الرجوع إلى البحث الذهاب لعدد هذه المقالة العدد 452 الرجوع إلى "الثقافة"

جى روصو باسان :, يوميات مجنون

Share

توفى ذلك القاضى العادل ، ورئيس إحدى المحاكم العليا بعد اثنين وثمانين عاما قضاها فى الحكم بين الناس بالعدل . أجل كان ذلك القاضى مثال النزاهة والأسوة الحسنة فى جميع دور القضاء فى فرنسا ، فلا غرو إن بكاء جميع الناس حين موته وساروا فى جنازته مترحمين عليه . وشيعته إلى المقبرة ثلة من الجنود ، ودفن بين بكاء الناس وحزنهم العميق .

وفى اليوميات التى كان يحتفظ بها ذلك القاضى فى أحد أدراج منصته عن الجرائم العظيمة كتب ما يلى وكان عنوانها " لماذا ؟ "

٢٠ يونيو سنة ١٨٥١ : غادرت المحكمة منذ برهة ، بعد ان حكمت على بلوندل بالموت . ولست أدرى لماذا قتل هذا الرجل أولاده الخمسة ؟ قد يقول بعض الناس إن فى القتل لذة وسرورا . . أجل إن فى القتل لذة لا تقدر ! أليس القتل كالخلق ! إن البناء والهدم كلتان تشملان تاريخ الكون منذ أقدم العصور .

٢٦ يونيو : لماذا كان القتل جريمة ؟ أجل لماذا ؟ بل على عكس ذلك إن القتل قانون الطبيعة ؛ فالرسالة التى يحملها كل مخلوق فى هذه الحياة هى أن يقتل ! فهو يقتل ليعيش ويعيش ليقتل . ولكن ضرورة الحياة فى المجتمع جعلت القتل جريمة ! ولما كنا لا نستطيع أن نعيش يثير إشباع غريزة القتل المتأصلة فينا فإننا نريح انفسنا بين وقت وآخر بالحروب ، فتتحارب الامم أليست الحرب وليمة دماء فاخرة ! وعيدا من الأعياد التى تتباهى بها الامم يجدونها وتتسمم فيها أفكار النساء والأطفال بقصة هذه المذبحة البشرية الخالدة !

انظر إلى قواد الجيش وهم يزينون صدور الجنود بالنياشين المختلفة البراقة ويتوجون رؤوسهم بأكاليل الغار ، وتقدم إليهم الصلبان الحديدية والجوائز والألقاب والرتب ، فترى الجنود مزهوين بأنفسهم ، إذ يرون الجماهير تحترمهم والنساء تحييهم وتصفق لهم . اندرى لماذا ؟ لان لهم رسالة ، وهذه الرسالة هى إراقة الدماء ! انظر إليهم وهم يجرون فى الشوارع آلات الموت والدمار ترمقهم عيون الناس بالغبطة ! لأن القتل هو قانون الحياة ، ولا شئ أجمل ولا أدعى للشرف والفخار من القتل ! !

٣٠ يونيو : القتل هو القانون لأن الطبيعة تحب الشباب الأبدى ، وتصيح بأعلى صوتها اللاشعورى : السرعة ، السرعة ابها الناس . حاربوا واقتلوا ، فيبقدر ما تسرعون فى الخراب والدمار يكون البناء !

٣ يوليو : ما أجمل القتل وما ألذه ! حاول أن تقتل شخصا ، ألا تتمتع بمشاهدة ذلك السائل الأحمر الذى هو الدم بل هو الحياة ! وتمتع بمنظر تلك الكومة من اللحم الآدمى البارد . . أليس هذا المنظر جميلا

٥ أغسطس : أنا ، ذلك القاضى الذى قضى حياته بالحكم بين الناس والحكم عليهم ببعض كلمات أتفوه بها . . ماذا أكون !

١٠ اغسطس : من يعلم ومن يشك في نزاهتى وخصوصا إذا اخترت أحد الناس وتلذذت فى قتله

٢٢ أغسطس : لا استطيع الصبر طويلا ! لقد قتلت أحد المخلوقات كتجربة ! فقد كان لخادمى جان عصفور ، وضعه فى قفص وعلقه على نافذة المكتب ، أمسكت العصفور بيدى وضغطت على جسمه النحيل بشدة حتى كدت أخنقه . . إلا أنبى لم أقو على رؤية الدماء . . فتناولت مقصا صغيرا مسمرا وقطعت به حلق العصفور بلطف . لقد حاول المسكين الهرب منى ، إلا أننى ضغطت عليه بشدة حتى

رأيت دمه يسيل ، وبعدها فعلت كما يفعل السفاحون ، غسلت المقص كما غسلت بدى ، ونظفت المكان بالماء ، ثم اخذت العصفور إلى الحديقة وواريته التراب نحت إحدى الشجيرات . اعتقد خادمى بأن عصفوره قد تمكن من الإفلات من قفصه . ولكن اه لو علم مصير عصفوره !!

٢٥ اغسطس : يجب ان اقتل رجلاً . . أجل يجب أن أفعل ذلك !

٣٠ أغسطس : لقد قتلت . إذ بينما كنت أسير فى غابة قرنيس ابصرت طفلا فى الطريق يأكل قطعة من الخبز والزبدة ، استوقفنى ذلك الطفل قائلا : صباح الخير ايها الرئيس . فأجبته : هل تسير وحدك فى الغاية بإولدى ؟ فأجاب الطفل : نعم باسيدى ولم أحس بنفس إلا وقد تملكتنى رغبة فى قتله ، فاقتربت منه وأمسكته وضغطت على حلفه بشدة ، وبعدئذ لم يستطع المقاومة . . أجل قتلته والقيت به فى إحدى الحفر ، ووضعت بعض الحشائش البرية عليه ، وقفلت راجعا إلى البيت . . ألا ما أسهل هذه العملية . . وفى المساء كنت مسرورا جدا وكأن لم أفعل شيئا !

٣١ أغسطس : لقد اكتشفت الجثة فقد عثر عليها بعض الصيادين . فما العمل ؟

١ سبتمبر : ألقى القبض على منهمين ولكن الأدلة مفقودة .

٢ سبتمبر : آه لقد رآنى والدا الطفل . . إنهما يبكيان وهما بقصان قصتهما !

١٠ أكتوبر : لا تزال غريزة القتل متأصلة بى . إذ بينما كنت أسير على شاطئ النهر بعد طعام الإفطار أبصرت تحت شجرة متدلية الأغصان صياد سمك فائما وبجانبه فأس وكأنها وضعت لى . . تناولتها برفق ورفعتها كالهراوة الغليظة وبضربة واحدة شججت رأسه فسالت دماء غزيرة وردة اللون . . انسابت هذه الدماء إلى ماء

النهر بهدوه ، فرجعت إلى البيت وكأن لم ارتكب أمرا . لاشك أنها مجزرة بشربة جميلة

٢٥ أكتوبر : لقد كان لحادث صياد السمك صدى عظيم فى البلدة - إن ابن أخيه الذي كان يصطاد معه متهم بقتله

٢٦ أكتوبر : إن قاضى الوفيات بصر على أن ابن الآخ هو القائل ، وكل امرئ فى المدينة يعتقد ذلك

٢٧ أكتوبر : لقد دافع ابن أخى القتيل عن نفسه دفاعا مجيدا ، فقال بأنه ذهب إلى القرية قبل وقوع الحادث ليشترى خبزا وجبنا وأقسم بأن عمه قتل فى أثناء غيابه . . ولكن من يصدقه

٢٨ أكتوبر : لم يجد ابن أخى القتيل بدأ من الاعتراف على الرغم من براءه فكانت المقصلة جزاءه . .اه إنه العدل . ١٥ نوفمبر : توجد ادلة قوية ضد ابن أخى القتيل الذى كان وريث عمه !

٢٥ بنار سنة ١٨٥٢ : الموت . . الموت ، لقد حكمت عليه بالموت . . أجل لقد حكمت على النائب العام بالموت . . يجب أن امتع عينى بشنقه .

١٠ مارس : لقد تم ذلك . . لقد تم شنقه هذا الصباح ، ومات ميتة طيبة جعلتنى مسر وراجدا . . ما اجمل هذا المنظر ! والآن يجب أن انتظر قليلا لأستريح

حوت هذه المسودة صفحات كثيرة ، ولكنها لم تفى عن جرائم جديدة ، واعترف ضابطو هذه اليوميات بأن فى العالم مجانين كثيرين مجهولين يلذ لهم سفك الدماء كذلك القاضى المجنون . . آه لو علموا ما حوته هذه اليوميات قبل موته ( القدس )

اشترك في نشرتنا البريدية