الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 259الرجوع إلى "الثقافة"

جيرائيل داننزيو، شاعر بسكارا وصديق الحلفاء

Share

يقف جيرائيل داننزيو وحده كشاعر إيطاليا الوحيد ، الباقى على الدهر بعد دانتى وليوباردى وكاردوتشى ، بل هو الشاعر الذى لم يعترف بسيد ولم يأخذ عن شاعر ولا معلم ، وهو الشاعر الذى لم يترك مدرسة ولا تلميذا ، ولم يخلف بعده ورثة ولا أتباعا ، فإن الفن الإيطالى الجديد يبدأ فى الواقع مع داننزيو . والموسيقى التى بعثها هذا الشاعر جاءت إلى سمع العالم بنغم لا عهد لها به ، ودخلت على الآذان بعذوبة لم تشنف بمثلها على السنين - كان لكل بلد ممثلوها فى تلك النهضة المزدوجة ، نهضة الفكر ونهضة الشعر ، ولكل منها حملة أعلامها ورافعو لوائها ، وها هى الأيام تشهد انطفاء مصباح من المصابيح الساطعة ، فلم يبق بعد داننزيو سوى وليم نتيربتس المنزوى فى جو ارلندا المشبع بالضباب الكثيف على مقربة من الجبال والوديان والمروج ، حيث ينمو ريش الخيال لمن خلق بغير جناح ؛ وهو آخر من شهد تلك العصور الذهبية الذاهبة أدراجها ، فإذا ما انقضت تلك العصور فإن الأجيال القادمة ستقدر مكانة زعماء تلك النهصة أكثر من تقدير عصرنا المضطرب الحائر .

حرص داننزيو فى كافة مراحل حياته على تجديد روح الثقافة بين أبناء قومه ، فلا يسعنا أمام ذلك سوى ضمه إلى مجموعة الشعراء العباقرة الذين تمسكوا بنظريات الشباب ونسجوا على منوال بودلير - لكن شعر داننزيو كان أرق وأجمل وأنفذ إلى القلوب بمعانيه العالية ، ونغمائه الموسيقية ؛ فقد تجلى الفن فى شعره منذ نعومة أظفاره ، وكان يعبث بالألفاظ الإيطالية كأنها أوتار فيثارة بين أنامله ، فيخرج منها نغمات تارة عنيفة قاسية ، وطورا هادئة منسجمة

جذابة ، بل تارة متألمة شاكية باكية ، وأخرى صاخبة كصدى الحديد والبرونز - أما وجه الطرافة فى فنه البديع فهو مائل فى ذلك الشكل الواضح الذى امتاز به شعره حتى استحق أن يشبه بالتمثال المنحوت ، ولنذكر على سبيل المثال ((المطر فى غابة الصنوبر)) ، فهى خير ما نظمه من الشعر الغنائى ، إذ عنى باختيار ألفاظه ، وتنويع نغمائه ووصف الطبيعة وصفا موسيقيا دقيقا ، جعل من هذه القصيدة قطعة من روحه الوثابة .

جمع داننزيو شخصيات عديدة فى نفسه العبقرية ، لكن شخصية الشاعر طقت عليها كلها ؛ فهو يعتبر عن جدارة خليفة كاردوتشى ؛ بل هو شعلة نار اندمج فى سعيرها شعبة موسيقى فأخرج من البيان سحرا . أما خارج إيطاليا فقد عرف داننزيو مؤلفا روائيا أكثر منه شاعرا ، إذ نقلت قصصه ومسرحياته إلى اللغات الحية فتذوقها الجماهير ، وأخذت تكتشف فيها أشياء ثمينة تمت بصلة متينة إلى فن زولا ، وهو بسمان ، وبول بورجيه - ولكن هل فى ذلك أى عيب ؟ ألم ينهل موليير وراسين ولافونتين منهلا واحدا ؟ ومع كل فقد اعتبر عمل كل واحد منهم فنا قائما بذاته ، فماذا يضير داننزيو أن نقل اتجاهاته عن طائفة من الكتاب العالميين وقد طبعها بشخصيته القوية فخلقها خلقا جديدا ؟! وانظر إلى أبطاله : اندريا سيبريللى فى (( ابن الشهوة الجامحة )) وجورجيو أوربسيا فى (( انتصار الموت )) وكلدويو كانتلمو فى (( العذارى على الصخور )) - إذن لرأيت داننزيو بنفسه فى هياج الفاتح ، وآلام المحتضر وشعوره المتحمس للحياة والموت ، وحبه الوثنى للطبيعة الحيوانية الشهوانية ، ونزقه الجنونى ، وأحزانه المتشائمة ، وعزيمته المتجهة إلى جميع ضروب الملذات .

قرأت نقدا وجهه كاتب من الكتاب إلى فن داننزيو الروائى ، فنعت قصصه بأنها شاخت وأكل الدهر عليها وشرب - لكن الحقيقة أنها مجرد شيخوخة وقتية

لا يلبث أن يحل الشباب محلها ؛ فالمؤلفات تشيخ إذا شاخ قراؤها ، أما قصص داننزيو فلا تخلو إحداها من نيران الذكرى المشتعلة ، ومن صفحات بديعة مفعمة بالأحلام التى لا تمحى ، ومن مفارقات طريفة بين الأشخاص والحوادث .

وإذا كان هناك عيب فى فنه فلنذكر فى صراحة أنه اعتاد أن يخرج مؤلفات كاملة من فصول ناقصة ، ويتجلى هذا العيب بوضوح فى مسرحياته (( كالمدينة المائتة )) التى اقتبسها من إحدى الأساطير الأغريقية وقد بلغ إطنابه وثرثرته أقصى حد فى بعض قصصه مثل : (( حلم صباح الربيع )) أو (( حلم صباح الخريف )) حيث طغت شخصية الخطيب على شخصية الشاعر إلى حد بلغ من الغرابة بمكان - وتعتبر مسرحيته (( ابنة جورجيو )) خير ما وضعه فى فن الدراما ، وهى مستقاة من أخلاق (( الأبروز )) وتمتاز بوضوح المعانى وسحر التعبير فضلا عن أنها أقل كلفة ومراوغة من سائر مسرحياته

عند نشوب الحرب العظمى كان داننزيو مقيما فى وطنه الفكرى (( فرنسا )) ، وقد شارف الخمسين من عمره . هناك ظهرت مواهبه ، وتجلت مقدرته الأدبية فى الشخصيات التى ابتكرها ونفث فيها روح حماسته وتضجره ، وجشعه وتململه ، ثم أحلامه المزعجة المحمومة .

ودعاه واجبه الوطنى للعودة إلى إيطاليا فسرعان ما تحول من الأدب إلى السياسة ؛ ولأمر ما أخذ يدعو إلى ضرورة الدخول فى الحرب إلى جانب الحلفاء ، وصادفت دعوته قبولا من الشباب المتحمس . ثم تطوع بنفسه فى صفوف الجند وخدم فى المشاة والفرسان والبحرية ، وأخيرا تدرب على فنون الطيران ، وأصبح طيارا ماهرا ، وانتقل على متن الهواء فى المواقع الحربية حتى ضرب بالنار وفقد إحدى عينيه واخترق الرصاص طيارته ، واشتعلت النار فى جوانبها وعبثا حاول أن يموت فقد نجا من الموت بأعجوبة أو على الأصح هرب منه الموت ! ! !

وضعت الحرب أوزارها ، وكان خيال منطقة ((قيومى)) الواقعة على الساحل الشرقى من البحر الأدرياتيكى شاخصا أمام عينيه ، وظل ينتهز الفرص لضمها إلى إيطاليا ، فلما قررت لجنة الحلفاء اعتبار هذه المنطقة دولية ، انفجرت عواطف داننزيو فقام على رأس قوة بحرية هائلة مقتربا من ثغر قيومى ضاربا بقرار ولسن عرض الأفق ؛ حتى إذا ما أصبح على قاب قوسين منها تصدى له الجنرال بتالوجا قائد الحامية ، ولكن داننزيو لم يعبأ بذلك بل اعتمد على ذلافة لسانه وقوة بيانه ، فخطب بينهم خطابا حماسيا أثر فى نفس الحامية فسلمه مفتاح الميناء .

وعندما لامه العالم على فعلته وكيف أقدم على خرق حرمة المعاهدات الدولية وجه إليه قصيدة موسيقية رائعة بدأها بقوله : (( استحلف فرنسا التى أنجبت شاعرها هيجو ، وانجلترا التى خرج منها كاتبها ملتون ، وأمريكا التى قادها إلى النصر بطلها لنكولن أن يكن شاهدات عدل على ما قد أثبته أنا ابن الوطن ((الجندى الجريح)) الذى أذهلته نتائج الحرب ودفعته إلى ضم قيومى الرضيعة إلى أمها إيطاليا .         عاد داننزيو بعد هذا الانتصار الحاسم بنحو خمسة عشر شهرا إلى ربوع وطنه حاملا مبادىء جديدة وأفكارا جديدة ، غير أن شهواته المحمومة طغت على شخصيته السياسية فجرفته فى الميدان ليسير وراء الشيطان ، ويقضى أوقاته نهما بين الخطيئة والكأس والميسر ، وصار يفلت من ذراعى امرأة ليعود فيرتمى فى حمأة أخرى ، حتى إذا ضاقت به حياة اللهو والصخب والمتعة الحمراء فر إلى صومعة نائية فى رأس الجبل يتزهد ويتعبد بتلاوة الصلاة وتلاوة الكتب المقدسة .

إنك تقرأ طرفا من سيرته فى ((الكتاب السرى)) الذى أصدره فى أواخر أيامه ، فتعجب من تلميذ ((نيتشة)) الوفى كيف كان ينظر إلى المرأة كمخلوق تافه يروى منها ظمأه ويشبع نهمه - كان مولعا بأن يوقع كل امرأة فى شراكه

لا هياما بها وإنما إرضاء لنزوة جنونية ، فإذا قضى منها وطره قذف بها إلى عرض الطريق وعلق اسمها فى ثنايا مؤلفاته ، وظل يفخر بوقائعها الغرامية ، كما يباهى الجنود الحمر بتعليق رؤوس ضحاياهم حول قصورهم .

كان فى وسع داننزيو أن يغوى أية امرأة فى العالم بنفس المهارة التى أغوت بها الحية حواء لتأكل من ثمار الشجرة المحرمة ، لأنه حين يلتقى بها يجتهد فى أن يضفى عليها مسحة من خياله الشعرى ، ويغمرها بأطياف من السعادة الوهمية ، وألوان من النعيم ، بحيث تعتقد أنها المرأة الوحيدة التى يهواها ...

وعندما أعلن اعتزاله العالم ، وقنع بنصيبه فى الحياة بتلك الصومعة النائية صحبته ماريا جرافيتا ، ولازمته سنوات عرف فيها معنى الحياة وتذوق نعيمها ، فقد ارتبط معها هذه الفترة الطويلة لأنه كان يحب ابنتها حبا أبويا عميقا ، فهى التى سهرت عليه ستة أشهر قضاها فى ظلام حالك بعد أن فقد إحدى عينيه فى الحرب ، غير أنه وقع ما لابد منه ، فقد فر منها فى النهاية ليلقى بنفسه بين أحضان الممثلة البارعة الينورا دوزى يستنشق من أنفاسها عبير الفن والحب ، ويستلهم من جمالها روعة أشعاره الخالدة .

لقد استغل الشاعر حب هذه الفنانة أبشع استغلال ، وتناثرت الإشاعات حول استغلاله لها ماديا ، ولكن ألا يحق للسوبرمان أن يستغل المرأة كما يستغل الرجال العاديين ، تمشيا مع قانون التطور ونزولا على رغبة الفردية القوية ؟

استغل منها فكانت تمثل مسرحياته فى إيطاليا وتخلد أبطاله خارج إيطاليا ، واستغل مالها فكانت تسدد ديونه الباهظة ، واستغل روحها فصارت لا ترى حياتها إلا مكتملة بحياة الشاعر ، وأخيرا استغل سرها ففضحه فى روايته (( النار )) ، إلى حد أن كل من قرأ الكتاب يتبين شخصية الينورا دوزى بين السطور ؛ وكانت العاشقة المولهة لا تكترت بكل هذه النوازل ، إذ كانت تعتقد أنه يهواها ؛

ولكن لما هجرها وطار من عشها لتنزعه من بين أحضانها يد أقوى من يدها ، قضى الموت على شجونها فانتحرت وهى تصيح (( أنبئوه أنى قد غفرت له )) .

لاح اسم موسولينى فى الأفق ، وأصبح ملء الأفواه والأسماع ، واستطاع الدكتاتور أن يلبس مسوح داننزيو السياسى ويتقدم بالمبادىء التى وضعها للفاشية ... ووقف كلاهما يقاتل فى صف واحد من أجل المجد . ولكن الدنيا ابتسمت قليلا للدوتشى الداهية فريح المعركة - ولما كانت روما لا تسعهما وكلاهما عبقرى أنانى ، ولما لم يكن من السهولة أن يقدم موسولينى على إقصاء بطل قيومى وقلوب الشعب لا تزال مرتبطة به ارتباطا وثيقا فقد أدرك بفطنته وكياسته كيف يرضيه ، فهو يعرف عنه أنه شاعر قبل كل شىء ، وكاتب قبل أن يكون رجلا من رجال السياسة والحكم ، لذلك أعطاه كل ما هو فى حاجة إليه ، وكل ما تصبو إليه نفسه الشاعرة ؛ وهبه قصرا منيفا هو (( التنيتوربالى )) الذى تحول إلى جنان فيحاء ، ومنحه لقب (( أمير )) وأهداه يختا بقائده وبحارته ، ووضع تحت تصرفه حرسا خاصا .

فى هذه المملكة الصغيرة قضى الشاعر حياته فى عزلة تامة ، متحصنا فى قصره الواقع بين منحنيات بحيرة الريفتير جاردونى يكتب وينظم الشعر بعد أن حارب وانتصر ومزج الحب بالمغامرات - حقا إنها حياة جديرة بأبطال عصور النهصة . أولئك الأبطال الذين أراد أن يقتدى بهم فكان له ما أراد . روائى عظيم وشاعر عظيم ، ورجل عظيم - هذا هو جيرائيل داننزيو الذى فارق العالم فى الدقيقة الخامسة بعد الساعة العشرين من اليوم الأول من شهر مارس سنة ١٩٣٨ ، فدخل فى حكم التاريخ ونال الجزاء الخالد الجدير بأمثاله ، ممن استحقوا الخلود بقوتهم وعبقريتهم ، وكم من الشعراء يتوق أن يكتب له شبه هذا المصير . .!!

اشترك في نشرتنا البريدية