أورد البديعى فى كتابه (هبة الأيام فيما يتعلق بأبى تمام) قصيدة للعماد الأصبهانى يجاوب بها أبا الفتح التعاويذى فى الصفحة ٢٧٧ وهى قصيدة طويلة مطلعها:
بأبى معتدل القا ... مة فى عطفيه نشوه
ومن أبياتها:
ما تسلينى عن دجلة جيرون و (بروه)
هكذا أورده ناشر الكتاب الأستاذ الفاضل محمود مصطفى وعلق عليه بقوله: (لعل جيروناً وبروة اسما نهرين بدمشق) . وهذا عدم تحقيق من الأستاذ الفاضل
فإن بروة تحريف ظاهر لا يخفى على أديب باحث فى اللغة العربية، ولا يوجد نهر أو موضع بدمشق بهذا الاسم. وإنما هى ربوة وهو متنزه جميل وجنة غناء قرب دمشق ... قال ياقوت فى معجم البلدان: ربوة بضم أوله وفتحه وكسره. إلى أن قال: بدمشق فى لحف جبل على فرسخ منها موضع ليس فى الدنيا أنزه منه لأنه فى لحف جبل تحته سواء نهر بردى وهو مبنى على نهر تورى وهو مسجد عال جداً وفى رأسه نهر يزيد الخ اهـ. وقيل: إنها دمشق نفسها، ولكن المعروف إلى اليوم هو المكان المنتزه الجميل. وقد تغنى به أمير الشعراء المرحوم شوقى بك فى قصيدة: (قم ناد جلق ...) فقال:
وربوة الواد فى لجلباب راقصة ... ألساق كاسية والنحر عريان
والطير تصدح من خلف العيون بها ... وللعيون كما للطير ألحان
وأقبلت بالنبات الأرض مختلفاً ... أفوافه فهو أصباغ وألوان
أما جيرون فقد قيل إنها دمشق نفسها، وقيل إنها حصن بدمشق أو بناء عظيم لبعض الكواكب الخ. قال فى معجم البلدان هذا قولهم. والمعروف اليوم أن باباً من أبواب الجامع بدمشق وهو بابه الشرقى يقال له باب جيرون، وفيه فوارة ينزل عليها بدرج كثيرة فى حوض من رخام وقبة خشب يعلو ماؤها نحو الرمح الخ وجاء فى الصفحة ٢٨٠ من القصيدة نفسها
وهو فى الشعر وفى العل ... م كحسان وعروه
فعلق عليه الأستاذ بقوله:(حسان بن ثابت الأنصارى شاعر رسول الله وأمره مشهور، وعروة من شعراء العرب كثيرون، فمنهم عروة بن حزام ومن شعره قوله فى عفراء:
متى تكشفا عنى القميص تبينا ... بى الضر من عفراء يا فتيان
إذا تريا لحماً قليلاً وأعظماً ... بلين وقلباً دائم الخنقان
جعلت لعراف اليمامة حكمه ... وعراف نجد إن هما شفياني. الخ
ومنهم عروة بن الورد الذى يسمى عروة الصعاليك لأنه كان كالرئيس عليهم ويجمعهم ويقوم بأمرهم إذا أخفقوا فى غزواتهم. مع أن المراد هنا بعروة عروة بن الزبير بن العوام أحد فقهاء المدينة السبعة العالم المشهور، والمحدث الكبير تلميذ خالته عائشة أم المؤمنين رضى الله عنها المتخرج فى مدرستها وهو مشهور غنى عن التعريف. وبيت العماد يقول: وهو فى الشعر كحسان، وفى العلم كعروة، وهذا فى البديع يا سيدى الأستاذ لف ونشر مرتب. وهذا الذى جعلنا نحمله هذا المحمل، والمعروف أن عروة بن حزام وعروة بن الورد وغيرهما من شعراء العرب لم يشتهر أحدهم بالعلم.
وإن الأستاذ محمود مصطفى ليشكر على مجهوده فى هذا الكتاب وعلى إخراجه فى هذا الثوب القشيب، وأرجو أن يتقبل منى هذا التعليق بقبول حسن.

