جمال الحياة ومذهبه الواقعى :
عاش موباسان للحياة ولجميع لذائذ الحياة. لقد كان فتى (نورماندياً) له مظهر يملأ العين ونفس لا تعرف الكلال. كان يهيم شغفاً بالطبيعة وجمالها وهو القائل (إني أحب السماء كعصفور، والغابات كذئب شرس، والصخور كوعل أحب حباً وحشياً عميقاً قدسياً وحقيراً - كل شيء يحيا) . ولقد كان له في فنونه حواس لا للتمتع فحسب، بل للملاحظة، وقد كان الصديق المقرب الوفي للكاتب (فلوبير) إذا هم بأن يكتب قيد بانتباه ودقة لا كل ما شاهده، بل كل ما يقدر أن يشاهده. ولقد أعطى صوراً كثيرة قوية عن مناظر السين والمارن ومقاطعة نورمانديا وعن حياة القرويين وطلاب الجامعات. وفي قصصه الأولى سخر من معايب نفسه ومخازيها، وسخر من كل ما يراه كاذباً في المجتمع في الأديان والشرائع والعادات.
لقد كان ماجناً مرحاً ولكن لم يطل عهد مجونه ومرحه. فقد تألم وغزا الألم جسمه ونفسه فبدل كل نظراته الواهمة في الحياة
لقد كان مسرفاً جد الإسراف في التمتع بالحياة، وقد أساء لنفسه وجسده بهذا الإسراف، إسراف عنيف في لذته وصناعته كأنما كان طبيعة شاذة عنيفة في ميولها! فبكرت إليه الأوصاب وتناوشت جسمه العلل، فأراد أن يقاوم سلطانها فعكف على الخمر والمورفين والمخدرات وما لبث قليلاً حتى أثر ذلك في نفسه فولد فيها الاضطراب فتبدلت ألوان الحياة في وجهه، واستحال نورها ظلمة حالكة، وأخذت هذه الروح المرحة تشك في فرح الحياة وبدأت تحقر معانيها، وآزره على ذلك عقول أوى إليها كان تفكيرها متجهماً، فهو يحب شو بنهاور ممن وجدوا الحياة صفحة سوداء. ومنذ ذلك الحين إذا كل شيء في عينه زهواً باطلاً وجنوناً وعدما: (سعداء همة أولئك الذين لا يبصرون بسأم كبير: لا شيء يتبدل، ولا شيء يتحول، وأن كل شيء يغمره سأم طويل. . فكرة الإنسان ساكنة لا تتحرك وإنما تدور ضمن حدودها المتقاربة كذبابة في قارورة مسدودة)
وهذا الضجر الذي عراه يظهر على صور مختلفة في ثنايا مواضيعه ورواياته؛ على أنه لم يجعل من هذه الإنسانية الكئيبة المحزنة صورة فتانة، وهو إذا لم يجل هذه الصورة بوجه صحيح فانه كان مفعماً شفقة وحناناً عليها، فهو في المواطن التي تهتز فيها الغرائز وتملك على المشاعر يبصر فضائل خفية وجمالاً متوارياً ونزوعاً عنيفاً متألماً نحو المثل الأعلى، تراه يعود إلى حديث من أحاديث الحياة حيثما كان مصدره، يسكب عليه الحنان والرقة، ويسبغ عليه الجمال؛ على أن فوزه الأدبي والثروة التي نالها قد بدلاه وأثرا في نفسه، فقد كان يغشى الأوساط الأرستقراطية ويتمتع بما تخلقه هذه الأوساط من الفنون والمرح العنيف في الحياة، فلم يعد يقنع بطريقته وفنه الأول في وصف الأشياء البسيطة وتصوير الحوادث القريبة. إنه نشط إلى ما تدعوه طبيعته الصافية إلى تحليل نفوس مركبة يستحوذ عليها القلق ويهديها الشقاء، ومن جملة هذه الأنفس نفسه. كتب قصة (قوى كالموت) و (قلبنا) و(بطرس) و(حنا) وما هي قصص تحليلية. هو يريد فيها أن يخفي التحليل بدلاً من نشره. وأشخاصها يريدون أن يخدعوا الناس أسرار نفوسهم بهذه الفصول والحركات
التي يأتون بها. وأكثر قصصه تجري على طريقته، القصة الشخصية التي تدور حوادثها حول بطل هو صاحب القصة، تجري على طريقة الاعترافات التي تعبر عن الحياة الباطنة والتحليل الخلقي. على أن موباسان كانت جهوده بارزة في تطور المدرسة الواقعية وهو في خير قصصه تبدو واقعيته في ذوق حاد مشبوب يسمو إلى فتنة الحياة الشعبية وهجو الحياة الاجتماعية هجواً لا فظاظة فيه ولا مرارة في انتقاء هذه الحقائق التي تمثل الحقيقة الأكثر ارتباكاً في الحياة. كل شيء في أسلوبه يدل على صرامة واتزان. ولا يمل (موباسان) من قول كل شيء. ولكن من قول كل ما يوحي إليه عقله بقوة وبيان. وقد تفتنه الطبيعة وتأسره وتؤثر فيه، ولكن القصة تخون نفسه، وأخيراً تراه لا يتردد في التحري عن الحقيقة الإنسانية التي تعكس في لحظة واحدة من هذه الحياة المتغيرة العابرة شيئاً من حقيقة النفس الخالدة للناس.

