لا يزال بيننا أناس يقولون بترك نهضة الآداب والفنون تشق طريق التقدم دون مد يد العون إليها . وسندهم فى ذلك أن رجال الآداب والفنون ذوو مواهب ، وأنهم مدفوعون إلى الإنتاج بدافع تلك المواهب . ومحال أن يخلق العون الأدبى أو المادى موهبة الأديب أو الفنان من العدم ، بل ومحال أن يصقلها أو يرفع مستواها . فالأديب والفنان يبتدعان آياتهما على السجية كما تصدح الطيور وترقص على صفحات الغدران .
ثم يذهب المعترضون على تشجيع الآداب والفنون إلى أبعد من ذلك فيقولون : إن تشجيعهما يؤدى إلى عكس الغاية المنشودة . فهو يقتل مواهب أهل الأدب والفن أو ينال منها ، ويفسح فى المجال لظهور الإنتاج المتصنع المغرض ، ولدخول المرتزقة والأفا كين الحلبة ، ومزاحمتهم للمطبوعين من الأدباء والفنانين .
ولكن الرجوع إلى تاريخ الآداب والفنون فى الشرق والغرب ، على تعاقب القرون . يدحض ذلك الرأى . فقد اعتاد الأدباء والفنانون فى كل زمان ومكان - مع استثناء أوروبا وغيرها من البلاد المتحضرة فى القرنين الأخيرين - أن يعتمدوا فى سد حاجات عيشهم على معونة الملوك والأمراء وذوى الجاه ، أو على معاش ثابت تجريه عليهم حكوماتهم . ولم يكن لهم من ذلك بد فى العصور التى لم تكن الآداب والفنون فيها سلعة تعرض فى السوق لتدر على صاحبها الربح أو ما دام الإنتاج الأدبى والفنى لا يعد إنتاجاً مادياً يدخل فى نطاق المعاملة .
وقد استثنينا أوروبا وغيرها من البلاد المتحضرة فى القرنين الأخيرين ، لأن تقدم الطباعة وصناعة الورق وما قابله من زيادة عدد المثقفين هناك زيادة كبيرة . وإقبالهم
على الفنون والأداب ، فتح سوقاً وفيرة الربح للأدباء والفنانين ، فاستطاعوا أن يتخلصوا من الخضوع لذوق حماتهم ورعاتهم من السادة الذين غرست حياة الترف والبطالة فى نفوسهم حب المنمق المهلهل المزخرف من الآيات الأدبية والفنية .
تحرر أدباء تلك البلاد من القيود التى وسقوا فيها حقباً طويلة ، وانطلقوا هم وزملاؤهم الفنانون يعبرون عن آرائهم وخوالجهم فى حرية تامة ، فنما إنتاجهم بعد تحرره من قيوده ، واكتسب أصالة وجدة لم يعرفهما وقت أن عانى من عيوب التكلف والصنعة ما عانى . ولكن تطور الأدب والفن لم يقف عند هذا الحد ، إذ اتجهت أنظار الأدباء والفنانين إلى من يكتبون لهم من سواد الناس ، بعد أن كانوا لا ينظرون إلا إلى أنفسهم . واهتموا بحياة سواد الناس وطفقوا يصورونها فى كتاباتهم المنظومة والمنثورة ، وفى أناشيدهم وألحانهم ولوحاتهم ، بعد أن كان كل منهم لا يهتم إلا بحياته الخاصة ، ولا يعبر إلا عن خواطره وخوالجه الذاتية ؛ فإذا تناول غيره من الناس بالوصف أو النقد أو التحليل ، فهو لا يفعل ذلك إلا من الناحية الفردية البحتة ، وقد أثار هذا الاتجاه قلق المتشائمين من المثقفين الذين رأوا أن انصراف الأدب والفن من برجهما الماجي إلى سواد الناس سيهبط بمستواهما الفكرى والذوقى . فما دام الإنتاج الأدبى أو الفنى يروج ويحقق لصاحبه ربحاً يزداد بمقدار عدد المتهافتين عليه ، فإن صاحبه الذى ذاق حلاوة المكسب سيحاول على الأغلب أن يسف به إلى أدنى درك ليفوز بإقبال العامة وهم العدد الأوفر فى كل مجتمع . ولكن هذه النظرة قصيرة لا تكاد تتجاوز أنوف أصحابها ، لأن نزول الأدب والفن إلى ميدان الحياة الفسيح ، ورواجهما بين مختلف الناس ،
يحيلهما من مجرد متعة ينعم بها الخاصة فى أوقات الفراغ إلى قوة فعالة تتأثر بالمجتمع وتؤثر فيه . وإذا صح أن مستواهما الفكرى والفنى سيهبط عما كان عليه ، فإن هذا الهبوط موقوت بإفادة العامة من تذوق الآيات الفنية والأدبية ، وان تلبث تلك الآيات أن تأخذ سبيلها إلى السمو كرة اخرى حين يسمو ذوق سواد الناس وتتسع ثفاقتهم ، وسيكون رقيها فى هذه المرة على الأساس الطبيعى الصحيح .
ونوجز ما فصلنا ، فنقول : إن الأدباء والفنانين فى حاجة إلى المال ليعيشوا ، شأنهم فى ذلك شأن غيرهم من الناس ، وهم يرضون برعاية من يرعاهم من ذوى الجاه والمال إذا لم يجدوا للرزق سبيلاً غير هذا . فإذا انتشر التعليم وأقبل الناس على الآداب والفنون تحرروا من ربقة ذوى الجاه والنفوذ ، وأخذوا يؤدون مهمتهم على الوجه الصحيح . وإذا نظرنا إلى حالنا على ضوء ما تقدم نجد أن السبل مسدودة جميعاً فى وجه أدبائنا وفنانينا ( اللهم إلا إذا استثنينا المشتغلين بالغناء ) . فإن ذوى الجاه والمال عندنا مشغولون اليوم بالأعمال الصناعية والتجارية المربحة التى تستنفد كل وقتهم ، فتشغلهم عما عداها ، وتحملهم على ازدراء كل ما لا يضاعف أرباحهم . ومن كانت هذه حالهم فلا يرجى منهم أن يهتموا بالنهضة الثقافية ويعينوها . أما سوق الأدب والفن فراكدة . ولسنا نحسب أن أحداً يخالفنا فى أنها لا تحقق حتى الربح الضئيل الذى لا يقيم الأود . وقد ترتب على ذلك أننا لانكاد نرى أدبياً فرداً ، أو فناناً واحداً يستطيع أن يتفرغ لإنتاجه ، ويعيش على ربحه منه . فهو إما صحافى أو ملتحق بوظيفة عامة ، فى حين أن الإتقان لا يكون إلا من نصيب من يتفرغ لعمله . ويخصص له كل ما يملك من جهد وفكر وروح .
وقد طالب الكثيرون ممن آمنوا بأهمية دعم نهضتنا الثقافية أن تتدخل الحكومة فى الميدان الثقافى ، وتمديد العون للمشتغلين بالأدب والفن ، وتعينهم على مواصلة جهودهم الثقافية . ولم يلبث المشرفون على شئون البلاد أن اقتنعوا بهذه الوجهة من النظر ، فوافقوا على إنشاء إدارة عامة بوزارة المعارف تعنى بالنهضة الثقافية ، وتشجع
القائمين بها . . وهكذا ظهرت الإدارة العامة للثقافة فى الوجود .
ولكن الوسائل التى تتوسل بها تلك الإدارة لأداء رسالتها مفتعلة يصعب أن تحقق الغاية المرجوة منها . فهى لا تخرج عن شراء عدد محدود من كل كتاب ثقافى صالح تخرجه المطابع وإجراء مباريات ثقافية ترصد جوائز مالية ضئيلة للفائزين فيها ، وتصويب بعض المخطوطات القديمة ونشرها . ورصد الحركة الفكرية فى سجل مفروض أن يصدر كل عام ، ومد الجمعيات الثقافية بإعانات مالية لا تكاد تفيد ، ومحاولة التعاون الثقافى مع سائر البلاد . .
إن الذى يلقى نظرة على هذه الوسائل يدرك لأول وهلة سبب خمول ذكر تلك الإدارة ، فالأدب والفن لا يترعرعان إلا بإحدى وسيلتين . فإما البذل السخى الذى يغنى عن السعى وراء الرزق . وإما تهيئة الأسباب لازدهار سوقهما ورواجها . وأين هاتان الوسيلتان من الوسائل التى تتفرع بهما الإدارة العامة للثقافة ؟ . .
أما البذل السخى فأمره مفهوم . ونحسب أن إدراك الفائدة الجلى التى تعود على البلاد من ازدهار نهضتها الثقافية جدير بأن يحمل المفترين فى تلك السبيل على الإقلاع عن تقتيرهم . وبسط أكفهم كل البسط . ولكن تهيئة سوق ثقافية رائجة هى التى تحتاج إلى شرح وتبيين . ونبدأ حديثنا فى هذا الصدد عن الأدب فنقول : إن تهيئة سوق له رائجة لا تكون إلا بحث المتعلمين على قراءة كتب الأدب . وهذا بدوره لا يكون إلا بتعويد النشء القراءة ، وغرس حب الأدب فى نفوسهم ... ولكن كيف يكون هذا ؟ . .
يشكو كتاب الأدب فى مصر قلة الملمين بالقراءة ، وانصراف كثرة هذه القلة عن تصفح ما تخرجه لهم المطابع من كتب وصحف أدبية . ويهمل كثيرون من الأدباء الكتابة متذرعين بهذه العلة . على أنى رأيت كثيرين من قراء العربية يشكون بدورهم ندرة الكتب القيمة الجديرة بالتصفح ، ويتذرعون هم كذلك فى انصرافهم عن القراءة ، بهذه العلة التى يسوقونها .
والمدقق المنصف لا يملك إلا أن يعذر الفريقين .
فالتأليف عندنا على الأغلب هزيل هزال الإقبال على القراءة . والعذر الذى يسوقه القراء ظاهر . أما عذر المؤلفين فيرجع إلى أن إجادة الكتابة تقتضى التوفر على الاطلاع ، وإدمان التألف والتصنيف ، وبذل الوقت الطويل ، والجهد المضنى فى تلك السبيل . بل إنها تستلزم من الكتاب أن يعتصروا لها خلاصة ذهنهم ، ويهبوا لها كما قلنا روحهم ، وهذا لا يتأتى إلا إذا تفرغوا لها دون القيام بأى عمل آخر .
إن الكاتب المجيد لا يتاح ظهوره إلا بين ظهراتى جمهور من القراء على استعداد لتقديره . وهؤلاء لا يتكاثرون الكثرة المجدية إلا بعد ظهور التصانيف الممتازة المشوقة . فإذا تركت الأمور تسلك مسلكها الطبيعى استحال تصنيف الكتب الممتازة ، واستحال بالتبعية انتشار هواية القراءة بين الناس . وعلى ذلك وجب علينا أن نبدأ باصطناع وسيلة لظهور الكتاب الممتازين ، وهذه الوسيلة ليست كما قلنا إلا بذل المال فى سخاء . وللإدارة العامة للثقافة أن تتولى هذا العمل المصطنع لتوفير الكتب الشائقة التى تجتذب القراء . وحين تتوافر تلك الكتب يزول أخطر عائق يحول دون قيام السوق الأدبية الرائجة ، ولا يبقى أمام الإدارة العامة للثقافة إلا أن تعنى بتبصير تلاميذ المدارس بفتنة تلك الكتب ، وتغرس فى نفوسهم حب الإطلاع عليها . فإذا تعودوا القراءة فى أول عهدهم بتلقى العلم ، فإنهم لن يملوها بعد ذلك ؛ وهكذا يصبحون الفوج الأول الذى تتوه أفواج وأفواج لا تبقى على ما تخرجه المطابع من مصنفات . وحين يحدث هذا تبدأ النهضة الأدبية الحقة التى تقوم على أساس طبيعى سليم .
على أن الإدارة العامة للثقافة لا تستطيع أن تضطلع بهذه المهمة الأخيرة إلا إذا مكنت من الإشراف على مكتبات المدارس كافة . وهذا لا يكون بإخضاع تلك المكتبات لتفتيشها فحسب . ولكن المدرسين المشرفين على تلك المكتبات يجب أن يلحقوا بها رأساً ، وان يقوموا بعمل إيجابى فى تشويق التلاميذ إلى القراءة ، فتخصص فى كل أسبوع حصة واحدة إجبارية لكل فصل يقضيها تلميذه
فى المكتبة ليستمعوا إلى درس فى أهمية الإطلاع ومتعته ، ثم إلى تلخيص لبعض الكتب المشوقة الموجودة فى المكتبة . . أما المنهج المفصل لهذه المهمة فيحتاج إلى دراسة نظن أن الإدارة العامة للثقافة قمينة بأن تقوم بها فيما لو سمح لها بتأدية تلك الرسالة الخطيرة على ذلك الوجه . وإذا علم القارئ أن مكتبات المدارس لا تكاد تفتح أبوابها نظراً لإهمال المدرسين والتلاميذ شأنها على السواء ، رغم ما تبذله وزارة المعارف كل عام من عشرات الآلاف من الجنيهات ، فإن اهتمامه بما نقول سيشتد ولا شك .
أما مهمة ترقية الفنون فمن الطبيعى أن تضطلع بها إدارة الثقافة كذلك ، وتتبع فى تلك السبيل نفس الطريق الذى أشرنا به ، فتزود مكتبات المدارس بكتب عن الموسيقى والرسم والنحت وغيرها من الفنون ، وعن حياة كبار الفنانين ، وإذا كانت نماذج الرسم والنحت مطبوعة فى الكتب التى تقدم للتلاميذ ، فلا بأس أن يستعين المدرس المشرف على المكتبة أثناء حديثه عن الكتب الموسيقية بإدارة أسطوانات موسيقية تسجل الألحان التى يتحدث عنها . ثم عليه بعد ذلك أن يغرس فى النشء ، حب الفنون ، وهواية اقتنائها ، حتى إذا صاروا رجالا عمدوا إلى تزيين دورهم بالتحف . وهكذا تروج سوق الفنون .
على أن الإدارة الثقافية أن تفلح فى أداء تلك المهمة على الوجه الاكمل الا إذا زادت وزارة المعارف من عنايتها بمنهج دراسة الأدب فى المدارس الابتدائية والثانوية ، وعمدت إلى تمكين موظفى الثقافة من التعاون مع مدرسى الأدب فى سبيل الوصول إلى غايتهم المشتركة . ثم على الوزارة كذلك أن تتوسع فى تعليم تلاميذ المدارس الابتدائية والثانوية أهم ألوان الفنون ، فلا تكتفى بتعليمهم الرسم بالقلم دون غيره . فإن ذلك سيكون محكا تظهر به مواهب ذوى المواهب من ناحية ، ثم يتزايد الاهتمام بالفنون بعد أن يكبر أولئك الصغار من ناحية اخرى .

