أهمية الطفولة وخطرها :
مرحلة الطفولة من اخطر مراحل نمو الانسان ، واذا كان علماء النفس والطب النفسي اختلفوا فى نشأة الامراض النفسية اختلافا كبيرا ، فاغلبهم مجمع على ان مرحلة الطفولة ذات اثر عميق باق في الحياة النفسية للفرد كلها ، وفي تحديد الخطوط الاساسية لشخصته فيما بعد . فمن المسلم به عند علماء النفس ان اساليب الحياة وقوالب السلوك التى يصطنعها الفرد للاخذ والعطاء في الدنيا يتكون معظمها ويتبلور فى عهد الصغر ...
فالاتجاهات النفسية التى اكتسبناها صغارا وخاصة تلك التي اثرت فينا تأثيرا عميقا تنزع ، بالرغم مما قد يصيبها من تحوير ، الى ان تؤثر في سلوكنا طوال الحياة ، كما ان النزعات التى تسود تفكيرنا وانفعالاتنا وتصرفاتنا فى جميع معاملاتنا قد صبغت عددا كبيرا من المواقف والعواطف التى عرضت لنا ونحن نتعامل مع آبائنا ومدرسينا ومن كانوا يحيطون بنا فى عهد الصغر ...
لذلك ، فمن الواجب على الوالدين في البيت وعلى المعلمين في المدارس ان يضعوا هاته الحقائق نصب اعينهم ، بحيث لا يعبثون بانفعالات الطفل عن قصد او عن جهل ، بل يسلكون ازاءها مسلكا كله حكمة وادراكا لحاجات الطفل النفسية حتى يترعرع ويشب فى صحة نفسية جيدة . .
فمن العبث وقلة ادراك المسؤولية ان نعتنى بصحة الطفل الجسمية ونهمل صحته النفسية مع ان الاخطار التى تنجم من اعتلال صحة الطفل النفسية تفوق بكثير الاخطار التى تنجم من اعتلال صحته البدنية في اغلب الاحيان ، اذ على مقدار سلامة الطفل من العلل النفسية تتوقف حياته كلها فى المستقبل : إما حياة سعيدة واما حياة شقية . .
ولو تأملنا مشاكل الاطفال العديدة لوجدنا الخوف من ابرز العوامل فيها . ان
لم يكن هو العامل الرئيسى ، وهذا الخوف هو الذى يفقد الطفل شعوره بالامن ذلك الشعور الذى هو فى اشد الحاجة اليه ، فالامن من اوكد حاجات الطفل النفسية ، وفقده لاي سبب من الاسباب تترتب عليه متاعب لاحصر لها قد تكون لها اوخم العواقب فى مستقبل ايام الطفل ...
وفقد الشعور بالامن لا يقتصر ضرره على الاطفال فحسب بل يشمل الراشدين والكبار ايضا فتراهم سكارى وما هم بسكارى ولكن حيرتهم وقلقهم وفزعهم يسد عليهم كل مخرج من جحيم حياتهم الحاضرة الى فسيح جنات الاطمئنان والهدوء والاستقرار النفسي ...
ولسنا بصدد الكلام عن فقد الشعور بالامن عند الراشدين والكبار ، فهذا له مقام آخر ، ولكن اشرنا اليه لانه فى اغلب الاحيان يكون نتيجة او امتدادا لفقد الشعور بالامن عند الطفل الذى هو موضع حديثنا فى هذا المقال .
ظروف عامة يترتب عليها فقد الشعور بالامن عند الطفل :
أ) في البيت :
من ناقلة القول ان نذكر ان العطف هو ذلك الجو الجميل الهادىء الذى ارادت الطبيعة ان تحبو به الفرد فى غضاضة عمره ، فهو الموازن الطبيعى للضعف الذي يشعر به كل صغير حيال الكبير . ولكي نعطف على الطفل ونحبه بالرغم مما قد يكون به من عيوب يتعين علينا ان نفهمه . ولكى نفهمه يجب ان نمعرفه ، فمعرفة الطفل شرط ضرورى على من تعهد اليه تربيته ، غير اننا كثيرا ما ننظر الى الطفل باعيننا نحن لا بمنطاره هو ، فنحاسبه كما نحاسب الكبير ونطلب اليه ان يرضخ لقواعد صاغتها الانسانية فى دهور طويلة ثم نلح فى هذا الطلب حتى يصبح الطفل حائرا بين ارضاء رغباته الخاصة وارضائنا نحن ...
ومن يتامل بيوتنا الشرقية لا يلاحظ صدق هذا القول فحسب بل يراها وقد سادتها كل العوامل التى تفقد الطفل الشعور بالامن فمن قوة وصرامة الى كراهية وحرمان من العطف الى النقيض من ذلك وهو الاسراف فى التدليل .. ثم الاتعس من كل ذلك المبالغة فى التخويف للحصول على السلوك الحميد ..ثم هناك عوامل اخرى ليست اقل خطرا على الطفل من سابقاتها وهى : التقلب في
معاملة الطفل بين اللين والشدة ، كثرة النزاع والنقار بين الوالدين ، جهل الوالدين بالطرق السليمة للتربية الدينية الى غير ذلك من العوامل التى تزعج الطفل المسكين وتجعله تائها على صغر سنه وضعفه فى صحراء الحياة الجرداء لا يجد اقل ظل من ظلال الامن يقية شر ما هو فيه وما هو صائر اليه من نهاية محزنة اهونها التعرض لذلك (العصاب الذميم) ، "الحصر النفسي" او الوسواس ،
فالقوة او التربية الصارمة لا يقتصر ضررها على الطفل فحسب بل هي تحرم الاب من حب ابنه واحترامه من حيث لا يدري فهى تولد عند الطفل الكراهية للسلطة الابوية ولكل ما يعادلها من سلطات ثم انها تخلق عند الطفل ضميرا صارما ارعن يحاسبة محاسبة عسيرة وتجعله دائم السخط والتبرم قاسيا فى معاملة نفسه والناس فضلا على ان مثل هذه التربية تقتل فى الطفل روح الاستقلال وتحول دون نموه السليم نحو الرشد وتبث فى نفسه الشعور بالنقص وبالتالي تفقده الشعور بالامن فتزلزل اركان حياته زلزالا يصدع كيان شخصيته .
وقريب من القسوة كراهية الطفل او حرمانه من العطف فهى تنتج نفس النتائج الاليمة فالطفل المحروم من العطف يشعر شعورا اليما بان له حقا سلب منه (والاهمال الروحى شر انواع الاهمال) .
اما الاسراف والافراط فى تدليل الطفل والمبالغة فى مدحه والعطف عليه وتربيته تربية اتكالية فهى تقضى به الى الشعور بالنقص ايضا حين يصطدم بتكاليف الحياة الخارجية ، فلا يناله من ذلك الا الخيبة والاخفاق ويترتب على ذلك ان يفقد الشعور بالامن ، هذا فضلا على انها تجعل منه شخصا يضيق بالمشكلات الهينات ولا يطيق مواجهة الصعوبات ، فتراه يرجو الخلاص منها باي ثمن كان . وقد ينكص على عقبيه طالبا الامان من الصدمة الاولى .
لذلك يبغى ان نحذر من مثل هذه التربية التى لا تفقد الشعور بالامن إثر الفشل الذريع الذى يصيب المرء عند مواجهة مشاكل الحياة الخارجية فحسب وانما تفقد الثقة بالنفس ايضا ذلك السلاح القوى الذى بفضله يستطيع الفرد تحدى الحياة ومصافحتها وجها لوجه كما انها الاساس الاول لبث روح الجرأة والمخاطرة والشجاعة الادبية في النفس ،
والمبالغة فى تخويف الطفل من أجل تربيته الخلقية تضعف ثقته بنفسه
وتميت شعوره بالطمأنينة والامن . فبعض الآباء او بعض الخدم يكتشفون غالبا خوف الطفل من امر معين كالحصان او الكلب او غير ذلك ويستغلونه اما لتسليتهم الخاصة أو لدفع الطفل للقيام بعمل معين ، او الاحجام عن عمل آخر ، وفى كل هاته الحالات فالامر وبال على الطفل المسكين ... فليس هناك أقسى من ان يجلس الوالد امام ابنه ويثير خوفه ، والولد يصرخ والوالد يضحك . ومن المحتمل جدا ان يكون لتكرار مثل هذه المواقف نتائجه السيئة من حيث علاقة الطفل بوالده ، وفى شخصية الطفل وفى سلوكه بوجه عام ...
واذا كان بعض الآباء يرون ان اساليب التخويف والعقاب تنجح دائما اكثر من اساليب التفاهم فى الحصول على سلوك طيب من الاطفال ، فليعلموا ان العبرة ليست بالسلوك الطيب وانما العبرة بالسلوك الدائم الذى يستمر مع الشخص طول حياته بعد انفصاله عن منزله وعن المدرسة ، والعبرة كذلك بالسلوك التلقائى المقصود لذاته وليس بالسلوك الذي يؤتى خوفا من عقاب الوالدين وتوبيخهم ... فليذكر الآباء اذن ان التربية عن طريق الخوف تربية سلبية لا ايجابية ، فهي ان حملت الطفل مؤقتا ، على ترك شىء ، فانها لا تحمله على عمل الخير من تلقاء نفسه او كسب عاطفة انسانية نبيلة .
كذلك من الظروف الهامة فى البيت التى تفقد الطفل شعوره بالامن وتعرض خلقه وصحته النفسية للخطر التقلب فى معاملته بين اللين والشدة ذلك التقلب الذي يثاب الطفل من اجله على العمل مرة ويعاقب عليه مرة اخرى ... هذا التبلبل فى المعاملة يجعل الطفل فى حالة من القلق والحيرة والتوتر ، كما انه يزعزع ثقته في ابويه .
ثم كثرة النزاع والنقار بين الوالدين يخلق في البيت جوا لا يطيقه الطفل ، فيحاول الخلاص منه بأي طريقة وبأي ثمن ، فمثل هذا الجو الخانق يفقد الطفل شعوره بالامن أيضا ، لان ذلك الخصام لابد ان ينتهى بغالب ومغلوب ، وسوا أكان المغلوب اباه ام امه ، فكل منهما اشد من الطفل واقوى ، فكيف تكون الحال ادن حين يصبح الطفل نفسه طرفا فى خصام مع اي منهما ؟ ولا نغلو اذ قلنا ان هذا النزاع فضلا عن انه يضعف ثقة الطفل بأبويه ، فانه قد يضعف ثقته
بالناس جميعا ... ويحدثنا علماء النفس انه عامل بالغ الاثر في نشاة كثير من الاضطرابات النفسية ،
ومما يفقد الطفل شعوره بالامن ايضا تلك الطرق التى يسلكها عادة الاباء فى تربية اطفالهم تربية دينية فقليل منهم من يحسن القيام بها ، فهم يلجأون غالبا فى غرسها الى التخويف مع ان الدين في جوهره امن وعزاء ، وقد مر بنا ما للخوف من اثر سئ فى نفس الطفل . فمن الخير ان نطرح التخويف جانبا وان نلجأ الى عواطف المحبة والاحترام والاجلال لانه من السخف بمكان ان نحدث طفلا فى الخامسة عن هول الحشر وعذاب القبر ، فذلك شئ لا يدركه وقد يذهب من نفسه كل اثر للامن فيما بعد .
وأخيرا فان الظروف العامة التى تفقد الشعور بالامن كثيرة وأكثر من ان تحصى ، ولكن ذكرنا اهمها على سبيل المثال فقط .
ب) في المدرسة :
وبعد البيت ينتقل الطفل الى المدرسة ، وكم كنا نود الا نجد فيها من الظروف العامة ما يفقد الطفل شعوره بالامن ايضا ، لان المفروض فى المدرسة ان تعمل كثيرا من اجل الطفل وان تقوم برسالتها كما يرجو المجتمع ، بأن تقوم بعض ما اصابه الطفل من عادات نفسية غير سليمة فى البيت وان تهون ما يكون قد علق بنفسه من صراع اليم ، وان تحصنه بكثير من العادات والعواطف الاجتماعية الصالحة . ولكنها المدرسة التي أنشأها الاستعمار - لتخريخ المستخدمين لا المواطنين الصالحين - تأبي الا ان تزيد الطين بلة وان تضيف على كاهل الطفل المسكين أعباء جديدة من العقد النفسية وان تزعزع ثقته بنفسه وتملاه خوفا ورعبا وعدم شعور بالامن والاطمئنان .
فمدارسنا لا تزال تتشبث بكثير من انظمة العهد البائد مما يجعل الثقة بعيدة بينها وبين ما نرجوه لها من العناية بالصحة النفسية للتلاميذ ، فهى لا تزال تؤكد اولا وقبل كل شئ الناحية الفكرية من الانسان وتهمل او تكاد تهمل الناحية الخلقية والاجتماعية ، ثم ان معيار النجاح فيها لا يزال هو الامتحان والتفوق فى التحصيل ضاربة عرض الحائط بالصفات التى تبنى الرجال وتقيم الخلق وتمتن الجدارة الاجتماعية والشجاعة الادبية .
كما ان المناهج الحاشدة بكل منفر وعسير على هضم التلاميذ وعدم مراعاة الفروق الفردية بينهم اذ تجمع التلاميذ كلهم في فصول واحدة على الرغم من الاختلافات الكبيرة بين بعضهم البعض فى الذكاء والميول ، هذا فضلا عن ازدواج لغة التعليم حيث يجبر التلميذ الصغير على تعلم لغتين : لغته القومية واللغة الفرنسية ... كل ذلك يترتب عليه فشل الضعفاء وتخلفهم او تركهم المدرسة ، وقد اوذيت نفوسهم وجرح كبرياؤهم . وكم كانت المدرسة بهذا سببا فى بث الشعور بالخيبة والفشل فى نفس التلميذ وبالتالى فى زعزعة الثقة بالنفس وعدم الشعور بالامن ، لان المستقبل امامه مظلم حالك من اثر سواد الفشل الذريع .
فمدارسنا بوضعها الحالى - ونأمل ان تتغير وتتطور فى العهد الجديد - لاتزال بعيدة عن ان تكون عامل تقويم واصلاح لما افسدته البيوت ولما قصرت فيه وعجزت عنه المنازل .
العلاج :
الواقع ان العلاج واضح بعد ان عرفنا اسباب الداء وبعد ايماننا بان الوقاية خير من العلاج ، وبذلك وجب علينا ان نقى الطفل فى البيت وفى المدرسة من تلك الظروف المختلفة السابقة ، بل نعمل على محوها محوا وتبديلها بظروف اخرى اكثر ملاءمة لحاجات الطفل النفسية . .
فمثلا فى البيت يجب ان نحيط الطفل بالعطف والرعاية اللازمين بدون افراط او تفريط ، فكل من الافراط والتفريط يترتب عليه فقد الشعور بالامن كما سبق ان بينا . ثم يجب علينا ان نكف عن تخويف الطفل وارهابه وكثرة تحذيرة ونسلك معه طريق الفهم والتفهيم والارشاد الى السلوك الحميد ، كما يجب ان نحفظ جو البيت من الشجار والنقار ، فلا بد ان يسود البيت جو من الود والصفاء والتعاطف والتفاهم بين الأبوين حتى ينشأ الطفل فى بيت تغمره السعادة الزوجية والسعادة المنزلية فتتربى فى الطفل عواطف سليمة تقيه شر الانفعالات النفسية الضارة واللازمات السيكولوجية الحادة .
اما فى المدرسة فيجب اولا وقبل كل شئ ان نجعل التعليم فيها باللغة القومية وحدها وان نخلصها من الشرك الاثيم المتمثل فى ازدواج لغة التعليم ، كما يجب ان
تكون المدرسة حلقة اتصال بين البيت السالف الذكر وبين المجتمع وذلك عن طريق الترفق فى سياسة الطفل ومعاملته بعطف يشجعه على المضى آمنا فى تلك الدنيا الجديدة وتعينه عن تقبل احمالها دون وجل او احجام ، فالمخاطرة دائما اساسها الشعور بالامن والطمانينة ، ولا سبيل الى الامن الا بالرفق والعطف .
كما يجب ان نجعل مدارسنا تسير على نمط المدارس الحديثة في البلاد الديموقراطية التي تهتم بالفرد وتكوينه قبل اهتمامها بالعلم وتحصيله ...
يجب ان تكون مدارسنا بيئات سعيدة خالية من ضروب الشد والجذب والصراع النفسي ، يتعاون التلاميذ ومدرسوهم فيها على القيام باعمال حيوية مفيدة فردية وجماعية ...كما يجب علينا ان نعير النشاط الاجتماعى والالعاب الرياضية المختلفة اهتماما خاصا ، ففي دوائر النشاط الاجتماعي يتعلم الطفل كيف يساير الناس ، وكيف يختبر الناس ، وكيف يقدر نفسه ويقدر الناس ، وفيها يتعلم كيف يحد من انانيته ويعمل لصالح المجموع . وفيها لا يجد مجالا للانطواء على نفسه والاستسلام لاحلام اليقظة ذات العاقبة الوخيمة ، وبفضلها يتعلم التعاون والطاعة واحترام القانون وآراء الغير ...
ثم يجب على مدارسنا ان تهتم بوجه خاص بتعويد الطفل الحرية والمسؤولية فالحاجة الى الحرية من الحاجات الاساسية للطفل ...كما انه يجب عليها ان تراعى الفروق الفردية بين تلاميذها حتى يستفيد كل فريق الفائدة التى تعود عليه وعلى المجتمع بالخير العميم ...
واخيرا يجب على مدارسنا ان تهتم اهتماما خاصا بما يبدو لدى التلاميذ من مشاكل وانحرافات سلوكية وخلقية ، وتعمل على العلاج المبكر لهذه العثرات قبل ان يستفحل امرها او يستعصى شفاؤها .
وبذلك يمكن ان يقوم البيت السعيد ويمكن ان تقوم المدرسة الحديثة بواجبهما نحو الاطفال الذين هم امل المستقبل ، ويمكن ان يؤدى كل منهما رسالته كاملة غير منقوصة نحو الجيل الجديد .

