الرجوع إلى البحث الذهاب لعدد هذه المقالة العدد 6 الرجوع إلى "الفكر"

حاجيات الجهاز العصبى الغذائية

Share

الاغذية والفضلات :

يوزع الدم على خلايا الجسد الماء والاملاح المعدنية والمواد العضوية كما يرفع عنها الفضلات الناتجة عن وظائفها ويؤلف كل نقص فى التغذية او زيادة فى الفضلات اختلالا يعود على وظائف الجهاز العصبى وكذلك كل شطط فى مقدار التغذية يضر بهذا الجهاز . ذلك ان النسبة اللازمة اليومية يجب ان تراعي فتتحصل الاعضاء على كمية قصوى من العناصر المغذية الصالحة دون ان تتعداها والا حدث تسمم فيها فيجب اذن ان يتيسر التوازن فى التغذية بمعنى ان الخلايا تتناول من المواد الضرورية ما يكفيها لحياتها .

ويكون تركيب الدم الكيميائى ثابتا لا يتغير الا بمقدار ما يمكن الخلايا من التحصيل على قوتها وبصورة عامة يجب ان يكون هذا السائل الحيوى قارا فى تاليفه وصفاته الطبيعية (كمية المواد العضوية والمعدنية - اعتدال بين الحوامض والقواعد فيه - درجة حرارته الخ).

على اننا نلاحظ ازديادا فى مقدار المواد الغذائية فى الدم وذلك بعد الهضم فيحمل الدم من المعي الدقيق كمية اوفر من المواد السكرية والاحية والاملاح المعدنية . . ونلاحظ ايضا ان بعض الغدد شديدة التاثر بهذا التغيير فتفرز سوائل من شانها ان تمكن بعض الاعضاء من اختزان ما زاد على المقدار الكافى من المواد الغذائية او اعطاء الدم ما قد يعوزه منها عند الحاجة والمعلوم ان نشاط هذه الغدد منسق تنسيقا محكما بفضل الجهاز العصبى فكل غدة لا تعمل الا اذا نبهتها مراكز عصبية تستقر فى قاعدة المخ وتؤثر هذه التنبيهات بواسطة اعصاب تتاثر هى بدورها بتركيب الدم الكيميائى .

ولنضرب مثلا فى ذلك ، فالكبد وهو العضو الرئيسى للادخار يختزن سكر العنب Glueose يزداد مقداره فى الدم بعد الهضم فيستحيل هذا السكر الى مادة اخرى تعرف بمولد السكر Glyeogene ثم إذا افتقر الدم الى السكر الفه الكبد

من جديد من مولده وسلمه الى الدم حتى تكون كمية ثابتة قارة لا تتبدل وهى قرام واحد في الالف ويتاثر الجهاز العصبى بالحرمان فيسبب الجوع مثلا انحطاطا فى النشاط المخى وتتنبه بعض الاعصاب فتدعو المعدة الى التقلص الشديد وهذا ما نشعر به عند الجوع والحاجة الى التغذية ويؤلف ايضا كل ازدياد فى خثارة الدم الشعور بالعطش فتقل اذاك كمية الماء فى البول وذلك تحت تاثير افراز الغدة النخامية Hypophyse وفى بعض الامراض تتكاسل هذه الغدة عن وظيفتها فيكثر البول ويشتد العطش

واذا تراكمت البولة Uree في الجسد لخلل بالكليتين او لعلة بالكبد تاثرت المراكز العصبية بذلك وخصوصا المخ فيعترى المصاب سبات عميق وذهول يعرف بالغشيان البولي واذا تزايدت نسبة الحامض اللبنى فى الدم بعد عمل عضلى شاق مرهق قل تفكير الشخص وبالخصوص اذا كان ناقص التمرين وضؤل نشاطه المخي ولا يلبث حتى يغشي النوم .

ويجب ان تتزود الاعصاب بمقدار ثابت من الكلسيوم واذا انحطت نسبته فى البدن حدث ما يسمى حالة فوق التنبه " نلاحظ فيها كزازا عضليا وارتجاجا عصبيا وبالعكس ينتج عن زيادة هذه المادة فى الدم خمود وسكون بالجهاز العصبى.

وتنظم الكلسيوم فى الجسد غدتان تستقران فى الرقبة وتدعيان شبيهنا الدرقية وهما غدتان تفرزان سائلا ترتفع بفضله نسبة الكلسيوم بعد ان ينزع شئ منه من العظام

فللجهاز العصبى اذن حاجة الى هذه المادة التى تنظمها الغدتان المذكورتان والتي نجدها في بعض الادوية

ويجب فى "سكر العنب" ان تكون كميته قارة فى الدم كما راينا واذا قل تعطل المخ وحدث غشيان يسمى " ما دون السكرى " وتزداد فى آن واحد بالعكس عند النخاع الشوكى القابلية للتنبه وينتج تشنج وارتجاج ، ويضر بالجسد كذلك تكاثر هذا السكر فنلاحظ عند المقنود Diabete قلة الانتباه والنشاط الفكرى وضعف الحافظة فيكون مخه اقرب الى الكلل من مخ العاديين من الناس . وزيادة عن التسمم الذى يحدث فى البدن نلاحظ عند المصابين ان خلاياهم لم تعد قادرة على استعمال السكر وتستهلك عوضا عنه مواد دسمة ينجر عنها صيتونات Cetones سامة ترتفع من

جرائها حموضة الدم وذلك بالرغم من مكافحة البدن ضد هذه الحموضة المتزايدة وتسبب هذه الحموضة حالة ذهول وغشيان عند المرضى وخصوصا بعد عمل عضلى متواصل .

ولا يخفي على القارىء ان مرض السكر ناتج عن تكاسل الكبد في اختزانه وذلك لانعدام الانسولين Lnsuline وهى مادة تفرزها المعثكلة panereas وتخفض كمية السكر فى الدم فنلاحظ مثلا ان استئصال المعثكلة عند الكلب يؤدى الى تزايد هذه المادة فى الدم وترافق هذا الداء اضطرابات منها النحول الشديد وتصلح هذه الاعراض بحقن الانسولين يوميا كما يفعله المقنودون . وتتمادى المعثكلة فى نشاطها ولو بعد ازاحتها عن الحيوان إذا وضعت فى دورة دموية صناعية مع الاوعية الدموية الرقبية لحيوان آخر من نفس النوع هما شاهده (قابى وقيومي)

وهناك اعضاء اخرى تدخل مباشرة فى تنظيم السكر فى الدم فالكضران وهما غدتان تركبان القطب العلوى للكليتين وتفرزان الادرينالين Adrenaline وهي مادة تمكن من تاليف السكر من مولده وكذلك النخامة تقوم بنفس الوظيفة اذ تصب سوائل ترتفع بها كمية السكر Housay وتتاثر الاعصاب بالفقر السكري فتعطل تاليف الانسولين وتساعد على اخراج الادرينالين كما تتأثر بتكاثر هذا العنصر الغذائى فتقوم بعكس ما ذكرنا

وتزداد كمية السكر فى البول بعد وخزة مركز الافراز فى البصلة السيسائية Buibe Rachidien ويرتفع كذلك وهذا ما جربه كلود برنار Claude Bernard ويرتفع مقداره عند الرجة النفسانية العميقة كالفزع والفرح والغضب الشديد . ونستخلص  مما ذكرنا ان كل اضطراب فى التغذية او فى تنظيم المواد الحيوية يؤول الى اختلال فى الجهاز العصبى وهذا يذكرنا المثل : لا يكون العقل سليما الا في الجسم السليم

ولكن بقى علينا ان نذكر عناصر ذات اهمية حيوية فى وظائف الاعضاء وخصوصا بالنسبة الى الجهاز العصبى وهى الحيوينات (Vitamines)

الحيوينات :

تحتاج الخلية العصبية كما يحتاج غيرها من الخلايا إلى مواد ضرورية وهى الحيوينات وتوجد هذه المواد فى الاغذية وهى بالرغم من قلة وزنها ذات مفعول

عظيم لا يمكن للجسد ان يستغنى عنه مع ان هذه العناصر لا يستطيع جسم الانسان تاليفها ويفضل نقصها الى اضطرابات اغتذائية عميقة الاثر قد تنتهى الى الموت .

ونتبين من الحيوينات انواعا عديدة منها ما ينحل فى الماء ومنها ما ينحل فى المواد الدسمة

١) الحيوين ب (1) وهو اهم الحيوينات العصبية وهو ينحل فى الماء ويصادف على غلاف البذور وفي رشيمها وفى نخالة الدقيق وفى الجوز والبطاطا والموز وخميرة الجعة Levure de Biere واللحم...

وهو ضرورى اذ يحدث عن فقدانه الهزال الرزي Beri- Beri نجده متفشيا فى الشرق الاقصى عند السكان الذين يستهلكون الارز .

ولهذا المرض نوعان نوع يقال له " الجاف يفضى الى تحول القائمتين السفليين فيصبح المصاب غير قادر على الوقوف والمشى ، ونوع يقال له " رطب " يؤدى الى انتفاخ الانسجة تحت الجلد والفدة والالم المعوية الشديدة وقد اكتشف العالم Eijkmann سنة ١٨٩٧ السبب الاصلى لهذا الداء فلاحظ انه لا يعترى الا من اكل الارز المقشر والمنزوعة عنه نخالته تماما .

ويحدث عن الهزال الرزى كلم بالاعصاب يؤدى الى شلل بالاطراف ونشاهد عند الحيوانات كالطيور والجرذان بعد فترة سبات وخمود يدومان بضعة ايام علامات الاضطراب يبدو فيها نوبات عصبية وكراز عضلى شديد ويعود هذا الاختلال بصورة خاصة على المراكز العصبية (الدماغ والنخاع الشوكى)

ونلاحظ عند الجردان والطيور النبى أجريت عليها تجارب فسادا فى الياقها العصبية وفي خلايا بركنج Purkinje وهى الخلايا ذات شكل الاجاصة التى تستقر فى المادة الرمادية للمخيخ وتنقص حدة هذه الاضطرابات اذا اعطى الحيوان كمية من الحيوين ب ( ١ ) يساوي مقدارها بعض الاجزاء من الالف من الملقرام .

ولا تتعلق خطورة هذا العنصر الحيوى بالجهاز العصبى فقط بل بجميع الانسجة لان الحيوين ب (1) ينظم "الاحتراقات التنفسية " ولا يخفى على القارىء ان التنفس وظيفة تتعلق بجميع اجزاء الجسد ومنها خاصة النسيج العصبى الذى

يستهلك قسطا وافرا من الاكسجين فنرى فى هذا الصدد ان مخ المصابين بداء الهزال الرزى لا يتناول الا كمية ضئيلة من الغاز المذكور ويقل تنفسه بالطبع

٢ ) الاميد النيكوتينى Amide nieotinique ou vitamine pp  ويظهر نقصه عند الفقراء من الناس الذين لا يستهلكون مقدارا كافيا من اللحم ويظهر نفعه فى داء البلاغرة pellagre معروف منذ امد بعيد ولكنه بقى غامض الاسباب حتى سنة ١٩٢٤

وتتلخص اعراض هذا الداء فى حمرة بالجلد وفى جنون يتخلله ذهول واختلال فكرى وتعطي فى بعض الاحيان كمية من الحيوين ب ب الى المجانين بالملاجى فتتحسن حالهم قليلا اذا كان السبب في اضطرابهم بدون شك حرمانا واضحا من هذه المادة .

٣ ) الحيوين ب ( ٢ ) يؤول نقصه عند الجرذان الى تعطل النمو وسقوط الاوبار كما يؤدى عند القردة الى تعطل النمو ايضا مع ضعف فى الدم واصابة بالجلد وتزداد بنقصانه كذلك اعراض الهزال الرزي والبلاغرة كما تظهر بعض الاصابات في العينين والفم والجلد لا نذكرها بالتفصيل فى هذا الباب

٤ ) الحيوين ج vitamine c نجد هذا العنصر فى الغلال الحامضة كالقوارص (القارص والبرتقال والمندرينة) وفى الخضر كالكرنب والطماطم وفي حليب النسوة ولا نجده فى الحليب المصبر وينتج عن نقصه فى التغذية داء الحفر seobut وهو مرض تتمثل اعراضه في النزوف الدموية وفى سقوط الاسنان ويؤدى الى الموت بعد شهرين او ثلاثة . ومن هنا يظهر الخطر فى تغذية الطفل الرضيع بالحليب المطهر المصر وبه فقط .

ونجد هذا الحيوين بالنسبة الى الجهاز العصبى فى قشرة المخ والمخيخ وتقل كميته فى هذين المركزين عند متعاطى الخمر والكحول وقد استخرجت هذه المادة لاول مرة من الكضرين سنة ١٩٢١ (Szent gorgyi)

الحيوين أ Vitamine A وهو ينحل فى الدسم ولا ينحل فى الماء ويوجد فى الكبد وزيت السمك وينجر عن فقدانه نوبات عصبية ونوع من الجنون ناتج عن التهاب فى الاعصاب وفى المراكز العصبية ، هذا بقطع النظر عن الاختلال الذي يقع فى البصر لتجفف

الفرنية ، كما يؤول نقصه النسبى الى العمى الجزئى اى ان المريض يصبح غير قادر على الرؤية فى وقت الشفق عند غروب الشمس

واذا كانت الحيوينات المختلفة ضرورية للبدن حتى يستقيم وحتى تتم وظائفه على احسن وجه فالواجب اقتناؤها بمقدار وكل مبالغة تسبب افساد التوازن الاغتذائى ويتحتم كذلك التحصيل عليها بواسطة الاغذية الطبيعية لا من المنتجات الصناعية كالادوية مثلا ونقول هذا لان بعض الناس يعتقدون ان الاكثار من الحيوينات يعود عليهم بالنفع فيتجهون الى الادوية التى تحتويها والحال ان هذه المبالغة هى عين الخطر

الصدأن Loxygene

ينبغي اعتبار هذا الغاز غذاءا حيويا للجهاز العصبى وقد قلنا ان المخ يتناول قسطا وافرا من الصدان عند نشاطه ويطرح كذلك كمية كبيرة من الغاز الفحمني ونلاحظ فى هذا الشان ان ازدياد الغاز الفحمني في الدم ينبه المركز التنفسى فى البصلة السيسانية فتنه هى بدورها العضلات التنفسية المختلفة فتتقلص وتقع عملية الشهيق ويدخل الهواء الى الرئتين اما إذا قل الصدأن فى الجو (غرفة مغلقة مثلا ) فتتعطل وظائف المخ وينقطع الشعور والارادة

ونلاحظ بالعكس فى بادىء الامر تنبها غير عادي للنخاع الشوكى فيظهر كزاز عضلى شديد ثم لا يلبث ان يخمد هذا المركز الاخير ويسكر ويكف عن كل عمل غريزى .

وتظهر علامات الاضطراب هذه عند الصعود الى الجبال الشاهقة وفي الطائرات لان ضغط الصدأن يقل فى الاجواء العالية ويضؤل التنفس ولذلك يحمل الطيارون معهم قوارير من هذا الغاز الحيوي

وفى الخلاصة يحتاج الجهاز العصبى الى العناصر التى تؤلف تركيبه الكيماوي والتي تمكنه من القيام بوظيفته على احسن وجه ويضطرب لتراكم الفضلات التي يجب ان تقذف الى خارج البدن . والمتحتم ان يكون تركيب الدم الكيميائى قارا لا يتغير وان تكون صفاته الطبيعية ثابتة لا تتبدل حتى يستمد الجهاز العصبى منه ما يحتاجه من المواد الغذائية

اشترك في نشرتنا البريدية