الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 339الرجوع إلى "الثقافة"

حاربت عن مراكش، الجيل الجديد

Share

كان الماراشال ليوطى - عميد الحماية الفرنسية فى مراكش - يدرك تمام الإدراك الصعوبات التى تكتنف هذه الحماية بين قوم ألفوا الاستقلال ، فكان يوصى بالتؤدة فى السير ريثما ينشأ جيل جديد لا صلة له بالماضى ، ترضعه فرنسا من لبانها وتستدرجه باللين ، فيكون فى استطاعته أن يفهمها ويقدرها ويخنع لها فى نفس الوقت ، وعندئذ يتحرر الشعب المراكشى على يد حماته . من النزوع إلى الحرية والاستقلال . .

هذا هو المبدأ الذى وضعه دكتاتور مراكش وطاغيتها ، وقد سهر على تنفيذه هو وخلفاؤه من بعده بكل دقة وبذلوا كل مجهود ليستخلصوا عقلية النشء الجديد لفرنسا وحدها . وقد مر الآن على هذا ثلث قرن ، ونشأ الجيل الجديد الذى بشر به المارشال ، فهل حقق ما كان يرمى إليه ؟

إن كل من يزور مراكش اليوم من الأوربيين يدهش لهذا الانقلاب الرائع الذى شمل أوضاع الحياة كلها ، ذلك أن الناس فى الخارج يعتقدون - نظرا إلى أن مراكش دولة مقفلة لا تتسرب منها الأخبار - أنها ما تزال كما كانت فى الجيل الماضى حينها سقطت ، وأنه سوف يمر عليها زمن طويل قبل أن تستطيع الاستيقاظ من جديد .

ولقد بذل الفرنسيون كل ما يملكون من قوة لأجل أن يبقى هذا الشعب كما كان ، فأشرفوا على كل مقاديره ووضعوا العراقيل أمامه لكى لا يهتدى إلى طريق النور ، وكانت المجهودات التى بذلوها فى هذا السبيل جبارة حقا ، ولكن مع ذلك استطاعت مراكش أن تنجب جيلا جديدا انبعث من بين أطلال الماضى القريب .

وعناصر القوة فى هذا الجيل الجديد مستمدة من روح مراكش القومية ، وهى روح الاعتراز بالنفس ، والتوثب للعمل ، والنزوع إلى التطور ، وهى أوصاف حادة سببت للدولة اتعابا فى عهد الاستقلال ، غير أنها اليوم أصبحت تعمل لصالحها بعد أن صار للشعب هدف مشترك يرمى اليه .

فتح الجيل الجديد عينيه فى أمة يسودها الحزن والحسرة وخيبة الأمل ، وما يزال الأفق يردد بقية من أصداء الانهيار وفى عروقه دماء المرابطين والموحدين والمرينيين والسعديين؛ ونظر يمينا ويسارا فإذا بالوجود مصوبة إليه وقد علاها مزيج من الخوف والتوسل والأمل ؛ وتسمع حوله فلم يسمع غير أقاصيص المجد الذاهب تتخللها الزفرات والحسرات .

وفى نفس الوقت كان الجيل فى صباه يسمع أخبار الحروب التى اندلعت فى الشمال والتى خاضها الأمير عبد الكريم ما يزيد على خمس سنوات ، وأخبار الحروب التى شبت فى الجنوب ما يزيد على عشرين سنة . وبذلك استطاع أن يفهم منذ عصر مبكر أن هناك قاهرا ومقهورا ، وبذلك أيضا لم تضع هدرا تلك الدماء الزكية التى سفكت ، لأنها بذرت فى أقاليم مراكش بذور الحرية والاستقلال .

ولقد كان الفرنسيون بالرغم من ذلك ينتظرون أن يألفهم الجيل الجديد ، ولكن شيئا من ذلك لم يحدث ، فإن الأمم خالدة على مر العصور ، وتاريخ الشعوب يتصل فى حلقات لا انقسام لها ، وما الحاضر إلا خلاصة الماضى الذى لا يمكن أن يزول أثره فى شعب من الشعوب . ومن هنا جهالة الذين وضعوا نظرية فصل الجيل الجديد وبتره من ماضيه ، ومن هنا ضاعت تلك الجهود التى بذلها الفرنسيون هباء .

شب الجبل الجديد سليم النية ، يؤمن بالحرية دون أن يفكر فيها كما يستنشق الهواء دون أن يفكر فيه . كان على استعداد لعمل الخير والمشاركة في كل عمل يمكن أن يؤدى

إلى الخير ، ولكن كثرة اصطدامه بالفرنسيين جعلته يتساءل: (( ومن هؤلاء ؟ )) ولم يكد يتم سؤاله حتى تلقى على خده صفعة قوية أيقظته من أحلامه البريئة . لقد سأل السؤال الذى بذل الفرنسيون كل ما يستطيعون لكى لا يسأله ، فلما نطق به كان ذلك بمثابة إنذار لهم . ولذلك صفعوه ، وقد آثروا أن ينالوا بالقوة ما لم ينالوه بالمراوغة ، فكان جوابهم : (( نحن سادتك )) .

فى تلك اللحظة بالذات ولد الجيل الجديد ، ولد على أثر صفعة . ولقد ظلت هذه الحقيقة ماثلة دائما أمامه ، وبها يتكيف تاريخ مراكش الحديث . تغير رأى الجيل فى وضعية بلاده تغيرا تاما ، فليست هذه الحماية الحريرية المظهر إلا كبلا رهيبا صفدت به الأمبراطورية التى أنشأها المرابطون ؛ أما العصر الجديد الذى بشرت به الحماية فقد انهار ، كما تنهار خرافات المشعوذين .

وفى الوقت نفسه كان سيل من الأفكار الجديدة قد بدأ يغمر المدن ، وهو يتدفق من مصر وأوربا ، فأخذت النهضة شكلا عاطفيا وفكريا فى آن واحد ، وكان الجيل الجديد هو عمدة هذه النهضة . أما الأفكار الجديد التى لم تعرفها مراكش من قبل فيسميها الفرنسيون كفرا وتنكرا وصلفا ، ويسميها المراكشيون إيمانا ووفاء واعتزازا .

وهو جيل قد ربى نفسه بنفسه ، أى أن النهضة فى جوهرها انبعثت من قلب مراكش كنت النابض ، فالحكومة تنشئ له إلا مدارس تافهة لا يمكن أن تنتج نهضة ، ولم تكن هناك صحف ولا كتب تستطيع أن توقظه ، الأمر الذى جعله يتعثر فى أيامه الأولى ، ولكنه مع ذلك اهتدى بفطرته إلى الطريق التى حجبت عنه ، فأصبحت الهضة اليوم راشدة تعتمد على الأفكار النيرة والمبادئ الناضجة ؛ وقد مكنها ذلك من أن تعرف وضعيتها ومن أن تعرف ما يضرها وما ينفعها ، وبذلك انعكست الآية وأصبحت النهضة واقفة فى طريق الحماية بعد أن كانت الحماية واقفة

فى طريق النهضة ، وبذلك أيضا يمكن أن نقول إن النفوذ الفرنسى المتوغل قد توقف فى زحفه وإن النهضة الغامرة قد أوشكت أن تستغرفه .

وتمثل تخدمات التى يقدمها الشباب إلى البلاد أزكى حركة فيها ، سواء من الناحية السياسية أو الثقافية أو الاجتماعية ، فقد أدخل النظام الحزبى إلى مراكش منظما على أحدث طراز وأنشأ هيئات دفاعية فى الخارج كما أنشأ الصحف المعارضة القوية وكذلك المجلات وأصدر الكتب العلمية والأدبية . وأنشأ العشرات من المدارس فى المدن والقرى ، وأوفد البعثات إلى مصر وإلى أوربا وأنشأ الجمعيات الخيرية وبعض المنشآت العامة ، وهو لا يعتمد في هذه الأعمال إلا على نفسه ، ويتغلب على كل العراقيل التي تضعها سلطة الحماية فى طريقه ، ولقد امتازت هذه المشروعات كلها بالدقة والمثابرة والتنظيم . ونستطيع أن نقول إن كل تقدم فى البلاد يرجع الفضل فيه إليها .

على أنه يجب أن نلفت النظر إلى فداحة الضريبة التى يدفعها الجيل إلى سلطة الحماية فى هذه الأعمال . ولست أعنى الضريبة التى يدفعها من ماله ، ولكن التى يدفعها من دمه ومستقبله وحياته ؛ وهو يتحمل كل هذا راضيا ما دامت الضريبة الفادحة التى يدفعها عن أعمال مثمرة .

ولو أن أجنبيا درس وضعية البلاد الحاضرة ومبلغ الخطر الذى يتهددها فى صحيحها لما كان من المستغرب أن يفضى به هذا الدرس إلى اليأس ، ولكن الجيل الجديد عاجز حتى عن تصور هذا اليأس ، لأن النهضة اليوم يدعمها الإيمان أولا والتفكير ثانيا ، ولا يكاد يوجد شاب فى مراكش لا يعمل على تحقيق آمال بلاده فى هذه السنة أو تلك ؛ ومن هنا مرارة الصراع بين الفريقين ، فإن مطالب كل واحد منهما بالنسبة للآخر بلغت غاية من الفداحة لا تطاق .

ومما يزيد هذه النهضة قوة أن هدفها لا يتجزأ ، فهى

تؤثر أن تشق طريقها إلى العصر الجديد قدما ، دون أن تتوسل إلى ذلك بالمسالك الملتوية التى قد تفضى وقد لا تفضى ، ولذلك فإن المراكشيين يسيرون من كل حدب وصوب نحو المحجة الرئيسية الواضحة وعيونهم مثبتة فيها ، غير عابئين بالفخاخ التى تنصب لهم ، وهم لا يعترفون بالقوة المادية مهما كان فتكها بهم شديدا .

هكذا يكافح الفجر الجديد عناصر الظلام لكي ينبثق في البلاد . وهكذا يكفر الأبناء عن خطايا الآباء وهم

مغتبطون ، لأنهم بذلك يزيلون عن أمهم مراكش العار الذى لحق بها . على أن هذا المستقبل الوعود قد بدأت تظهر تباشيره فعلا ؛ فالمراكشيون اليوم يتطلعون بقلوب راجفة وأنفاس محبوسة ووجوه مكدودة نحو الأفق يستقبلون فخر العصر الجديد ، ولكن بريق الإيمان والأمل في عيونهم يطغى علي تقاطيع وجوههم الكالحة . أجل ، إنه الفجر ! لقد انبثق الفجر فى أرض الغروب كما قال أحد الانكليز..

اشترك في نشرتنا البريدية