الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 303الرجوع إلى "الثقافة"

حافظة إمام

Share

في هذه الآيام التي يجتمع فيها العالم العربي لإحياء ذكري إبى العلاء ، فيتباري ائمة الأدب في الكشف عن حقيقة فلسفته ومذاهبه ، ويشيدون بمواهبه ومناقبه ، ويضربون الأمثال على ألمعية ذهنه وحدة ذاكرته ويقصون القصص عن تقشفه وزهده - ارى ذهني يحتشد بذكريات قوية عن امام آخر من ائمة العصور الأولى ، كانت له ايضا فلسفة ومذاهب ، وكانت له مواهب ومناقب ، وكانت له ذاكرة حادة وذهن جبار ، وكان في تقشفه وزهده لا يشق له غبار .

يروي الرواة عنه أنه حفظ القرآن وهو ابن سبع سنين ، وتفقه في الدين وهو ابن عشر ، وأذن له في الإفتاء وهو ابن أربع عشرة سنة نشأ يتيما في حجر أمه في قلة عيش وضيق حال . فلما لمع نجمه وطوف في الاقطار اقبلت عليه الدنيا ، وكان المال يتدفق على راحتيه تدفقا ؛ فلم يكن يحبسه فيهما إلا ريثما يجد من يأخذه منه . قيل إنه قدم مرة من صنعاء إلى مكة ومعه عشرة آلاف دينار ، فأشار عليه اصحابه ان يشتري بها ضيعة لنفسه حتى يكون له منها دخل ثابت يواجه به صروف الأيام ؛ فكان جوابه ان ضرب خيمة خارج مكة وصب الدنانير ، فكل من دخل عليه قبض له قبضة واعطاه . فلما جاء وقت الظهر قام من مجلسه ونفض الثوب ، ولم يبق له من هذا المال شئ . ومن اقواله المأثورة في هذا المعنى :

يالهف نفسي علي مال أفرقه    على المقلين من أهل المروءات

إن اعتذاري إلي من جاء يسألني     ما ليس عندي لمن إحدي المصيبات

وعنه يروى ايضا هذان البيتان ، وهما عندي من اقوى ما قيل في الزهد في الشعر العربي كله :

أمطري لؤلؤا جبال سرنديب     وفيضي آبار تكرور تبرا

أنا إن عشت لست أعدم قوتا           وإذا مت لست أعدم قبرا

ذلك هو الإمام أبو عبد الله محمد بن إدريس - الشافعي - الذي ولد في غزة بأرض فلسطين سنة ١٥٠ ه ، في نفس اليوم الذي دفن فيه الإمام ابوحنيفة النعمان بالرصافة . وكان يعاصره ، الإمام مالك الذي كان يقيم في المدينة المنورة ؛ والإمام أحمد بن حنبل الذي كان يقيم في ذلك الوقت ببغداد .

وقد اشتهر الشافعي بقوة حافظته مذ كان يحفظ القرآن في " الكتاب " فإن امه لفقرها لم تكن لها طاقة لدفع تفقات تعليمة ، فاهمله معلمه وانصرف عنه ، وكان هذا سببا في أن يعتمد الصبي على نفسه في التحصيل ؛ فكان يقترب من مجلس العلم ويلتقط منه كل ما يقول ، ويحفظ عنه كل ما كان يعمل على تحفيظه لباقي الصبية ؛ فشحذ هذا من قوة ذاكرته ، حتى لقد كان يعي في صدره من مرة واحدة مالا يستطيع أن يعيه غيره بعد عشر مرات . وكان يجلس إلي التلاميذ في غياب معلمه فيلقي عليهم ما وعاه عنه ، ويساعدهم على حفظه ، فأحبوه ، والتفوا حوله ، ورفعوه فوقهم ، وانصاعوا لآمره . وعرف المعلم ذلك فالتفت إليه بعد انصراف ، وعطف عليه بعد صد ، وأعفاه من طلب الأجر إعفاء " ) ١ (

ولكن الشافعي لم يلبث بعد أن أتم حفظ القرآن حتى انسلخ من هذا الكتاب . ودخل المجلس الحرام يجالس العلماء ، ويحفظ الحديث ، وعلوم القرآن . وكان لشدة فقره يجمع العظام البالية من الطرقات فيكتب عليها مذكراته عن العلوم التي يسمعها ، ويلتقط القصاصات من تحت اقدام الكتاب ليدون عليها دروسه . فكثرت عنده هذه

الرقاع ، وضاق بها صندوقه ، واكتظت حجرته . فجلس إليها ذات يوم يحفظ كل ما فيها عن ظهر قلب ثم يلقي به خارج الغرفة . وحبس نفسه على هذه الحال أياما حتى تم له ما أراد ، وخرج من الحجرة وهو يقول :

علمي معي حيثما يممت ينفعني     صدري وعاء له لا بطن صندوق

إن كنت في البيت كان العلم فيه معي    أو كنت في السوق كان العلم في السوق

ولما بلغ من العمر الخامسة عشرة كان قد أتم علوم القرآن الحديث والفقة واللغة والأدب والشعر ، ولما رأي استاذه الإمام مسلم بن خالد انه وصل إلي هذا الحد في العلوم اجازه في أن يتولي إفتاء الناس . فكان إذا دخل الإنسان إلي المسجد الحرام في ذلك العهد رأي الشافعي ، وهو في هذه السن المبكرة ، فوق كرسيه يلقي دروسه على الناس ، ويفتهم في أمور دينهم .

وتصادف أن جاء من بغداد إلي مكة لأداء الحج الإمام أحمد بن حنبل وصاحباه إسحاق ويحيي ودخلوا السجد الحرام فوجدوا الشافعي وهو في الخامسة عشرة جالسا على كرسيه يقرأ للناس حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ورأوا حلقته أكبر الحلقات . فقال إسحاق لابن حنبل : بالله سله يا أحمد عن معنى قول النبي صلى الله عليه وسلم : " أسكنوا الطيور في أوكارها " . فقال أحمد : هذا معلوم ؛ أعني دعوا الطيور في ظلمة الليل في أوكارها . فلم يقتنع إسحاق بهذا التفسير وقال : والله لاسألنه ثم التفت إلي الشافعي وقال له : يا مطلبى ) وهي نسبته التى كان ينادي بها لأنه من أولاد عبد المطلب ( : ما تفسير هذا الحديث ؟

فقال الشافعي : كان أهل الجاهلية إذا ارادوا السفر أخرجوا الطيور من أوكارها ، فإن أخذت يمينا أو إلي الإمام استحسنوا ذلك الفأل وسافروا ؛ وإن أخذت شمالا أو رجعت إلي الخلف تطيروا ورجعوا عن السفر ؛ فلما جاء النبي

عليه السلام نهي عن ذلك وقال : " أسكنوا  الطيور في أوكارها ، وبكروا على اسم الله تعالى " .

فقال إسحاق لابن حنيل : والله لو لم نأت من العراق إلي الحجاز إلا لطلب تفسير هذا الحديث لكفي .

فقال أحمد : وفوق كل ذي علم عليم

ولما بلغ العشرين من عمره ظهر في الناس كتاب " الموطأ " للإمام مالك ؛ فكان كتاب الجيل ، واشتهر بين الناس ، فاشتاقت نفس الشافعي إلي رؤية مؤلفه العظيم والاتصال به والإفادة من علمه . فاستعار كتاب الموطأ من رجل من أهل مكة وجلس إليه حتى حفظه في زمن يسير كعادته ، ثم تزود بكتاب من والي مكة إلى والي المدينة ليقدمه به إلي الإمام مالك . . فلما كان بين يدي الإمام دفع والى المدينة إليه بكتاب التوصية . فما كاد الإمام يلمح ما فيه حتى ألقاء من يده وقال :

- يا سبحان الله ! صار علم رسول الله بحيث يطلب بالوسائل والشفاعات ؟ ! وهم بالانصراف غاضبا . فتقدم له الشافعي ، وعرفه بنفسه وبنسبه ، وشرح له جملة حاله ، واستعطفه ؛ فعطف عليه وطلب إليه ان يجيئه في الغد  ليقرا عليه الموطأ . فقال الشافعي :

إني أقرؤه يا مولاي حفظا !

قال مالك : - اقرا ؟

فأخذ الشافعي يقرأ ومالك يسمع له . وكلما خشي الشافعي على مالك ان يمل سكت ، فيقول له : زد يافتي فإني استحسن قراءتك . وظل الشافعي يتردد على بيت مالك في كل يوم يقرا عليه الموطأ حتى اتمه في ايام قليلة . وبعد ذلك اذنه مالك في حضوره دروسه التي كان يلقيها في مسجد النبي صلى الله عليه وسلم .

وجلس الإمام مالك على عادته في قراءة الحديث فقال :

حدثنا نافع عن ابن عمر عن صاحب هذا القبر وضرب بيده إلى قبر الرسول عليه الصلاة والسلام

وقرأ يومها خمسة وعشرين حديثا ؛ وكان كلما قرأ حديثا كتبه الشافعي علي ذراعه بريقه بواسطة عود اخذه من الأرض والإمام ينظر إليه خلسة . حتي إذا ما انقضي المجلس أشار إليه مالك ، فدنا الشافعي منه ، فقال له : ياغلام اري فيك  إساءة تأدب ، حيث رأيتك وانما املى حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم تلعب بريقك علي يدك ، فقال الشافعي :

- لم أكن لآلعب بريقي يامولاي ، وإنما كنت أكتب ما تملى ، وذلك لعدم وجود قراطيس عندي . فأخذ مالك يده فلم ير عليها شيئا . فسأله فقال الشافعي : إن الريق لا يثبت ، ولكني استعين به على تثبيت ما اسمع ، وقد فهمت وحفظت كل ما حدثت به فتعجب الإمام مالك من ذلك وقال له :

- أعد علي ولو حديثا واحدا مما قلت .

فقال الشافعي :

حدثنا استاذنا الجليل مالك عن نافع عن ابن عمر عن صاحب هذا القبر - وأشار إلي قبر النبي عليه الصلاة والسلام كلإشارة الإمام مالك تماما - وصار يعيد من الاحاديث التى سمعها حتى اعاد عليه الخمسة والعشرين حديثا كلها . وكانت الشمس قد غربت ، وحانت صلاة المغرب ، فصلي مالك المغرب ؛ وأمر عبده ان يأخذ بيد الشافعي إلي منزله ، وسأله النهوض  معه فامتثل . وأقام الشافعي ضيفا عند الإمام مالك ثمانية أشهر يلازمه في البيت وفي المسجد . ويقدم له مالك الطعام والماء بيده ، ويأخذه في صحبته الى المسجد . وبعد ما يقرأ مالك على الناس الموطأ يعطيه للشافعي ليمليه عليهم ، وهم يكتبونه . فأزداد الشافعي بذلك حفظا للموطأ وفهما له ، وعرفه الناس .

وبدا للشافعي بعد ذلك ان يسافر إلى العراق شوقا منه إلي لقاء الصاحبين ) ابي يوسف ومحمد بن الحسن صاحبي الإمام الأعظم أبي حنيفة النعمان ( . وفي مدينة الكوفه

التقي بالإمام محمد بن الحسن ، فوقع في نفسه أجل موقع منذ المقابلة الأولى . وأخذه الإمام معه من المسجد إلى البيت . وهناك دخل به مكتبته وأخرج له منها الكتاب " الأوسط " لأبي حنيفة ، وناوله له ليطالع فيه ؛ فأخذه الشافعي وسهر عليه طول ليلته حتى حفظه . ولما أصبح الصباح حضر الشافعي مجلس محمد بن الحسن ، وقد رفعت إليه مسألة ؟ فقال محمد الجواب عليها كذا كما قال أبو حنيفة . فنظر الشافعي إليه وأشار إليه همسا بما يفيد أن الجواب ليس كذلك . فلما انفرد به ابن الحسن بعد ذلك سأله : من أين علمت هذا ؟ قال : من الكتاب الذي أعرتنيه امس ، وهذه المسألة مدونة في صحيفة كذا من جزء كذا ، وتسبقها المسألة الفلانية ، وتليها المسألة الفلانية . فأمر محمد بالكتاب فأحضر إليه ، فتصفحه فوجد القول كما قال الشافعي ؛ فزادت منزلته عنده ، واعجب بذكائه إعجابا شديدا ، وأباح له أن ينسخ لنفسه من مكتبته ما يشاء .

هذا طرف وجيز جدا من أخبار الشافعي نكتفي بذكره اليوم ، فإن الحديث يطول بنا إذا نحن تعقبنا اخباره في كل بلد نزل فيه . ولكن هناك حكاية مشهورة وقعت له وهو في العراق ، إذ بلغ من نباهة ذكره ، وعلو قدره فوق اقدار من كان فيها من العلماء ، ان امتلأت قلوب نظرائه حسدا عليه . فاتفق نفر منهم على تدبير ) مؤامرة علمية يهاجمونه بها في مجلس الرشيد ، فيوجهون إليه اسئلة معماة يدبرونها ويقدرونها ، على ان تكون في مرتبة الاحاجي والألغاز التي يستعصي علي الذهن إدراكها ، حتى إذا عجز عن حلها ، وقصر في فهمها ، سقط من أعين الناس ، وعادت لهم الأولوية عليه في نفوس الجماهير

ولهذا المجلس حديث شائق ومفيد ، قد نعود إليه في فرصة قريبة إن شاء الله

اشترك في نشرتنا البريدية