الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 193الرجوع إلى "الرسالة"

حافظ

Share

لعمرك ما في الدهر ظلم ولا غدر ... ولكن هي الدنيا مراحلها غمر

يرى المرء ما في يومه وهو لا يرى ... غدا، وغد سر سيتبعه سر

مسالكنا في الأرض خطت سطورها ... إذا ما تلونا السطر لاح لنا سطر

ومعنى الذي نتلو كمين بما تلا ... فما يدرك المعنى ولو ختم السفر

هنا كلمات إن نهجأ حروفها ... ففي العالم المستور آياتها الغر

وإن تهتك الغيب الضمائر ترتضي ... بواقعها فالحق يحجبه الستر

وكم نال منا الأمس حتى إذا انقضى ... تبين منه الخير وانقشع الشر

أحافظ، هل تشجيك في ذلك العلا ... هواتف آلام يرددها الذكر

أتشجيك حرب في الحياة بلوتها ... ويوجعك العزم المكابر والقهر

أتأسف للأيام عجلى ثقيلة ... ولليل عن صبح المكاره يفتر

وللأمل المغرور في مهيع الصبا ... وللحب لا جنى إذا انتثر الزهر

وللعلم مجهولا وللفضل مغفلا ... وللود والإخلاص سادهما الغدر

وللنار تبكي فيك قلبا مولها ... بمصر وقد ذلت بأغلالها مصر

أتبكيك هاتيك الدموع ذرفتها ... قصائد من سوادئها انفلق الفجر

أحافظ، قل، هل كان دهرك ظالما ... وفي ظلمه المكذوب قد كمن النصر

أما نفذت في الخلد روحك روحها ... فلاح بها مما ادَّخرت لها الذخر

وقد ظهرت منك السريرة درة ... على شاطئ الأزمان ألقى بها العمر

فحظك في دنياك أنت أردته ... ومن نفذ المقدور نفسك لا الدهر

بنو الشعر الرسل في الحياة سبيلهم ... إلى الله آلام يمهدها الصبر

فصحتهم سقم وراحتهم عنا ... وعزتهم وهم وإثراؤهم فقر

وسيان فيهم ذو يسار ومعسر ... فذا سجنه كوخ وذا سجنه قصر

مشيت وشوقي واحد صنو واحد

                              فخلناكما شفعا وروحكما وتر

وقد كان شوقي حافظا في شقائه ... وحافظ شوقي أمره للعلا أمر

فالمجد والعلياء ما قد نظمتما ... وللخلد في دنيا كما هذه الخمر

ترنح منها الثائرون كأنها ... ألم بهم من كأس شعركما السكر

أحافظ كم نادى بما قلت شاعر ... ولكن ما أطلقته الصرخة البكر

وما سمعت أقطار يعرب قبلها ... هتافا تنادي في مقاطعه القطر

قصائد من وحي الشعوب أنينها ... فناضمها فرد وملهمها كثر

أتيت بها والروع مرخ سدوله ... على كل فج ضاق في رحبه الصدر

تسير بها الأقوام حيرى وليس في ... مطالعها بدر ينير ولا زهر

فأوقدت للسارين قلبك مشعلا ... تفجر من أشعاعه المجد والكبر

رأى القوم أن النور في القلب فاهتدوا

                            إلى قلبهم يجري بأعشاره الفخر

وهل في قلوب العرب إلا مشاعل ... من القبس الهادي أضاء به الذكر

خبا نورها حينا فضلت عن الهدى

                                  ولولا انطفاء القلب ما اظلم الفكر

أحافظ، قد أديت فينا رسالة ... ختمنا بها عصرا فلاح لنا عصر

وحملك الماضي فجيع احتضاره ... فيالك حر نال من روحه الأسر

تحملت لا يرميك بالعجز فاضل ... وناضلت لا يرميك بالسفه الغر

وقد كنت مصريا صميما بلاده ... وأوطانه قلب العروبة والنحر

وما عاش قلب دون جسم يضمَّه ... وما عاش جسم قلبه عنه يزور

ألا رحم الله الذي مد كفه ... على صفحات البحر فانفلق البحر

وسارت على أمن تصافح يعربا ... فصافحها المعمور والمهمه القفر

أشاعرنا، هذي قوافيك ألهبت ... دم الأسد الباكي ففي دمه جمر

وكم من شهيد لو نثرت دماءه ... لفاح على الدنيا به ذلك الشعر

يقولون لو لم يحكم الصمت حافظاً   ويطوي على غل قوادمه الصقر

لحلَّق فوق النيرين جناحه

                   وفاض على الشرقيين من روحه السحر

أما والذي أخفى عن النفس كنهها

                              فأدرج في أسرارها الجهد والأجر

لكل من الأرواح قسط مقرر   لها وعليها لا كثير ولا نزر

إذا البلبل الصداح أكمل شدوه    وبلغ ما ألقى على روعه النشر

إذا الزهرة الملداء نَوَّر تاجها

                             وفاح على الأرجاء من نفحها العطر

فقد جاد كل منهما بحياته

                     فما تطلب الدنيا وقد نفذ العمر

أحافظ، أي الشعر أنشدت في العلا

                      لسعد فمال الحور وارتعش السدر

تردده السبع الطباق مذيعة ... لبشراك أن الشرق في حقه حر

وما كان قبل العهد في أرض يعرب

                              سوى صفحات كل عهد بها حبر

وهل يطلق النسر الأسير جناحه ... إذا لم يحرر رأسه ذلك النسر

تنبه هذا الشرق والأفق مظلم

                           وقد سادت الدنيا المطامع والكفر

فما يؤمن الإنسان إلا بنفسه ... وقد محيت من لوحه الكلم العشر

جهاداً بني قومي وسيراً على الهدى ... فما بسوى آفاقنا للسرى بدر

وهل للورى نور وسوى نور ربهم ... وفي آيه الأسعاد والمجد والبشر

أحافظ، هذا اليوم يومك إنما ... جدير بذكر الحر موطنه الحر

وفي الأمس كان المجد مجدك أن نرى ... وجوماً فلا إحياء ذكر ولا قبر

كتمنا القوافي ناحبات ذليلة ... إلى أن أطل الفجر وابتسم الثغر

فأطلقت الذكرى لروحك حرة ... وقد غادر في النسيان تذكارك المر

تحييك كف المصطفى في جهاده ... وقد أورقت في الأفق أعلامه الخضر

يحييك من عرش الكنانة عاهل ... تبسم للآفاق فانفلق الفجر

اشترك في نشرتنا البريدية