الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 308الرجوع إلى "الرسالة"

حبيبات المادة والكهرباء والضوء

Share

عندما نعمد في المساء إلى ترتيب ثيابنا، وفي الصباح إلى إخراج  كتاب يُلازمنا طيلة اليوم، فالثياب أو الكتب مكونة مما نسميه  مادة، كذلك الخزانة أو المكتبة اللذان يحتويانهما مكون كل منهما  من مادة هي الخشب أو الكروم الذي تعمل منه الحلية في وقتنا  الحاضر.

وتُزَّيَن حجرة استقبالنا بستائر مزدوجة من النسيج الشفاف  ونحلي حوائط الحجرة ببعض الصور الفنية، فهذه الستائر وهذه  الصور مظهر آخر من مظاهر المادة.

وتصلنا في الأعياد هدية من صديق حميم - تحفه جميلة  أو كتاب قيم - هذه آنية من صنع سيفر، وهذا سِفْرٌ هو آخر  نتاج   (دي بروي)  أو   (برجسون)  وموقع عليه بإمضائه.  فالآنية والكتاب والتوقيع مظاهر مختلفة من المادة لكل منها  وزنها الخاص وكتلتها المعينة، وهي بهذا مرتبطة بعلاقة معروفة  مع الأرض التي نعيش عليها، فهي تجذبها بدرجات مختلفة تتناسب  على قدر ما تحويه كل منها من مادة.

ونشعر في القيظ بمسيس الحاجة إلى كوب من الشراب البارد  لنطفئ ظمأنا، فإن ما نجرعه من مياه، وما يحويه الماء من عصير  الفاكهة، كله مظاهر للمادة، كانت لازمة لبقاء نشاطنا في هذه  الفترة من العمل.

ونسوق عربة من طراز جديد هي قطعة رائعة من بدائع  ما وصلت إليه مصانع أمريكا النائية، نقلتها إلى بلادنا بواخر ضخمة  حملتها أمواج متلاطمة، فالسيارة والباخرة والمياه مظاهر متباينة للمادة. وتجلس آنسة فتانة أمام المرآة تتزين   (ببدرة)  ناعمة، لعبيرها

على النفس أحلى الأثر، وتتحلى بخضاب أحمر وكحل أسود، لهما  على العين فتنة للنظر، هذه   (البدرة)  وهذه الألوان مظاهر  أخرى للمادة.

ونلج حديقة المنزل فنتجول بين الزهور في أصفى أيام الربيع  ونتنسم عبيرها المتطاير: هذه الزهور الساحرة، وهذا العبير  الشجي الذي يخف لحاسة الشم فينا متواصلاً، هما مظهران  من مظاهر المادة.

ونبتاع علبة لفائف الدخان   (السجاير)  ونشعل واحدة  منها، فيتصاعد الدخان على شكل كرات نرى بالعين مجموعاتها  متراصة ومتتابعة، ونرى بالميكروسكوب جزيئاتها أكثر تفصيلاً  ووضوحاً، فهذه العلبة وما فيها من لفائف، وهذه الملايين من  الكريات المتصاعدة مظهران من المظاهر المختلفة للمادة.

وترزق مولوداً سعيداً يحمل أسمك وتهبه مجهوداتك، وتوليه  محبتك، ويرث خصائصك وعلمك وتؤول إليه ثروتك: هذا  المولود أيضاً من أعجب مظاهر المادة.

هذه المظاهر المتفاوتة في المادة وغيرها نصادفها في كل لحظة  من لحظات حياتنا، وكذلك نصادف مظاهر الكهرباء أو الضوء  في حياتنا اليومية، بل إن أجسامنا هي مجموعة لهذه المظاهر مجتمعة. فهذه مركبة الترام تقلنا من المنزل إلى حيث العمل؛ فما يجري  في الأسلاك الممتدة على طول الطريق خلال انتقالنا هو مظهر  من مظاهر الكهرباء.

ونعود في المساء إلى المنزل فنستمع لبرنامج الإذاعة، ونتتبع  أخبار العالم، هذه محاضرة شائقة وهذا لحن جميل، ونحن في هذا  وذاك إزاء تَردِّدٍ كهربائي، تحول في داخل الجهاز، وفي اللحظة  الأخيرة إلى تردد صوتي؛ فهو قبل كل شيء ظاهرة من ظواهر

الكهرباء، وانتشار الأمواج الكهرومغناطيسية.

وتضغط زراً فتسطع الأنوار في الغرفة، هذه هي الظاهرة  الضوئية في المصابيح هي ظاهرة كهربائية في فتيلاتها، ويتطاير  في الثانية الواحدة من فتيلة المصباح من الإلكترونات ملايين  المرات عَدد ما في أرجاء المعمورة من بشر.

وترى وأنت تخترق بسيارتك الصحراء في طريق السويس  مثلاً السراب بوضوح تام فتظنه ماء وما هو بماء، هذه ظاهرة  ضوئية ناتجة من انكسار الضوء على طبقات الجو المختلفة، هذا  الانكسار الناشئ من اختلاف كثافة هذه الطبقات تبعاً لاختلاف  درجات الحرارة. فهذا السراب وهذا الماء المزعوم ظاهرة ضوئية  هذه   (فوتونات)  تصل إلى مقلة العين بسرعة الضوء.

وترى وأنت مطل من نافذتك تتأمل السماء في وقت منذر  بالمطر قوس قزح عريضاً في السماء يمثل نصف دائرة كاملة، هذا  القوس ظاهرة ضوئية ناتجة من انكسار الأشعة على قطرات الماء  الرفيعة المحمولة في الهواء التي تمثل في هذه الحالة دور المنشور  في عمليات الضوء المعروفة عندما يتحلل الضوء إلى ألوانه العديدة  المعروفة، هذه أيضاً   (فوتونات)  تصل إلى العين، لكل لون  من الألوان عدد من الذبذبات يؤثر في العين البشرية بتأثيرات  مختلفة تجعلنا نفرق ونميز بين كل لون وآخر، هذا القوس وهذا  التأثير على العين ظاهرة أخرى ضوئية.

هذه أمثلة مما نقابله كل يوم من مظاهر المادة والكهرباء  والضوء، ويتراءى لنا أن كل مكونات الكون والخليقة يمكن  إرجاعها إلى ظواهر مادية أو كهربائية   (كذلك مغناطيسية)   أو ضوئية، أو إلى ظواهر هي خليط من هذه الظواهر الثلاث. كل هذه الظواهر يمكن الحصول عليها بمقادير متناهية  في الصغر، هي التي نريد أن نتأملها ونستعرضها، وهي التي باتت  تلعب دوراً فيما نالته العلوم الحديثة من طفرة وتقدم.

على أن أبسط هذه الظواهر هي المتعلقة بالمادة وتقسيمها إلى  جزيئات وذرات صغيرة.

إن إرجاع جميع الأجسام مهما كانت صلدة ومهما كانت  سطوحها ناعمة، إلى جسيمات صغيرة جداً مركبة تركيباً حُبيبياً  فارغة من الداخل هي أول الأفكار التي تطرأ على الذهن. هذه  الفكرة ترجع فيما يخص المادة إلى أقدم العهود، وقد تقدمت  عن فلاسفة الإغريق، وعمرت على ممر العصور، وبقيت خلال كل  التطورات العلمية المختلفة حتى توطدت في أوائل القرن التاسع عشر  مستندة على براهين جديدة دعمتها وحققتها بطريقة لا تقبل الشك.

على أن الأفكار التي أدت إلى الفكرة الذرية للمادة مؤسسة  في الواقع على ظواهر أولية تفهم بالبداهة ومن دون عناء.

فثمَّ مجموعتان من الظواهر تؤديان إلى الفكرة الذرية للمادة: المجموعة الأولى تنحصر فيما يمكن أن يطرأ على المادة من  تعديل في شكلها الظاهري، وذلك بما لها من خواص المرونة  كضغطها وانحنائها والتوائها، هذا التعديل الذي يصل في السوائل  والغازات إلى أقصاه بما لها من سيولة كاملة تأخذ المادة في هذه  الحالة شكل الحيز الذي تحل فيه، هذا النوع من الظواهر هو  تعديل طبيعي في المادة أي أنه تعديل في مظهرها الخارجي.

أما المجموعة الثانية من الظواهر فتخص التغييرات الداخلية  وهذه من موضوعات الكيمياء مثل التغيير الحادث بين العناصر  لتكوين مركباتها؛ فالهيدروجين والأوكسجين يتحدان ليكونا الماء. وكلتا المجموعتين تثبت فكرة واحدة هي أن الأجسام مكونة  من جسيمات صغيرة صلبة، وقد أطلقوا على هذه الجسيمات الكلمة  الإغريقية القديمة   (أتوم) ، أي الذرة ومعناها ما لا يمكن تجزئته.  ومع ذلك فقد برهن التقدم العلمي الحديث على وجوب التفريق  بين التعديلات الطبيعية الظاهرة والتغييرات الكيميائية، ففي  الحالة الأولى لا دخل للذرات في هذه التعديلات الحادثة، وإنما  الجسيمات المركبة منها هي التي تدخل في هذه التعديلات، وتسمى  هذه الجسيمات بالجزيئات Molecules وبذلك احتفظ بكلمة  ذرة للجسيمات التي تتدخل في التغييرات الكيميائية.فالذرة Atome جزء صغير من الجزيئي.

على أن العلوم الحديثة أدت إلى أن الذرة قابلة للتجزئة فأصبحت  كلمة أتوم أي   (غير قابل للتجزئة)  لا تؤدي المعنى المراد منها،

وعلى ذلك فإننا نتساءل عما إذا كانت هناك حدود للتقسيم المادي  والكهربائي والضوئي يمكن عندها أن نقف عاجزين عن الوصول  إلى تجزئتها إلى وحدات أصغر من التي نصل إليها.

إن كل معارفنا للعالم الخارجي تتطرق إلى أعماق نفوسنا عن  طريق حواسنا، وكل تعريف لأي شيء أو ظاهرة في الوجود،  مهما كان دقيقاً، لا يتعدى حدود قوة هذه الحواس على الإدراك  والتمييز بين الأشياء، حتى خيالنا وكل ما يعرض في مُخيلتنا لا بد  وأن يأخذ أشكالاً حِسية مختلفة. فهو بهذا مُعرّضٌ لنفس القانون  الذي يحكم معارفنا للعالم الخارجي عنا.

إننا لا نستطيع أن نتخيل صورة  في الكون لا يمكن إرجاع عناصرها  المختلفة وأجزائها المتباينة إلى مسائل  وأشياء اعتادتها حواسنا. على أن الرجوع  بكل الفروض العلمية إلى حواسنا  وقدرتها على التمييز والتفرقة بين الأشياء  لا يمنع من أن نفرض أحياناً على الذهن  صوراً لأشياء لا يمكن استيعابها بسهولة  بهذه الحواس ذاتها، وهذا النوع من  الصور تثبت صحته لا عن طريق الحواس  وإنما عن طريق إثبات النتائج المترتبة  على فرض هذه الصور، بمعنى أنه إذا  اتفقت النتائج مع الظواهر الطبيعية  المعروفة لدينا كانت هذه الصور التي  افترضناها صحيحة.

بمثل هذه الطريقة توصل العلماء  إلى الشكل الحُبيْبي أو الذري للمادة  وتجزئتها إلى وحدات أولى يسمونها  الجزيئات وتجزئة هذه إلى وحدات ثانية  يسمونها الذرات، دون أن تكون  بحاجة لوضع إحدى هذه الذرات على  كفة الميزان.

وبطريقة مماثلة توصل العلماء إلى التجزئة الكهربائية بل إلى قياس  وإثبات شحنة الإلكترون كما توصلوا إلى التجزئة الضوئية،  ومعرفة الفوتون.

وسنتابع في المقالات القادمة نشر العوامل التي أدت  إلى الكشف عن هذه الحبيبات، والمكونات الأولى للخليقة  فنستعرض بذلك صوراً رائعة مما توصل إليه العلم الحديث.

اشترك في نشرتنا البريدية