الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 45الرجوع إلى "الثقافة"

" حبيبها ! "

Share

قص علي صديق القصة الآتية : كنت طالبا في موسكو ، واتفق أني سكنت قبالة إحدي هؤلاء النساء المشبوهات السيرة . كانت من بولندا ، وكانت تسعى تريزا ، طويلة القامة ، ضخمة ، سمراء ، ذات حاجبين مشعثين أسودين ، ووجه خشن كأنما حفرت معالمه بفأس . وكان شعاع عينيها الحيواني وصوتها العميق الغليظ ، ومشيتها المبتذلة ، وقوتها العضلية الهائلة توحي إلي بالرعب . وكنت أسكن أعلى طبقة ، وغرقتها أمامي ، فإذا عرفت أنها لم تخرج لم أدع بابي مفتوحا . وكنت أقابلها أحيانًا على الدرج أو في فناء المنزل فتبسم لي ابتسامة ماكرة ساخرة . وقد أراها سكرى بعيون مغشاة ، وشعر مشعث ، ووجه قد تجهم تجهمًا مرعبًا . وفي مثل هذه الظروف كانت تحادثني قائلة : " كيف الحال يا سيدي الطالب " وضحكتها السخيفة تزيد في كرهي لها . ولقد وددت أن أبدل مسكني حتى أتفادى مثل هذه المقابلات والتحيات ، ولكن غرفتي كانت ظريفة تطل على منظر رحب والشارع تحتها في هدوء مريح دائما . لذلك احتملت وصبرت . وفي صبيحة يوم بينما كنت أتقلب في فراشي محاولا أن أجد سببًا يمنعني من الذهاب إلي درسي ، فتح الباب ورن صوت تريزا التي لا توحي إلا الكره ، غليظًا على عتبة الباب : " أسعد الله صباحك يا سيدي الطالب " .

قلت : " ماذا تريدين ؟ " ورأيت وجهها مضطربًا يستجدي شيئًا ، ولم أكن تعودت من وجهها شيئًا كهذا .

قالت : " سيدي ، إني أطلب إليك فضلا ، فهل تمنحني إياه ؟ " .

ظللت حيث أنا صامتًا أفكر في نفسي ، وأقول : " يالله, تشجع " . فأكملت كلامها : " أريد أن أرسل خطابًا إلى أهلي ، هذا هو ما أطلب " . وكان صوتها الحيي الخافت يرجو ويستعطف . قلت في نفسي : " يا للشيطان ! " . ولكني قفزت إلي مكتبي وأخذت قلمًا وورقة ، وقلت : " تعالي هنا . اجلسي . أملي " .

فجاءت وجلست في تقلقل على كرسي ، ونظرت إلي نظرة المذنب، قلت : " حسنا ، وإلى من تريدين أن تكتبي ؟ "

قالت : " إلى بولز لاف كاشيت في مدينة سفيتزيانا على طريق وارسو " . فقلت : " هيا ، عجلي ، ماذا تريدين أن تقولي ؟ " . قالت : " عزيز بولز ، حبيبي ، حبيبي المخلص ، حفظتك العذراء ، يا من قلبه من أخلص الذهب ، لماذا لم تكتب من زمن طويل إلي حمامتك الوادعة الحزينة الصغيرة تريزا ؟ " .

كدت أنفجر ضاحكًا ، " حمامتك الوادعة الحزينة الصغيرة ؟ ! " إن طولها اكثر من خمس أقدام ، وقبضتها تزن أقة أو تزيد ، ووجهها أسود كأنما تلك الحمامة قد عاشت حياتها في المداخن ولم تغتسل قط ، ولكني حكمت نفس وقلت لها : " من هو بولزت هذا " .

قالت : " بولز يا سيدي الطالب - وكأنما قد جرح شعورها أن أغلط في الاسم - إنه بولز الشاب صديقي " . قلت متعجبًا : " صديقك ! " .

قالت : " ومم تعجب يا سيدي ؟ أليس لي الحق أنا الفتاة في أن يكون لي صديق ؟ " قلت : " ولم لا ؟ كل شئ جائز أن يكون . وهل هو صديقك منذ أمد ؟ " قالت : " منذ ست سنوات " .

قلت : " يا . . . حسنٌ ، فلنكتب لك الخطاب " . وكنت - في صراحة - على أتم استعداد أن أبادل هذا البولز مكانه لو أن مراسلته كانت شيئًا آخر غير تريزا ، شيئًا حتى أقل منها .

وقالت في أدب : " أشكرك ياسيدي من كل قلبي على جميل صنعك . وقد يكون من الممكن أن أقوم لك أنت بخدمة إذا أردت. "

قلت : " كلا ، وبكل احترام أشكرك جدًا على آية حال" قالت : " قد تكون في حاجة ان اخيط لك شيئًا ، جوربًا أو قميصًا "

لقد أخجلتني تلك الكتلة البشرية ، ولكني أفهمتها في جلاء ووضوح تام أني غير محتاج قط إلى أي نوع من أنواع خدماتها . وخرجت .

ومر أسبوع أو أسبوعان . وكان الوقت ليلا وكنت جالسًا على حافة النافذة أصفر وأفكر في طريق أنجو فيها من نفس التي تلاحقني . وكان الطقس ردئيًا ولم أكن أريد الخروج . ومن ضيقي بدأت تحليل نفسيتي ، ولكن هذا أيضًا أصبح مملا . ولم أكن أهتم بأن أعاود عمل شئ آخر ، ثمُ فتح الباب ، قلت : يالحسن الحظ ، إنسان دخل علي " آه . ياسيدي الطالب ، أرجو ألا يكون لديك عمل مُلح " إنها تريزا يا مغيث . قلت : " كلا . ماذا تريدين ؟ " . قالت : " كنت أريد أن أسألك أن تكتب إلي خطابا ثانيًا . " قلت : " حسنًا ! لبولز ، أليس كذلك ؟ " .

قالت : " لا . هذه المرة هو من بولز " . - ما . . . . . ماذا

قالت : " ما أغباني ! إنه لي . يا سيدي الطالب أرجو معذرتك . إنه لصديق لي ، ليس صديقًا ، وإنما هو أحد من أعرف وله حبيبة يحبها مثلي أنا تريزا . هذه هي المسألة ألا تكتب خطابًا لهذه التريزا ؟ " .

وتأملتها فإذا وجهها مضطرب وأطرافها ترتعد . حِرت أول الأمر ، ولكني كشفت عن الحقيقة فقلت : " ياسيدتي ليس هناك بولز وليس هناك تريزا ، ولقد كنت تقصين علي سلسلة طويلة من الأكاذيب . أرجو منك ألا تعودي إلى التجسس على بعد اليوم . ليس عندي أية رغبة في أن أنمي أية صلة بيني وبينك . أتفهمين ؟ " .

وفجأة بدت كأنها صعقت وكأنها تكاد تجن من الحزن ، وبدأت تبدل رجليها ، تقف على هذه ثم على تلك ، وتتمتم بشكل مضحك ، كأنما كانت تريد أن تقول شيئًا ولم تستطع ، وانتظرت لأرى النهاية . وشعرت أني فيما يظهر قد ارتكبت خطأ جسميا عندما اتهمتها بأنها تريد ان تقودني إلى سبيل الضلال . كان الأمر فيما يلوح يختلف تمام الاختلاف عما ظننت .

وابتدأت : " سيدي الطالب " ولكنها طوحت بيدها فجأة ثم دارت نحو الباب واندفعت خارجة . ومكثت حينًا في حرج وقلق ، وأنصت فإذا بابها يُدفع في عنف . لقد غضبت المسكينة غضبًا شديدًا . وفكرت في الأمر مليًا . لم يكن لي إلا أن أذهب إليها وأدعوها عندي وأكتب لها ما تريد .

دخلتُ غرفتها ونظرتُ حولي . كانت تجلس إلى طاولتها ورأسها بين يديها . قلت لها : " اسمعي ! " وعندما أصل إلي هذا الجزء من قصتي أشعر أني غليظ حقًا ، ولكن الوقع أني قلت لها : " اسمي " فقفزت من مقعدها وجاءت إلي وعيناها تلمعان وتبرقان ، ثم وضعت يدها على كتفي ، وبدأت تهمس أو تطن بصوتها

العجيب العميق قائلة : " هذا هو الأمر . ليس هناك بولز مطلقًا ولا تريزا أيضًا ، ولكن ماذا يضيرك أنت . أمن الصعب عليك أن تمر بقلمك على ورقة . أنت أيضًا ، أنت الصبي الصغير الأشقر ، ليس هناك أحد ، ليس هناك بولز ولا تريزا ، ليس هناك إلا أنا . ها أنت وصلت إلى ما تريد ، وعسى أن يفيدك شيئًا . "

قلت وقد أخذني العجب من مثل هذا الاستقبال : " ما هي القصة ؟ تقولين ليس هناك بولز. " قالت : " نعم هذا هو الواقع " . قلت : " وليس هناك تريزا . " قالت " ولا تريزا . . . أنا تريزا " .

حقا أني لم أفهم شيئًا . وحملقتُ في وجهها محاولًا أن أتبين من من منا بدأ يفقد توازن عقله . ولكنها ذهبت إلى الطاولة وبحثت عن شئ ، ثم عادت تقول في صوت المجروح : " إذا كنت قد تكبدت المشاق في الكتابة إلى بولز فهاك خطابك خذه . هناك آخرون يكتبون لي بدلا منك ".

وإذا خطاب بولز الذي كتبته في يدها . قلت : " اسمعي ياتريزا . ما معنى كل هذا ؟ وما الذي يدعوك أن تلجئي إلى غيري يكتب لك وها أناذا قد كتبت لك الخطاب ، وها أنت ذه لم ترسليه بعد ؟ " قالت : " أرسله إلى أين ؟ " قلت : " إلى بولز طبعًا ، إلى هذا البولز " قالت : " ولكن ليس هناك شخص بهذا الاسم " . لم أفهم في الواقع شيئًا مطلقًا . لم يكن أمامي إلا أن أذهب وأدعها . ولكنها بدأت تشرح : - ليس هناك إنسان كهذا كما قلت لك وأشارت بيدها كأنها هي أيضًا لا تفهم لماذا لا يكون هناك شخص كهذا " ولكني أردته أن يكون . ألست مخلوقة كسائر

الناس أجمعين ؟ نعم . . . نعم أنا أعرف . . . أعرف طبعًا . . . ولكن لم أضرَّ أحدًا بكتابتي إليه ، هذا مما لا شك فيه ".

قلت : " معذرة ! بكتابتك إلى من ؟ " قالت : " إلى بولز طبعًا " قلت : " ولكن ليس هناك شخص كهذا " قالت : " وا أسفاه ، وا أسفاه ولكن ماذا عليَّ إن لم يكن له وجود . إنه غير موجود ، ولكنه قد يوجد ، فأنا أكتب إليه ، فيخيل إليَّ أنه موجود حقًا وتريزا هي أنا . فهو يرد عليَّ أنا. فأعود أ كتب إليه ثانية . . . " .

لقد أدركت الحقيقة أخيرًا . وأحسست أني مريض تعس خجل إلى أبعد حد . إن أمامي على بعد ثلاثة أمتار مخلوقًا آدميًا ليس له في الوجود أحد يعامله برفق وحب . وهذا المخلوق قد اخترع لنفسه صديقًا .

قالت : " كتبت لي خطابًا إلى بوز فأعطيته إلى آخر ليقرأه لي ، ولما كان يقرأ أصغيت إليه ، وخيل إليَّ أن هناك بولز حقًا ، وسألتك أن تكتب إليَّ خطابًا ، من بولز إلى تريزا . وعندما يقرءون لي مثل هذا الخطاب أوقن أن بولز موجود دون شك . وهكذا تصبح الحياة ميسرة سهلة ". قلت لنفسي : " يا للشيطان ! ما أغباني ! " . ومنذ ذاك كنت أكتب لها بانتظام خطابين كل أسبوع . من تريزا إلي بولز ، وآخر من بولز إلى تريزا . وكانت تنصت إلى هذه الخطابات وأنا أقرؤها فتبكي بل تزأر بصوتها الأجش العميق . وفي مقابل تلك الخطابات التي تستدر عبراتها كانت تصلح من شأن ملابسي . ولكنهم أودعوها السجن بعد ثلاثة أشهر لسبب لم أعرفه . وأظنها الآن قد ماتت .

ونفض صديقي " سجارته " وحملق في السماء مفكرًا ، ثم اختتم قائلا : " إن الإنسان كلما ذاق مرارة الحياة تعطش إلى مسرَّاتها . ونحن ملفقون في أسمال بالية من الفضيلة ، ناظرين إلى غيرنا من خلال غشاوة من الاعتداد بأنفسنا ،

مؤمنين بكمالنا المطلق لا نفهم شيئًا غير هذا . والأمر كله يدور في غباء ، ولكن في قسوة أيضًا ، " الطبقة المنحطة " هكذا نقول . وكم أريد أن أعرف من هم هذه الطبقة المنحطة . هم قبل كل شئ آدميون ، لهم نفس اللحم والأعصاب والدم الذي لنا . طالما سمعنا هذا على مدى القرون ؛ ونحن ننصت إليه فعلا ، ولكن الشيطان وحده هو الذي يصرفنا عنه . ومن يدري ؟ لعل صراخ الوعاظ بالدعوة إلى التراحم قد حطمنا. والواقع أننا نحن أيضا منحطون فيما أري ، منحطون إلى أعمق الظلمات من اعتدادنا بأنفسنا ، ويقيننا بعظمة شخصياتنا . ولكن . . . كفى ، إنها أشياء معادة قديمة قدم الجبال الراسخة ، قديمة حتى إن الكلام فيها يمل ، قديمة جدًا . نعم. قديمة . هذه هي الحقيقة .

اشترك في نشرتنا البريدية