الرجوع إلى البحث الذهاب لعدد هذه المقالة العدد 44 الرجوع إلى "الثقافة"

حب الرجال أعمى . . .

Share

عاش المستر وليم كوبيت Wiliam Cobbet في انجلترا مند مائة عام ، ونَبَه في الحياة السياسية ، وكان له شأن فيها ، وكان كذلك مؤلفًا .

كتب كتابًا أسماه " نصيحة إلى الشباب من الرجال " وفي هذا الكتاب وصف لنا كيف وقع في حب الفتاة التي صارت زوجته من بعد ذلك : كان في الخدمة العسكرية في كندا ، وفي ذات صباح اشتد صقيعه وجمد ماؤه ، رأى فتاةً في الثالثة عشرة في العراء خارج منزل تحك جدران برميل تنظفه لتهيئه لغسل ملابس ؛ وكانت أضواء الصباح الأولى لم تكد تبين . وكانت بقايا النجوم لا تزال ظاهرة في السماء . ففي تلك الساعة ، بل في تلك الدقيقة ، قرر أن هذه الفتاة فتاته . وبعد أربع سنوات كنت تراها في انجلترا في بيته وإلى جانبه زوجةً له .

وعاشا من بعد ذلك في صفاء وهناء ، ومع هذا فالقارئ ذو العواطف الحارة الرومانتيكية لن يرضى عن هذا الحادث ، ويود في الصميم من قلبه لو أن الذي حرك صاحبنا عاطفةٌ أحر من هذه ومُغريةٌ أقوى من محض الشغل الشاق في الصباح الباكر .

على أن الحادث لم يَخْلُ من العنصر الرومانتيكي , ولو أن ظاهره أن الرجل لم يتحرك فيه غيرُ حسه بالأمور العملية الواقعية الجامدة ، فالرومانتيكية في هذا الحادث هي في الفُجاءة التي وقع بها ، وفي معنى الحزم والعزم الذي تمسك به صاحبنا ، وفي معنى الحزم والعزم الذي لا شك اتصفت به وجهة نظر صاحبتنا إليه .

على أن " كوبيت " رجل لا كالرجال ، فالرجل العادي

يحب خبط عشواه وهو أعمى ، وهو إذا أحب فقد السيطرة على نفسه ، وانسل من يده مَقادُها ، وانطلق تدفعه العاطفة كما تدفع موجةُ البحر العاتية سابحًا قليل العلم بالسباحة ، وهو يحسب في ظلام الليل أنه راكب متنها إلى ساحل قارة عظيمة ، في حين أنها إنما تحمله إلى شِعب مرجاني ليس فيه ورقة خضراء تُقيم أود الحياة .

إن الرجل العادي يحب فيعمى ، وهو فوق ذلك يتجرد من تجاربه ويَجري على سَنَنه الجديد أبلهَ ساذجًا . أما حُبه القديم ، إن كان مرة أو مرات ، فهو ينساه . وأما ما حصَّله من العلم والخبرة فيه فهو يجهله أو يأبى أن يستعيد ذكراه . ويتركز في ساعته على هذا الشيء الجديد الذي يحبه حبًا يخال أنه لم يحب بمثل شدِّته أحدًا أبدًا . وهذه الحال تحجبه وتحميه من الوقوع في زلل المحبين الأكبر ، والخطيئة الكبرى التي يقترفها المحب في حق حبِّه ، تلك هي إجراء المقارنات بين فتاة وفتاة ، أو بين حال له حاضرة وحال كانت له ماضية . وباحتجابه واحتمائه من هذا الزلل يتعرض لزلل أكبر هو الوقوع في الخطأ الواحد مرتين والالتداغ من الجحر الواحد لدغتين .

أما المرأة فتختلف في هذا اختلافًا كبيرًا عن الرجل ، فالنساء يتعلمن من التجارب ويُرِدْن دائمًا أن يستفدن من تجاربهن . ولعل هذا هو السبب في أن الرجال عند اختيار الزوجات يحبون دائمًا أن يكونوا أول الواردين ميدان هذه المرأة أو تلك ، وذلك خشية أن تعمد في أمرهم إلى المقارنات . والرجال تعلم أن الالتجاء إلى المقارنات

من سيئات النساء . ولعل هذا أيضًا هو السبب في اختلاف ما تطلبه المرأة من الرجل عما يطلبه الرجل من المرأة . فالرجل يود من المرأة أن لا يجد في طريقه إليها آثار أقدام . والمرأة تعلم من الرجل إذا أحبها أنه لابد ناس مامضى وما يُستقبَل .

إن الرجل العاطفي العادي يعيش من دهره في دنيا مليئةٍ بالخُدعات . وهو في انخداعه يعتقد ويلتذ باعتقاده أن المرأة لا تكون امرأة حقة إلا أن يكون حبُّه إياها أول حب دخل قلبها ، وأن المرأة الصميمة الواحدة لا تحب إلا مرة واحدة . وهذا بالرغم من شواهد قد تكون على نقيض ذلك . فهي قد تكون أحبت وخابت . وهي قد تكون أحبت وعقدت ثم انفصمت العروة بعد شَدِّها . والرجل يهتم من حبيبته بماضيها أكثر كثيرًا من حاضرها أو مستقبلها ، زاعمًا في غروره وانخداعه أنه أقدر على امتلاك عواطفها الحاضرة منه على امتلاك ذكرياتها الماضية . ويمر الخاطر في ذهنه بأن من الرجال من أحب مرة ، ومرة واحدة لا ثانية لها ، فيشُوقه هذا الخاطر شوقًا كبيرًا . ومع هذا يفخر أيضًا بأنه لم يكن من صنف هؤلاء الرجال .

والحب لا يُحسَّن ويُصلح من الرجال تحسينه وإصلاحَه من النساء . ونعم قد تحسن به الرجال وتَصلح ، ولكن زمان هذا بعد الزواج لا قبله . فالرجل في إبَّان حبِّه ينسى نفسه ، بينا المرأة في إبِّان حبِّها تتعلم الكثير عن نفسها وشيئًا كثيرًا آخر عن غير نفسها . فالمرأة في حبها ترى نفسها في ضياء وهَّاج بهيج ، هو الضياء الذي يُشعه عليها محبها ؛ أما الرجل ، وقد جعلته الطبيعة أكثر استقلالا بعقله ، فلا يرى نفسه أبدًا ، وإنما يرى ذلك الجرم الذي غمره هو بضيائه ، تلك المرأة .

وينتج عن هذا أن الحب ، بينما هو يزيد من قيمة المرأة ويزيد في مَفاتنها ، تجده ينقص من قيمة الرجل في عين الناس وبصبحه ثِقلا على إخوانه ، ومهزأةً عند النساء غير التي أحبَّها . فالمرأة لا تهتم بحب رجل يحب غيرها

إلا أن تكون وحيدة تشكو الوحدة ، أو شقيَّة تندب حظًا ، أو سخية بالغة السخاء . وهي بطبيعتها لا تحب التقاط الفُتات الذي يسقط من مائدةٍ يَزْحَر من الألم صاحبها . أما الناس عامة فلا تنظر إلى الرجل المحب إلاَّ نظرها إلى رجل أضلَّه ما هو فيه . وإذا هو فقد الحذر ، وفقد معه الصمت والرزانة ، صار في أعين الناس أضحوكة لا يُعوِزه لاستكمالها إلا لبس الطرطور والثوب الخَلق المشقَّق ألوانًا .

ويزعم الزاعمون أن المحب الرجل يأتي بأحسن أعماله أو ينظم أحسن أشعاره وهو في إبان حبه . وهذا خطأ شائع لا يتفق مع الواقع ، فالواقع أنه لا يستطيع أن يحسن شيئًا وهو متلبس بحبِّه ، فإن أحسن فلا يكون الإحسان إلا بعد هدوء العاطفة وسكونها واستقراره ، فعندئذ ، وعندئذ فقط ، يستطيع أن يضع عاطفته التي بردت وجمدت على نار الذكرى ، ويستفطر منها شذى طيارًا يطيب في الأنوف عطره . إن أجمل كلمات الحب إنما هي كلمات قالتها بنت إلى زوجة أبيها - كلمات رُوث Ruth إلى نعومي Naomi - ولم يكن جمال هذه الكلمات محض مصادفة واتفاق .

إن الرجل العادي يطلق نفسه للريح تهب به كل مَهَب . والرجل الذي يحب ببصيرة يقظة وأعين مفتوحة ، في حبه كثير من الرومانتيكية الحقة . وكذلك كان حب " كوبيت " .

إن الرجل العادي عند تعرضه للحب كالطفل عند تعرضه للحصبة ، لا تصيبه إلا إذا نامت خلايا المقاومة في دمه . وهو في عماء قد يكون محظوظًا ، فقد يأتي القَدَر فيأخذ بيده ، وهو يدب في ظلمته ، ويَهديه سواء السبيل حتى يخرج به البخت الطيب من هذه الظلمة إلى نور يرى فيه أن حبه أوقعه على امرأة عادية ، أو على الأقل عادية .

اشترك في نشرتنا البريدية