الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 629الرجوع إلى "الثقافة"

حب السلامة

Share

أعلنت الصحف منذ أيام أن مؤتمر الكومنولث قرر أن يوكل أمر الدفاع عن الشرق الأوسط إلى أستراليا ونيوزيلندا وجنوبى أفريقية ، ومر الناس على هذا الخبر كراماً معجلين لم يلموا به إلا لحظات قصاراً ، ثم استطردوا إلى أخبارهم التي تهمهم من تنقلات الإداريين وأنباء من يعرفون من الناس خصوماً وأصدقاء .

ولم يفكر أحد منهم لحظة فى أن هذا الخبر الذى قرأه الناس فى غير اكتراث حاسبين انه لا يمسهم من قريب أو بعيد ، إنما يمس مصايرهم فى الصميم ، بل يغير مصاير بلادهم أرادوا أم لم يريدوا ، لأن ما يتقرر اليوم فى هذا المؤتمر سيبلغ من غد إلى حكومات الحلفاء وقيادة جيوشهم ، وعليه يقيمون خططهم للحرب المقبلة ، وعلى أساسه يتحدد مصير كل دولة من دول الشرق الأوسط أثناء الصراع الحاسم المقبل ..

فإذا أقرت قيادات الخلفاء هذه الخطة بدأت من الآن فى تنفيذها ، فوضعت تلك الدول التى ستقوم بالدفاع عن الشرق الأوسط فى المكان الأول من الأهمية : سنقدم لها المعاونات والقروض والأسلحة والذخائر، وستعطى لها

الحرية الكاملة في إيفاد من تريد من جنودها ورجالها إلى هذه المنطقة التى سيقومون بالدفاع عنها .

كل هذا ونحن ، أهل الشرق الأوسط ، بعيدون عن الميدان لا نشترك فى خطة ، ولا نساهم فى أمر ذى بال ، وسيرتب الخلفاء وأصدقاؤهم خططهم على هذا الأساس ، وسننتبه إلى خطورة الأمر بعد أن ينتهى كل شئ ، وبعد أن يكون قد تقرر نهائياً ، وبصورة لا تقبل التغيير ، أن دورنا الوحيد فى هذه الحرب سيكون دور صاحب الأرض العاجز عن أى شئ . والذى يتولى الأقوياء القادرون الدفاع عنه وعن أرضه ، فى مقابل الخضوع لهم والسير فى ركابهم ...

ونحن فى أثناء ذلك نفكر فى أمر أنفسنا ومصيرنا، لم نعرف بعد إذا كنا "سنقبل" حمل نصيب من الدفاع عن بلادنا ، أو سندع الأمر إلى المستبدين بالشئون العسكرية فى الشرق الأوسط كله . ولم نعرف بعد إذا كنا "سنقبل" الاشتراك مع الإنجليز فى هذا الدفاع أو سنتركهم يقومون به وحدهم ، بل نحن لم نعرف بعد - إذا رأينا ضرورة هذا الاشتراك - إذا كنا سنقوم به على أساس

معاهدة ١٩٣٦ ، أو على أساس جديد لم نتفق عليه بعد ، وأصحابنا المتفائلون لا يزالون يصممون على أن نقوم نحن بهذا الأمر منفردين بأنفسنا لا يعاوننا الغير إلا بتقديم السلاح والعتاد ..

وفي أثناء ذلك كله تقترب الحرب يوما بعد يوم ، بل ساعة بعد ساعة ، وأصحاب الأمر في لندن وواشنطون وموسكو يعملون وكأنهم في حرب فعلا ؛ فجنودهم يتقاتلون في الشرق الأقصى آلافا ، وسفنهم تمضى بالعناد والجنود إلي المواضع التي ينبغي أن يكونوا فيها يوم ينفخ في الصور وتقوم القائمة ..

وليس إلى الشك سبيل فى أن المديرين أمورنا يعرفون ذلك كله ، بل يعرفون اكثر منه ، لأنهم بطبيعة مراكزهم ومسئولياتهم أعرف بحقائق الأمور منا ... يعلمونه ويدعون الأمور تمضى على علاتها ، حتى إذا كانت الحرب كسبنا منها ذلك الكسب الرخيص الذى وفقنا إليه فى كل حرب ماضية ، وهو المحافظة على بلادنا خارج الميدان ، وتجنيب فلذات أكبادنا ويلات الحروب ، وعندما تنتهى الحرب سيقومون يهنئ بعضهم بعضاً بهذا التوفيق الإلهى العظيم ...

ولو أننا نظرنا إلى تاريخنا خلال بضعة القرون الماضية لراينا أن هذه كانت خطتنا دواما ، فلم يكن المصري العادي هم خلال القرون الماضية إلا تجنب ويلات الحروب والابتعاد عن الميدان . ولم  يحرص أهل الشام خلال المعارك الحاسمة التي غيرت مصاير بلادهم إلا على النجاة بأنفسهم من ويلات المعارك ، فبينما كانت المعركة دائرة بين العرب الناهضين والإمبراطورية البيزنطية وقف أهل دمشق وبيت المقدس وعسقلان وانطاكية والإسكندرية يتفرجون من بعيد ، ثم أسلموا بلادهم للغالب ودخلوا في طاعته ومشوا في ركابه، وعندما ثارت نيران الحروب الصليبية حرصوا على أن يعتبروا المعركة امرا بعيدا عنهم . وتركوا الا كراد والمماليك والاتراك يحاربون الصلبيين ، وانتهت المعركة بفوز الطوائف الأولى ، ودخل أهل الشرق الأوسط في طاعتهم ومشوا في ركابهم طائعين مختارين. وعندما احتدمت المعركة بين الفرس والاتراك على مصاير العالم الإسلامي لم يحرك أهل مصر

أو الشام ساكناً ، ثم دخلوا فى طاعة التركى المتنصر ومشوا فى ركابه ..

وفى كل حالة من هذه الحالات أدركنا بعد فوات الفرصة أننا ضيعناها ، واننا لو لم نحرص هذا الحرص الشديد على جلودنا لكان حالنا أحسن ، واننا لو لم نجتهد هذا الاجتهاد فى تجنيب أنفسنا ويلات الحروب لما سلمنا التركى هذا الملف الشديد ، بل تمنينا أننا لو نهضنا فى هذه الفترات الحاسمة وانقضينا السلاح وتعرضنا لمكاره الحروب لما استبد بنو عثمان بنا هذا الاستبداد ، بل لكمينا حريتنا الموموفة منذ مئات السنين ...

ولكننا تعودنا ذلك ومضينا عليه، تعودنا أن نهرب من الميادين ساعة الجد والضرب والطعن وأن نطلب بطن الأرض أثناء المعارك . فإذا انتهت وصرنا فى ركاب المنتصر قمنا نشكو ونبكى دون أن يسمع لشكائنا أحد، وفى عجبنا لإعراض أهل الدنيا عنا وانصرافهم عن شكوانا . لأننا لم نتعلم بعد أن الدنيا غلاب والغنيمة لمن ظفر ، ولم ننتبه بعد إلى أننا جعلنا أنفسنا جزءا من الغنيمة بمحض اختيارنا ؛ وما دمنا قد اخترنا هذا الوضع فلا سبيل إلى تغييره ، ولا سبيل إلى طلب الرفق من الناس ؛ ونحن فى واقع الأمر ، أقسى على أنفسنا من ألد أعدائنا.

أجل ، ونسينا أيضاً أن اشتراكنا فى الحروب ، ولو على أساس غير واضح ، أحسن بكثير من عدم الاشتراك فيها أصلاً ، فقد اشترك محمد على فى حروب الدولة العثمانية وهو يعرف أن الدولة لن تبر له بشئ ما وعدت ، ولكنه كان رجلاً مكافحاً ذكياً يستشعر لذة الكفاح ويجد فيه الطريق الوحيد لإثبات الشخصية وتوكيد الحقوق . لقد قام بفتح الحجاز لحساب الدولة العثمانية ، ثم اشترك فى حروب اليونان ، وانتهز الفرصة ليقوى نفسه وبلاده وليقيم جيشه  العظيم ، ويجعل منه آلة كبرى لإقرار السلام فى العالم الإسلامى ؛ فلما فرغ من الحرب وكسب النصر نظر أعداؤه وحاسدوه من رجال الدولة العثمانية فإذا هو عماد الدولة وركنها الحصين.

ووقع احترامه في قلوب الناس أجمعين ؛ فأسرع إليه الفرنسيون يخطبون وده وأقبل الانجليز يدرسون خططهم

على أساس هذه القوة العظيمة الجديدة التى أنشأها فى شرق البحر الأبيض المتوسط ، وفى أثناء ذلك قفزت مصر مئات الخطوات إلى الأمام وعرف شعبها طعم الحرية وذاق لذة النصر والظفر ، وبدأت رياح العزة تهب على الوادى وأهله من جديد ... وعلى هذا المجد نعيش نحن حتى اليوم .

ترى ماذا كان يحدث لو أن محمد على اعتذر من أول الأمر عن المشاركة فى هذه الحروب ؟ ترى أى مصير كانت مصر تصير إليه لو أن الرجل آثر السلامة وفضل تجنيب نفسه وبلاده ويلات الحروب ؛ أظن أن الجواب عن هذين السؤالين أوضح من أن نتفق فى تفصيله وقت القارئ العزيز.

لم ينكبنا الله بشئ هو اضر بنا من رغبتنا فى نجنب ويلات الحروب ، ولم يرزانا الله بشئ هو انكى وأقسى من حب السلامة والطمع فى الكسب والغنم من غير تضحية أو مجهود . نعم ، جعلنا أنفسنا غنيمة للغالبين ومطايا للمنتصرين ، فكانت النتيجة أننا لم ننج حتى بجلودنا ، وسل هذه الجلود عما أصابها من طلب السلامة ، وسل نفوسنا عما أصابها من الذل والهوان نتيجة لحب الهرب والسعى إلى مجرد العيش من أى سبيل .

أجل . قاتل الله السلامة وكتب لبلادنا أن تدخل نيران الحروب ولو مرة واحدة لتكسب - على الأقل - عزة المحارب المنهزم ؛ الذى قاتل وناضل وضحى وأخطاءه التوفيق .. ولكنه فاز بكرامة المحارب المغالب !

اشترك في نشرتنا البريدية