أعلنت الصحف منذ أيام أن مؤتمر الكومنولث قرر أن يوكل أمر الدفاع عن الشرق الأوسط إلى أستراليا ونيوزيلندا وجنوبى أفريقية ، ومر الناس على هذا الخبر كراماً معجلين لم يلموا به إلا لحظات قصاراً ، ثم استطردوا إلى أخبارهم التي تهمهم من تنقلات الإداريين وأنباء من يعرفون من الناس خصوماً وأصدقاء .
ولم يفكر أحد منهم لحظة فى أن هذا الخبر الذى قرأه الناس فى غير اكتراث حاسبين انه لا يمسهم من قريب أو بعيد ، إنما يمس مصايرهم فى الصميم ، بل يغير مصاير بلادهم أرادوا أم لم يريدوا ، لأن ما يتقرر اليوم فى هذا المؤتمر سيبلغ من غد إلى حكومات الحلفاء وقيادة جيوشهم ، وعليه يقيمون خططهم للحرب المقبلة ، وعلى أساسه يتحدد مصير كل دولة من دول الشرق الأوسط أثناء الصراع الحاسم المقبل ..
فإذا أقرت قيادات الخلفاء هذه الخطة بدأت من الآن فى تنفيذها ، فوضعت تلك الدول التى ستقوم بالدفاع عن الشرق الأوسط فى المكان الأول من الأهمية : سنقدم لها المعاونات والقروض والأسلحة والذخائر، وستعطى لها
الحرية الكاملة في إيفاد من تريد من جنودها ورجالها إلى هذه المنطقة التى سيقومون بالدفاع عنها .
كل هذا ونحن ، أهل الشرق الأوسط ، بعيدون عن الميدان لا نشترك فى خطة ، ولا نساهم فى أمر ذى بال ، وسيرتب الخلفاء وأصدقاؤهم خططهم على هذا الأساس ، وسننتبه إلى خطورة الأمر بعد أن ينتهى كل شئ ، وبعد أن يكون قد تقرر نهائياً ، وبصورة لا تقبل التغيير ، أن دورنا الوحيد فى هذه الحرب سيكون دور صاحب الأرض العاجز عن أى شئ . والذى يتولى الأقوياء القادرون الدفاع عنه وعن أرضه ، فى مقابل الخضوع لهم والسير فى ركابهم ...
ونحن فى أثناء ذلك نفكر فى أمر أنفسنا ومصيرنا، لم نعرف بعد إذا كنا "سنقبل" حمل نصيب من الدفاع عن بلادنا ، أو سندع الأمر إلى المستبدين بالشئون العسكرية فى الشرق الأوسط كله . ولم نعرف بعد إذا كنا "سنقبل" الاشتراك مع الإنجليز فى هذا الدفاع أو سنتركهم يقومون به وحدهم ، بل نحن لم نعرف بعد - إذا رأينا ضرورة هذا الاشتراك - إذا كنا سنقوم به على أساس
معاهدة ١٩٣٦ ، أو على أساس جديد لم نتفق عليه بعد ، وأصحابنا المتفائلون لا يزالون يصممون على أن نقوم نحن بهذا الأمر منفردين بأنفسنا لا يعاوننا الغير إلا بتقديم السلاح والعتاد ..
وفي أثناء ذلك كله تقترب الحرب يوما بعد يوم ، بل ساعة بعد ساعة ، وأصحاب الأمر في لندن وواشنطون وموسكو يعملون وكأنهم في حرب فعلا ؛ فجنودهم يتقاتلون في الشرق الأقصى آلافا ، وسفنهم تمضى بالعناد والجنود إلي المواضع التي ينبغي أن يكونوا فيها يوم ينفخ في الصور وتقوم القائمة ..
وليس إلى الشك سبيل فى أن المديرين أمورنا يعرفون ذلك كله ، بل يعرفون اكثر منه ، لأنهم بطبيعة مراكزهم ومسئولياتهم أعرف بحقائق الأمور منا ... يعلمونه ويدعون الأمور تمضى على علاتها ، حتى إذا كانت الحرب كسبنا منها ذلك الكسب الرخيص الذى وفقنا إليه فى كل حرب ماضية ، وهو المحافظة على بلادنا خارج الميدان ، وتجنيب فلذات أكبادنا ويلات الحروب ، وعندما تنتهى الحرب سيقومون يهنئ بعضهم بعضاً بهذا التوفيق الإلهى العظيم ...
ولو أننا نظرنا إلى تاريخنا خلال بضعة القرون الماضية لراينا أن هذه كانت خطتنا دواما ، فلم يكن المصري العادي هم خلال القرون الماضية إلا تجنب ويلات الحروب والابتعاد عن الميدان . ولم يحرص أهل الشام خلال المعارك الحاسمة التي غيرت مصاير بلادهم إلا على النجاة بأنفسهم من ويلات المعارك ، فبينما كانت المعركة دائرة بين العرب الناهضين والإمبراطورية البيزنطية وقف أهل دمشق وبيت المقدس وعسقلان وانطاكية والإسكندرية يتفرجون من بعيد ، ثم أسلموا بلادهم للغالب ودخلوا في طاعته ومشوا في ركابه، وعندما ثارت نيران الحروب الصليبية حرصوا على أن يعتبروا المعركة امرا بعيدا عنهم . وتركوا الا كراد والمماليك والاتراك يحاربون الصلبيين ، وانتهت المعركة بفوز الطوائف الأولى ، ودخل أهل الشرق الأوسط في طاعتهم ومشوا في ركابهم طائعين مختارين. وعندما احتدمت المعركة بين الفرس والاتراك على مصاير العالم الإسلامي لم يحرك أهل مصر
أو الشام ساكناً ، ثم دخلوا فى طاعة التركى المتنصر ومشوا فى ركابه ..
وفى كل حالة من هذه الحالات أدركنا بعد فوات الفرصة أننا ضيعناها ، واننا لو لم نحرص هذا الحرص الشديد على جلودنا لكان حالنا أحسن ، واننا لو لم نجتهد هذا الاجتهاد فى تجنيب أنفسنا ويلات الحروب لما سلمنا التركى هذا الملف الشديد ، بل تمنينا أننا لو نهضنا فى هذه الفترات الحاسمة وانقضينا السلاح وتعرضنا لمكاره الحروب لما استبد بنو عثمان بنا هذا الاستبداد ، بل لكمينا حريتنا الموموفة منذ مئات السنين ...
ولكننا تعودنا ذلك ومضينا عليه، تعودنا أن نهرب من الميادين ساعة الجد والضرب والطعن وأن نطلب بطن الأرض أثناء المعارك . فإذا انتهت وصرنا فى ركاب المنتصر قمنا نشكو ونبكى دون أن يسمع لشكائنا أحد، وفى عجبنا لإعراض أهل الدنيا عنا وانصرافهم عن شكوانا . لأننا لم نتعلم بعد أن الدنيا غلاب والغنيمة لمن ظفر ، ولم ننتبه بعد إلى أننا جعلنا أنفسنا جزءا من الغنيمة بمحض اختيارنا ؛ وما دمنا قد اخترنا هذا الوضع فلا سبيل إلى تغييره ، ولا سبيل إلى طلب الرفق من الناس ؛ ونحن فى واقع الأمر ، أقسى على أنفسنا من ألد أعدائنا.
أجل ، ونسينا أيضاً أن اشتراكنا فى الحروب ، ولو على أساس غير واضح ، أحسن بكثير من عدم الاشتراك فيها أصلاً ، فقد اشترك محمد على فى حروب الدولة العثمانية وهو يعرف أن الدولة لن تبر له بشئ ما وعدت ، ولكنه كان رجلاً مكافحاً ذكياً يستشعر لذة الكفاح ويجد فيه الطريق الوحيد لإثبات الشخصية وتوكيد الحقوق . لقد قام بفتح الحجاز لحساب الدولة العثمانية ، ثم اشترك فى حروب اليونان ، وانتهز الفرصة ليقوى نفسه وبلاده وليقيم جيشه العظيم ، ويجعل منه آلة كبرى لإقرار السلام فى العالم الإسلامى ؛ فلما فرغ من الحرب وكسب النصر نظر أعداؤه وحاسدوه من رجال الدولة العثمانية فإذا هو عماد الدولة وركنها الحصين.
ووقع احترامه في قلوب الناس أجمعين ؛ فأسرع إليه الفرنسيون يخطبون وده وأقبل الانجليز يدرسون خططهم
على أساس هذه القوة العظيمة الجديدة التى أنشأها فى شرق البحر الأبيض المتوسط ، وفى أثناء ذلك قفزت مصر مئات الخطوات إلى الأمام وعرف شعبها طعم الحرية وذاق لذة النصر والظفر ، وبدأت رياح العزة تهب على الوادى وأهله من جديد ... وعلى هذا المجد نعيش نحن حتى اليوم .
ترى ماذا كان يحدث لو أن محمد على اعتذر من أول الأمر عن المشاركة فى هذه الحروب ؟ ترى أى مصير كانت مصر تصير إليه لو أن الرجل آثر السلامة وفضل تجنيب نفسه وبلاده ويلات الحروب ؛ أظن أن الجواب عن هذين السؤالين أوضح من أن نتفق فى تفصيله وقت القارئ العزيز.
لم ينكبنا الله بشئ هو اضر بنا من رغبتنا فى نجنب ويلات الحروب ، ولم يرزانا الله بشئ هو انكى وأقسى من حب السلامة والطمع فى الكسب والغنم من غير تضحية أو مجهود . نعم ، جعلنا أنفسنا غنيمة للغالبين ومطايا للمنتصرين ، فكانت النتيجة أننا لم ننج حتى بجلودنا ، وسل هذه الجلود عما أصابها من طلب السلامة ، وسل نفوسنا عما أصابها من الذل والهوان نتيجة لحب الهرب والسعى إلى مجرد العيش من أى سبيل .
أجل . قاتل الله السلامة وكتب لبلادنا أن تدخل نيران الحروب ولو مرة واحدة لتكسب - على الأقل - عزة المحارب المنهزم ؛ الذى قاتل وناضل وضحى وأخطاءه التوفيق .. ولكنه فاز بكرامة المحارب المغالب !

