الرجوع إلى البحث الذهاب لعدد هذه المقالة العدد 658 الرجوع إلى "الثقافة"

حب السيطرة

Share

لعل من أعمق الدوافع التي تسير الإنسان ، وتفسر أغلب أعماله وتصرفاته هو دافع السيطرة وحب النفوذ ، فبغريزة حب السيطرة تستطيع أن نفسر معظم ما نشاهده في المجتمع وبين الأفراد ، فيها تستطيع أن تفسر حب الحكام لكراسي الحكم ، وحب الأغنياء لجمع المال ، ونستطيع أن تفسر بها أعمال السياسيين والموظفين للحصول في المراكز الكبيرة والمناصب العالية ، وهي أيضا العلة الرئيسية في قيام الحروب واشتعال الثورات ، وهي أصل معظم ما يأتي به الإنسان من أعمال ، وما يرجوه من آمال ، فهي اقوى بكثير من الغرائز الأخرى ، حتى الاقتصادية منها ، وكثيرا ما يكون الدافع إلى حب التملك ليس إلا وسيلة للحصول على هذه السيطرة .

فإذا نظرت إلى الموظفين والعمال في مقر أعمالهم . نجد أن أنشطهم واكثرهم إنتاجا هم هؤلاء الذين يعشقون القوة والنفوذ ، وهم يتضحيتهم لراحتهم ، إنما يطلبون السيطرة ، ولذلك تلاحظ أن الموظف النشيط يكره كل شئ لا ينطوي تحت إرادته وسلطانه ، وهو يحاول تغيير كل ما هو بين يديه كل ساعة والأخري ليشبع شهوته إلى القوة والإحساس بها على أقوي صورة ممكنة.

والآباء والأمهات يحبون أولادهم ، لأن هؤلاء الأولاد هم المجال الذي يظهرون فيه قوتهم ونفوذهم ، وهم لا يكرهون شيئا كرههم لمن يحرمهم هذه السيطرة ، وهذا يفسر كرههم الشديد لأزواج أولادهم .

والأولاد بدورهم يبحثون عن السيطرة منذ صغرهم ، فهم يبدأون بطلب العرائس الصغيرة رغبة في الشعور بالقوة والتفوق ، فإذا ما اجتازوا من اللعب بالعرائس تطلعوا إلى الزواج ، وإلى خلق بيت آخر ومسرح جديد لإظهار سلطتهم ، والسبب في ازدياد تطلع البنات للزواج عنه في حالة الأولاد ، أن الفتاة لا تستطيع أن تظهر سلطتها إلا في منزلها ، في حين أن الفتى يتطلع لإظهار سلطته في عمله بجانب إظهارها في منزله .

وكلما ازدادت القوة عند فرد من الأفراد ، أو تركزت

في دولة من الدول ، زاد الخطر وتجسم ، فمن نال القوة عشقها حتى تتأصل في نفسه ، وصاحب القوة يتلذذ من إظهار قوته في كل وقت ، وإظهارها لا يكون إلا بمنع الآخرين عن فعل ما يشتهونه ، وإجبارهم على عمل شئ لا يقبلونه . وهذا ما يفعله بعض الشيوخ الذين تمكنت فيهم غريزة حب السيطرة ؛ فعملوا على إعاقة الشبان من الاستمتاع بما فقدوء هم ، وهذا ما يفعله بعض المدرسين والرؤساء والحكام مع تلاميذهم ومرءوسيهم ؛ فيفرضون عليهم أوامرهم وأراءهم، ويختاون شخصية كل من يعمل تحت أيديهم فيحيلونهم بذلك إلى آلات بشرية .

فإذا علمنا ما للسيطرة من أهمية كبيرة في تسيير الدول والأفراد ، رأينا أن مشكلة توزيعها بين الناس من أهم المشاكل ، وهي أيضا أصعب وأكثر تعقيدا من مشكلة توزيع الثروة ، وأن تركيز السلطة في شخص واحد أو هيئة واحدة هو الخطر كل الخطر ، لأن تركيزها هذا ما هو إلا دكتاتورية تعمل على هدم روح الفردية بين الناس . والذى يريد أن يؤدي أجل خدمة للمجتمع الذي يعيش فيه فعليه أن يعمل بكل ما لديه من قوة على مقاومة هؤلاء الذين جمعوا السلطة وركزوها في أيديهم .

والنظرية الأساسية في الديمقراطية، هي أن توزع القوة في أيدى الناس جميعا ، وان تترك لهم الحرية في عمل أى شيء يريدون عمله ، فلا يجب أن تتدخل القوة إلا مع أولئك الدين يحاولون استعمال القوة في إخضاع الآخرين ، أو مع الأقلية عندما تعترض سبيل الأغلبية .

ولكي تحصل على ديمقراطية صحيحة ، فعلينا - بجانب اهتمامنا بتوزيع الثروة توزيعا عادلا - أن نهتم بتوزيع السلطة في أيدي الأفراد جميعهم ، ورأيي هو أن نبدأ اولا بالأطفال في منازلهم ومدارسهم ، لأنهم المادة الخامة التي سنبني بها المستقبل ، فنبدأ في تشكيل التعليم والتربية بحيث تضعف فهم الدوافع نحو القوة والسيطرة . اللهم إلا قوة الشخصية والسيطرة على النفس ، كما يجب أن يكون أساس التربية هو التشجيع على العمل الجيد ، وليس التهديد بالعقاب على العمل الردىء . فإذا نجحنا في تطبيق هذه النظريات في المدارس والمنازل ، خلقنا بذلك جيلا حرا لا يخاف التهديد والعقاب ،

وإنما يعمل بوحي من ضميره وعقله لبناء مستقبل أصلح ، وإذا استطعنا أن نقضى على النزعات الدكتاتورية عند الآباء والمدرسين ، فلن يمضى وقت طويل حتى نجد أن هذه الطبقة ، التي تحكمنا الآن ، هي الأخرى قد تغيرت ، وهذه المجموعة من الزعماء قد زالت وانمحت ، وحل محلها طبقة أخري تستعد الزعامة من شعب حر مستنير .

اشترك في نشرتنا البريدية