حمل إلى البريد خطايا مسجلا حول إلى من منزل إلى منزل إلى منزل حتى وجدنى أخيرا فى منزلى الأخير . ولهذا الانتقال قصة لا تخلو من الطرافة . فقد كنت أسكن منذ وضع سنوات منزلا فى جهة ما ، وكان منزلا ظريفا رخيص ، استأجرته فى أيام الرخاء بأجرة كنت أقدر عليها . ثم أتت الحرب وكثرت الأموال فى أيدى أصحاب الحظوظ وبقيت أنا على عهدى اتدارى وراء جدران منزلى وأحمد الله على أن لي جدرانا أتدارى وراءها وكانت الأموال كلما كثرت فى أيدى أصحاب الحظوظ وجدتها تنقلت من بين أصابعى كما يتفلت الماء الزلال . فالشئ الذى كنت أشتربه بقرش صار ثمنه عشرة قروش ، والشئ الذى كنت ابذل فى ثمنه جنيها صار بأبى إلا أن يخطب من يدى عشرة جنيهات وهكذا . فجملة القول أن ذلك المنزل الظريف كان لى ملجأ أحتمى فيه بمروءتى من شماتة العدو .
ولكن رجلا محظوظا من أثرياء الحرب رأى ذلك المنزل الظريف فأعجبه ، وأراد أن يستأجره ليقيم فيه لأن منزله الذي كان يقيم فيه من قبل قد أصبح لا يليق بما صار اليه من وجاهة وثراء وقد علم ذلك السيد الوجيه أن القانون العسكرى لا يبيح له أن يخرج أحدا من مسكنه إلا إذا اشتراء بماله وطلب أن يقيم فيه بحكم عسكرى: فما هي إلا لحظات حتى ذهب إلى صاحب المنزل ويبدل له الثمن الذى يرضيه فى منزله وعد له ألوف الأوراق نقدا وعدا بغير أن تختلخ عضلة واحدة من عضلات وجهه ، ثم بكر فى الصباح التالى وأعلن لى أنه قد صار صاحب الدار ثم أمرنى بالخروج منها وإلا . . . . .
ثم أنفذ وعيد بالفعل فما هى إلا شهور حتى كنت أحمل متاع بينى وأولادى إلى دار أخرى التمستها فى بعض أركان القاهرة ، وحمدت الله على السلامة منذ وجدت ملجأ
جديدا ، ولم يكلفنى هذا من المشقة سوى أننى صرت أدفع فى الدار الجديدة ضعف أجرة منزلى الظريف القديم .
وقضيت حينا من الدهر وادعا فى الدار الجديدة حتى ألست إليها ، وحمدت الله على أننى قد صرت بمأمن من أنظار أثرياء الحرب فى ركنى البعيد ، وجعلت أدبر الأجرة الجديدة باقتطاع جنيه من هنا وجنيه آخر من هناك من أثمان القوت والملبس ، حتى اطمأننت أخيرا إلى ما كان وكفى الله المؤمنين القتال . ولكن ما هى إلا شهور حتى اتفق أن وقع نظر أحد المحظوظين من أثرياء الحرب على الدار الجديدة ، وكان مثل أخيه السابق يريد منزلا جديدا يناسب وجاهته الجديدة . وبالاختصار رأيت نفسى بعد قليل أحمل متاع بينى وأولادى إلى دار أخرى فى ركن آخر من أركان القاهرة تعمدت أن يكون أخفى على الأنظار وأبعد على طلاب الشراء
ولكن ما هى إلا أشهر أخرى قليلة حتى حمل البريد إلى إعلانا بأن صاحب الدار قد باعها إلى مالك جديد وأن ذلك السيد المحظوظ يريد أن يرانى لكى يتفاهم معى على الخروج من الدار فى سلام بغير خصام
فهذا هو المنزل الثالث الذى حول الخطاب المسجل إلى فيه ، وكنت عند تسلمى للخطاب غارقا فى لجة الأفكار يحملنى الخيال على أجنحته فى أنحاء القاهرة طولا وعرضا من الشمال إلى الجنوب ومن الشرق إلى الغرب ، لعلى أعثر على مطنة منزل رابع أنتقل اليه إذا أخرجنى السيد الجديد من المنزل الذى اشتراه وكنت عند ذلك شديد الحنق على الجنيهات الورقية التى لا يجد أصحابها المحظوظون شيئا يشترونه بها سوى تلك المنازل التى ألجأ اليها وأندارى وراء جدرانها
. وزاد حنقى حتى جعلت أفكر فى طريقة من الطرق للتخلص من عنف هذه الجنيهات الورقية فلم أجد طريقة اهتدى اليها سوى أن أصر خ إلى أولى الأمر فينا من رجال حكومتنا الرشيدة راجيا أن تستولى على أوراق أثرياء الحرب بما لها من سلطان ، ولصحتها بذلك لعلمى بأنها تستطيع أن تصرف
تلك الأموال فى وجوه كثيرة من الأعمال خير مما يفعل بها هؤلاء الأثرياء . فهى تقدر أن يحدث بها فى البلاد كثيرا من التعمير والاصلاح والإنشاء والاعانة . فالحكومة بغير شك تستطيع بهذه الأموال الورقية أن تبنى للمرضى المستشفيات وتفتح للجهلاء المدارس وتعطى الموظفين والعمال الاعانات ، وهى تستطيع بها أن تكهرب خزان أسوان وأن تؤسس خزان وادى الريان وتحفر قناة منخفض القطارة ، وتمد سكك الحديد فى كل مكان ، وتنشئ الحدائق العامة للترفيه عن المكدودين وتنقذ الطفولة المشردة من فتك التشريد وتعيد الانسانية إلى كثير ممن أفقدهم الفقر كرامة الإنسان . هى تستطيع ذلك بكل تأكيد إذا جمعت الأموال الورقية من أيدى المحظوظين من أثرياء الحرب ، وسوف لا يضرهم ذلك ضررا يذكر ، لأن الحكومة سوف تبقى لهم بغير شك ما يكفى للحياة المستورة الكريمة كسائر عباد الله .
وفيما كنت أفكر حانقا فى ذلك كله جاءنى الخطاب المسجل الذى كنت أتحدث عنه فى أول هذا الكلام ، ففتحته خائفا لست أدرى ما فيه . فلست أذكر يوما أن البريد حمل إلى خطابا مسجلا يحتوى على نبأ بعلاوة أو ربح يانصيب ، بل كان لا يحمل إلا ما يبعث المخاوف والآلام .
وجملة القول أننى فتحت الخطاب فإذا فيه تذكرتان من جماعة خيرية لانقاذ المساكين كل منهما بمائتين وخمسين قرشا ، ومعهما خطاب ظريف بن أرسل خمسة جنيهات على جناح البريد . رجل مثلى يعمل فى الصباح والمساء ، ويحاول أن يتدارى وراء جدران بيته فيأبى أثرياء الحرب إلا أن يشردوه ومع ذلك فهو يطالب بحنيهات خمسة لانقاذ المساكين . مساكين هم حقا !
وعند ذلك تحقق عندى ما ذهبت إليه فى تفكيرى الحانق . فلو جمعت الحكومة أوراق هؤلاء الأثرياء ، لأمكنها أن تدبر المال لهؤلاء الأشقياء حتى لا يبقى عمل
للجماعة الكريمة التى تدبر لهم المال ، ولأمكنها فى الوقت نفسه أن تحمي أبنائى وأبناء أمثالى من التشرد بين البيوت . على أنى عدت بعد ذلك إلى نفسي أسائلها : أأدفع خمسة جنيهات وأنا أجاهد لكى أمنع صبيتى من التشريد ولا أكاد ؟ وإذا كنت أبذل هذه الجنيهات الخمسة فماذا يجب عدلا أن يبذله الأغنياء القدامى : عبود وكوتسكا وإسلام ؟ وماذا يجب أن يبذل هؤلاء الأثرياء المحدثون الذين عثروا على الكنوز فى أيام الحرب الشعواه ؟
وجعلت أحسب ثم أحسب حتى وجدت ما يجب على أن أدفعه إذا روعى العدل فى تقسيم الأنصباء . فعددت ما أملك فى جيبى وهو كل ما أملك ، وعددت ما يملك غيرى فى جيبه وفى بنكه ، وفى أرضه ، وفى عقاره ، ثم وجدت أننى لا يصح لى أن أبذل لجماعة الطفولة أكثر من مليمين .
وما تبين لى ذلك حتى أخذت التذكرتين وكتبت خطابا أعتذر فيه عن قبولهما ، وأظهرت استعدادى لأن أدفع نصيبى العادل إذا شاءت الجماعة الكريمة أن تلزم العدل ، فعرضت أن أدفع المليمين . ثم وضعت الخطاب فى صندوق البريد .
على أننى عدت إلى نفسى بعد أن أرسلت الخطاب فلمتها على هذا الإسراف . فإن المال الذى تجمعه الجماعة الكريمة لن يصل إلى الطفولة ، إلا بعد أن يناله القص والحذف والتقطيم . فلأم كلثوم منه جزء حلال ، وللنمر الراقصة منه جزء كذلك حلال ، ولسائر الملهيات والملهين أجزاء أخرى كذلك حلال ، ولن يبقى بعد ذلك للطفولة المشردة إلا مثل ما يبقى لى فى اليوم الثانى من الشهر فى هذه الأيام . فوقع الألم فى نفسى ، ولو وجدت عند ذلك سبيلا إلى صندوق البريد لفتحته عنوة ، واستعدت منه خطابى ، فانا أولى من كل الراقصات والراقصين بالمليمين .
نعم أنا أولى بالمليمين من كل هؤلاء ، فأنا أعلن هنا أننى آسف لأننى لن أبذل للجماعة النبيلة شيئا من مالى حتى ولا المليمين . (....)

