الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 157الرجوع إلى "الثقافة"

حجة الوداع، القاضي الفاضل صاحب الامضاء

Share

في السنة العاشرة بعد الهجرة ، أعتزم رسول الله صلى الله عليه وسلم الخروج من المدينة لأداء فريضة الحج وكان الاسلام قد هم جزيرة العرب ، ومن شاء الله من أهل اليمن ، وأذن عليه السلام في الناس بالحج فقدم المدينة بشر كثير يريدون أن يأنموا به .

وفي يوم السبت لخمس يقين من ذي القعدة خرج النبي من المدينة متدهنا مترجلا ومعه ازواجه وأهل بيته وعامة المهاجرين والآنصار . وبعد أن صلى العصر بذي الحليفة ، دعا بالهدى فأشعره بيده في جانبه الأيمن والهدي هو ما يهديه الحاج إلى مكة من الابل والبقر ونحوها . وطريقة الاشعار هي أن يقوم الانسان بشق

جلدها في جانبها او ان يطعنها في سنامها في احد الجانبين بمبضع حتى يظهر دمها . وذلك ليعرف أنها هدى ) - وامر صلى الله عليه وسلم من كان معه هدى أن يهل كما أهل . وسار وبين يديه وخلفه وعن يمينه وشماله أمم كثيرة ، قيل في تعدادهم انهم بلغوا مائة وأربعة عشر ألفا

وطيبته زوجه عائشة رضي الله عنها لإحرامه بيدها ، كما أحرمت هي وتطيبت . وسار الحجيج من المدينة فلما كان على ثلاث مراحل منها سال على وجه عائشة شئ من صغرة الزعفران الذي طيبت به رأسها ، فالتفت إليها النبي صلى الله عليه وسلم وقال : " ما احسن لونك الآن يا شقيراء ! "

ولم يكن يملك النبي عليه الصلاة والسلام في مختلف المناسبات ان يخفى حبه لزوجه الصغيرة الحسناء ، حتى إنه في أيامه الأخيرة حين أخذه الصداع وغلبته الحمى وهو في بيت ميمونة ، رضي الله عنها ، نازعته نفسه إلى الثواء عند عائشة . ولكنه كان على عادته يأبي إلا أن يسوي بين نسائه فكان يحمل في ثوب ثم يطاف به على أزواجه حتى يقسم لهن كما كان يقسم في صحته وكان يقول : اين انا غدا ؟ فيقولون : عند فلانة فيقول : واين انا بعد غد ؟ فيقولون : عند فلانة . وعرف ازواجه رضوان الله عليهن أنه يريد عائشة فقلن : يا رسول الله . قد وهبنا أيامنا لأختنا عائشة فخرج تخط رجلاء في الأرض لشدة ما يعانيه من الضعف حتى دخل بيت عائشة رضي الله عنها . فأقام عندها حتى توفي في حجرها وهو يسند رأسه إلى صدرها

وكان أبو بكر رضي الله عنه قال لرسول الله صلى الله عليه وسلم بالمدينة : إن عندي بعيرا تحمل عليه زادنا . فأذن له النبى في ذلك . فكانت زاملة الرسول وأبي بكر واحدة . وامر صلى الله عليه وسلم يزاد فجمل علي بعير أبي بكر . وكان يتولى البعير غلام لابي بكر يركبه مرحلة ويقوده  مرحلة ، فلما كان بالإنابة عرس الغلام واناخ بعيره فغلبته عيناه ، فانطلق البعير يخبط كيف يشاء . وقام الغلام فلزم الطريق - طريق القافلة - يظن أن البعير سلكها وهو ينشده فلا يسمع له بذكر .

ونزل رسول الله بالعرج فجلس ، وأبو بكر إلى جانبه ، وعائشة إلى جنبه الاخر ، واسماء بجنب الى بكر ، رضوان الله عليهم ، وأقبل الغلام فقال له أبو بكر : أين بعيرك ؟ فقال : اضلني ؛ فقام إليه بضربه وهو يقول : بعير واحد يضل عنك ؟ فجعل صلى الله عليه وسلم يبتسم ويقول : " الا ترون إلي هذا المحرم وما يصنع ؟ "

وكان ال نضلة الأسلميون قد علموا ان زاملة الرسول قد ضلت ، فحملوا جفنة من حيس ( وهو طمام مخلوط من التمر والدقيق والسمن ) ، فاقبلوا بها حتي وضعوها بين يديه فقال " هلم يا أبا بكر . فقد جاءك الله بغذاء طيب "

وجعل أبو بكر يغتاظ على الغلام ، يريد أن يهم به ليضربه مرة اخري . فقال النبي صلى الله عليه وسلم " هون عليك . فان الأمر ليس إليك ولا إلينا معك قد كان الغلام حريصا الا يضل بصيره . فمن هذا - وهو يشير إلي طعام نضلة - خلف مما كان معه . . " فأكل رسول الله صلى الله عليه وسلم وأهله وأبو بكر ، وكل من كان يأكل مع رسول الله حتى شبعوا

وعلم سعد بن عبادة بضياع زاملة النبي ، فأقبل ومعه ابنه قيس بن سعد بزاملة أخري يريدان تقديمها إلي النبي صلى الله عليه وسلم . ولكن الله كان قد رد على الرسول بعيره الضائع قبيل ذلك فقال سعد : يا رسول الله ، بلغنا أن زاملتك أضلت الغلام . وهذه زاملة مكانها . فقال " فقد جاء الله بزاملتنا ، فارجعا بزاملتكما . بارك الله عليكما أما يكفيك يا أبا ثابت ما تصنع بنا في ضيافتك منذ نزلنا المدينة ؟ " ( يشير الرسول بذلك إلى ما كان من تغاني سعد في اكرام وقارنه عند أول شخوصه إلي المدينة مهاجرا من مكة ، إذ كانت أول هدية أتته بعد دخوله المدينة قصمة مترودة خبزا وسمنا ولبنا ، جاءه بها زيد بن ثابت من عند امه . ثم جاءت قصعة سعد بن عبادة وفيها عراق لحم - وهي العظام إذا أخذ عنها معظم اللحم وبقيت عليها لحوم رقيقة ، فتكسر وتطبخ . وكان العرب يأكلون ما بقي عليها من لحم دقيق ويتمششون العظام . وكان لحمها من أطيب اللحمان عندهم - وكذلك كان يحمل الرسول سيفا اسمه " العضب " وهو السيف الذي كان

يحارب به في يوم بدر . وهذا " العضب " هو مما اهداه سعد أيضا إلي رسول الله صلى الله عليه وسلم )

فقال سعيد : يا رسول الله ! المنة ثم ولرسوله . والله يا رسول الله - الذي تأخذ من أموالنا أحب إلينا من الذي تدع . قال : صدقتم ! يا ابا ثابت أبشر فقد أفلحت إن الأخلاف بيد الله ، فمن شاء أن يمنحه منها خالفا صالحا منحه . ولقد منحك الله خلقا صالحا - يريد بذلك أن يزكي إليه ولده قيسا - ) وليس فيما يحب الرجل أن يسمعه من عبارات الثناء ، احلي من الثناء الذي يخلعه الناس على بنيه فما بالك والرسول هو الذي يقدم هذا الثناء ؟

وظل النبي في طريقه حتى دخل مكة . فلما رأي البيت رفع يديه قائلا  " اللهم زد هذا البيت تشريفا وتعظيما وتكريما ومهابة . وزد من عظمه ممن حجه واعتمره تشريفا وتعظيما وتكريما ومهابة وبرا " ولما دخل المسجد بدأ بالطواف قبل الصلاة . فلما انتهي إلي الركن استلمه وقال : " باسم الله . والله أكبر " واستلام الركن هو مسحه وتقبيله - وبعد الاستلام انتهى خلف المقام فصلي ركعتين قرأ فيهما : " قل يا أيها الكافرون " - و" قل هو الله احد " ، ثم عاد إلي الركن فاستلمه ، ورأي عمر بن الخطاب رضي الله عنه إلى جواره ، فالتفت إليه قائلا : " إنك رجل قوي . إن وجدت الركن خاليا فاستلمه . وإلا فلا تزاحم عليه فتؤذي "

فانظر إليه صلى الله عليه وسلم كيف كان رقيقا بصحابه الضعفاء ، وكيف ان كل اعماله واقواله كانت تنادي بأنه إنما بعث حقا ليتعم مكارم الأخلاق .

ودخل الكعبة بعدما خلع نعليه . فلما انتهي إلي بابها صلى ركعتين بين اسطوانتيها المقدمتين ، ثم خرج وكان البيت على ستة اعمدة - ويروي انه دخل بعد

ذلك على عائشة رضي الله عنها ، وهو حزين فقالت : مالك يا رسول الله ؟

قال : " فعلت اليوم امرا ليتني لم اك فعلته ! دخلت البيت فعمى الرجل من امتي لا يقدر ان يدخله فتكون في نفسه حزازة ، وإنما امرنا بالطواف ، ولم نؤمر بالدخول

وظل على ما كان به من الحزن والكابة حتى وفق الله عائشة رضي الله منها إلي التسرية عنه . وكان ما يلقاه الرسول صلوات الله عليه من عطف السيدة عائشة ومواساتها كفيلا بأن يمسح عنه آثار ما علق بنفسه من هذا الحرج .

وبعد أن أقام بمكه ثلاثة أيام سار إلي مني ، وكان بلال إلي جانبه وبيده عود عليه ثوبا وشي يظله من الشمس ، فلما بلغ عرفة نزل بمكان يقال له كمرة ، وقد ضرب له فيها قبة من شعر ، واقام ازواجه في قباب من الخز فلما زاغت الشمس امر براحلته ( القصواء ) فرحلت برحل رث وقطيفة لا تسوي اربعة دراهم ؛ فلما توجه قال ؟ " اللهم حجة لا رثاء فيها ولا سمعة " وما كان لمثل رسول الله أن يفعل ما قد يفعله سواء ، لا ينبغي إلا أن يراه الناس او يسمعوه ، فيحظى من وراء ذلك بمدح الناس إباء ولفت أنظارهم إلي نفسه

وفي بطن عرفة قام رسول الله فخطب خطبته الشهيرة التي استهلها بقوله " ايها الناس إني والله ما ادري لعلي لا ألقاكم بمكاني هذا بعد يومكم هذا ! رحم الله امرأ سمع مقالتي فوعاها . . " الخ

ومديديه وهو واقف بعرفة ، ثم أقبل براحتيه علي وجهة فقال : " إن افضل دعائي ودعاء من كان قبلي من الأنبياء : لا إله إلا الله وحده لا شريك له . له الملك وله الحمد . بيده الخير يحيى ويميت وهو على كل شئ قدير " .

وظل علي راحلته يدعو حتى غربت الشمس ، ونزل عليه وهو واقف بعرفة : " اليوم بئس الذين كفروا من دينكم فلا يخشوهم واخشوني . اليوم اكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ، ورضيت لكم الإسلام دينا " . وكان هذا آخر ما نزل على النبي من آيات الكتاب الكريم .

وافاض رسول الله صلى الله عليه وسلم من عرفات إلى مني ، عن يمينه أبو سفيان بن حرب ، وعن يساره الحارث بن هشام ، وبين يديه يزيد ومعاوية ابنا ابى سفيان على فرسين ؛ فكان يسير العنق ، فإذا وجد فجوة نص ( والعنق هو السير الهادي ، والنص هو السير السريع ) وقال : " ايها الناس على رسلكم . عليكم بالسكينة ليكف قويكم عن ضعيفكم ! "

ومن العلوم أن الافاضة في الحج هي اندفاع الناس بكثرة إلى مني منتشرين متفرقين بعد اجتماعهم في عرفة

ولما انتهى صلى الله عليه وسلم إلى المنحر نحر بيده ثلاثا وستين بدنة بالحرية ، ثم أعطى رجلا فنحر ما بقي ثم أمر من كل بدنة نحرها ببضعة فجعلها جميعا في قدر ، فطبخة فأكل من لحمها وحسا من مرقها . وامر عليا رضي الله عنه أن يتصدق بباقيها .

وبعد ان اتم النبي مناسك الحج انصرف راجعا إلي المدينة ، وكانت عادته إذا قفل من حج او عمرة او غزوة ، فأوفي على ربوة او مثلها ان يقف بها ، ويكبر ثلاثا ، ثم يقول : " لا إله إلا الله وحده لا شريك له ، له الملك له الحمد يحيى ويميت وهو حي لا يموت ، بيده الخير وهو علي كل شئ قدير . ايبون نائبون . ساجدون عابدون

لربنا حامدون . صدق الله وعده . ونصر عبده . وهزم الاحزاب وحده . اللهم إنا نعوذ بك من وعثاء السفر وكابة المنقلب وسوء المنظر في الأهل والمال . اللهم بلغنا بلاغا صالحا يبلغ إلي خير ، مغفرة منك ورضوانا !

ولم يكد ينقضي علي هذه الحجة شهران ، أو يزيد قليلا ، حتى ابتدا مرض رسول الله ، فأخذته الحمى ، وغلظ صوته ، واشتد شكوه ، حتى لقد كان يغمر من شدة الوجع . وقيل إن داءه كان في جنبه وإنه كان ينفث في علته شيئا يشبه نفث اكل الزبيب . ودخلت عليه أم بشر بن البراء فقالت : يا رسول الله . ما وجدت مثل هذه الحمى التى عليك على أحد ، فقال : " ( إنا يضاعف لنا البلاء ، كما يضاعف لنا الأجر ) "

وكان من خبر وفاة رسول الله صلى الله عليه وسلم ان الله تعالى انذره بموته قبل هذه الحجة حين انزل عليه : " إذا جاء نصر الله والفتح ورايت الناس يدخلون في دين الله أفواجا ، فسبح بحمد ربك واستغفره إنه كان توابا " . فانه قال بعدها عليه السلام : لقد نعيت إلي نفسى ثم خرج للحج وهو يحس أنها ستكون " حجة الوداع "

اللهم اجعل ما نلقاه من الأذي في هذه الدنيا كفارة لذنوبنا ، والهمنا الصبر على بلائك ، وضاعف لنا الاجر عند جزائك .

اشترك في نشرتنا البريدية