قدمنا مدريد . وما كنا نظن أننا سنبقى فيها مدة طويلة . فنحن من قبل متأخران يومين عن الموعد الذي حددناه لأنفسنا في برنامج الرحلة . وصاحبي أغراء شمالي أسبانيا كل الإغراء . وهو قد وجد في برغش من الآثار الفوطية ما أغراء وطغى على وقته . وهو قد وجد في شقويه ( سيجوفيا ) من الآثار الرومانية ما أغراه وطغى على وقته . وصاحي يريد أن يرى اكثر ما يمكن من الآثار وفنون المعمار . وهو لا يدع معبداً أو قصراً ، أو قلعة أو جسراً ، أو حماماً أثرياً أو ديراً ، إلا حاول زيارته . ولعل لتخصصه في اللغتين اللاتينية والإغريقية علاقة بهذا الميل الشديد عنده إلى دراسة الآثار والمعمار . ولقد وجد في شمالي أسبانيا ثروة عظيمة من العمائر التي تمثل مختلف الطرز ؛ الروماني والإغريقي والفوطي والبيرنطي والحديث . ولقد تأثرت بميله هذا كثيراً ، وتعلمت كثيراً . وصرت
أقرأ فيما نزور من الآثار معاني كنت عنها غافلا ً، وأرى فيها تاريخا حافلاً ، وأحس أن قرونًا من الفنون والعلوم والسلطان والحضارة قد اختزنت في هذه الآثار الباقية . .
أما أسبانيا نفسها فقد دفعني إلى زبارتها حافزان : أولهما أنني رغبت في أن أرى بعيني تلك المدن والأراضي التي عاش فيها العرب قرونا ؛ أعلوا فيها محمدا ، وخلفوا حضارة ، وخلفوا أدبًا وفناً . وكنت حريصاً في أن أرى أرض أندلس وما بقي فيها ، مما قرأته في كتب التاريخ والأدب عن حضارة العرب . وثانيهما أنني أجد في نفسي ميلاً قويًا إلى دراسة الحياة البشرية الاجتماعية في بيئتها ، وإلى رؤية الظواهر الاجتماعية الناتجة عن تفاعل جهود الإنسان من ناحية ، والعوامل الاقتصادية والسياسية من ناحية اخرى . وكنت من قبل قد زرت غربي أوربا . وفي أسبانيا تجربة سياسية اجتماعية جديرة بالمشاهدة . وأسبانيا
بلاد ربطتنا بها في الماضي روابط قوية ، وكانت في طليعة البلاد الأوربية في ميدان الكشف والاستعمار . وهي نشبه بلادنا في أنها زراعية . ولها صلات سياسية بالعرب في شمالي إفريقيا . أسبانيا هذه ظلت مجهولة لنا في مصر : لغتها وآدابها ، فنونها وموسيقاها ، نظمها السياسية والاقتصادية .
نعم كنت أحسب يوماً أو يومين كافيين لرؤية مدريد . ولكن كيف يجوز لنا أن نغادر مدريد دون أن نرى مدينتى الإسكوريال وطليطلة . إن الوصول إلى هاتين المدينتين من العاصمة سهل ميسور . وشهرة الإسكوريال العالمية يجعلنا لا نفرط في زيارتها . وأنا حريص على أن أرى طليطلة ، تلك التي اجتمع فيها القائدان المنتصران : موسى بن نصير وطارق بن زياد سنة ٩٣ ه - ( ٧١٥ ) . طليطلة التى نسجت حول خزائن أموالها وثرونها كثير من القصص العربية والخرافات ، طليطلة التى وصف العرب جمال كرومها وبساتينها ووديانها ، والتي امتنعت على الغزاة ، والتي ثار فيها البرير مرات كثيرة على الخلفاء الأمويين ، والتي سارت عاصمة مملكة بني ذي النون حقبة (١) من الزمن .
كان لا بد إذاً من زيارتها وزيارة الإسكوريال .
امضينا في طليطلة يوما من الأيام الأربعة التي نزلنا فيها بمدريد . والمدينة في الجنوب الغربي من العاصمة على بعد ستين ميلاً ، قطعناها في أكثر من ساعتين ونصف بالقطار . هبطنا إلى محطة طليطلة فرأينا أجمل بناء عربي حديث في أسبانيا . جدرانها مغطاة بالفسيفساء ، الملون . وسقفها مزخرف بالأشكال الهندسية المتعاشقة ، ما بين مفضض ومذهب ، وأبوابها أقواس وأقبية على عمد من الحجر المجصص . ومشينا إلى المدينة حتى وصلنا نهر ناجه Tajo الذي يدور حول ثلثها ، وهناك وقفنا قليلًا نتأمل القنطرة العتيقة التي لا تزال محتفظة باسمها العربي Alcantara. والتي كان للعرب يد في بنائها وترميمها . ورفعت رأسي
إلى تلك المدينة المطلة من على ، الرابضة على الهضبة الصخرية التي تعلو عن سطح البحر ألفي قدم ، فعرفت السر في مناعتها واستعصائها على الغزاة ، وصعدت وصاحبي درجات تعد بالمئات حتى وصلنا إليها ، وانطلقنا في حاراتها وأزقتها وشوارعها القديمة ، وأشهد أنني شعرت كأني في بلد عربي ؛ دمشق أو القاهرة المعزية ، وبيوتها - حتى الحديث منها - ذوات طراز عربي ، للبيت بوابة كبيرة بمطرقة ، وخلف البواية بهو صغير يؤدي إلى صحن الدار ، الذي تحيط به الحجرات وتطل عليه من الأدوار العليا ، وفي الصحن حديقة بها أشجار النخيل ، وعلى جوانبه مقاعد كالدكك المعروفة في مصر ، وفي وسط الحديقة نافورة ينبعث منها الماء رقيقاً صافياً ، يبلل أوراق الشجر ويلطف الجو الحار وأسوار المدينة - بالرغم من ترميمها - لا تزال محتفظة بأجزاء من العهد العربي .
وقادنا دليلنا - وكان شاباً مصريًا يدرس المعمار في المدينة - إلي آثارها فشاهدنا من الكنائس ما كان مساجد ، ورأينا مسجداً صغيراً لا يزال محتفظاً به رمزاً للعهد الإسلامي البائد ، ورأينا معبداً يهوديًا وإن لم يكن بالمدينة يهودي واحد . وهناك من قمة أحد الأبراج نظرت إلى الوديان المسيحية راقدة متطامنة ، تناوبتها اجيال ودول ، فذكرت أن الأرض لله يورثها من يشاء .
وهبطنا وسرنا إلى محطة القطار ثم عدننا كما أتينا ، عدنا وفي ذهني يتردد البيت :
أما الديار فإنها كديارهم
وأري نساء الحي غير نسائي
كان اليوم التالي من نصيب الاسكوريال . والاسكوريال مدينة صغيرة تبعد عن العاصمة بنحو ثلاثين ميلاً . ولكن الوصول إليها بقطار أسباني يستغرق أكثر من ساعة ونصف ، هكذا القطارات هناك بطيئة . وفي الاسكوريال شاهدنا مجداً قديماً كان عامراً زاخراً بالحياة والحركة ، وأبهة الملك فصار صامتاً مهجوراً إلا من الزائرين . شاهدنا قصر الملك فيليب الثاني وقد صار متحفاً يضم أبدع الصور وأجمل التحف الملكية ، كما هي الحال في قصور فرساي . وشاهدنا مقبرة ملوك أسبانيا وملكاتها ، وهم هناك وقود صمتت أصواتهم ،
وانطوى سلطانهم وأصبحوا مشهداً لكل زائر ، وكانوا في حياتهم لا يصل إليهم الزائر إلا بعد اختراق الأبواب والحجاب . وشاهدنا ديراً من الخارج لم يسمح لنا بدخوله صيانة لحرمته الدينية ، وإبقاء على هدوء سكانه من الرهبان وعزلتهم عن الحياة . وزرنا المكتبة الشهيرة ورأينا نماذج من المخطوطات القديمة الجميلة ، العربية والعبرية واللاتينية والإغريقية . والمكتبة وحدها كنز يحتاج زائره إلى شهور لاستعراض نفائسه .
قلت لصاحبي وقد عدنا إلى مدريد : وماذا نحن في غد فاعلان ؟ قال : إلى متحف البرادو في الصباح ، وإلى مصارعة الثيران في العصر .
والبرادو هو لوفر أسبانيا ؛ جمع من الصور الفنية ما أبدعته أيدي الرسامين والمصورين في أوربا . ذهبنا إليه وجلنا في انحائه عابرين غير متمهلين . وهل يكفي صباح إلا للنظرة العابرة ؟ إنه متحف يحتاج إلي أسابع .
وكانت حلبة مقاتلة الثيران قد امتلأت بالمتفرجين عندما دخلنا . وسقط الثور الأول صريعاً . وعلا صياح النظارة وحماسهم وهتافهم . ثم هوى الثور الثاني ، ثم الثالث ، ثم الرابع . وفي كل دور يعيد المصارعون أساليب الهجوم والدفاع التي اتخذوها في الأدوار السابقة ، وبعد النظارة هتافهم وحماسهم . وكان صاحبي متأثراً متقززاً ، يهمهم ويتمتم قائلا : وحشية ! فظاعة ؛ أى انتصار يهتف له هذا الجمهور المجنون ؟ أهذه مدنية القرن العشرين ؟ وألح صاحبي علي في الخروج ؛ خرجنا قبل أن يصرع الثوران الباقيان .
كان لا بد أن نعود إلى المنزل لنحزم أمتعتنا قبل السفر في الفجر . وانتظرنا العشاء المتأخر كالعادة ، وربة البيت تقول : صبراً ستتعشون الليلة قبل الساعة العاشرة . وفي إسبانيا يتعشى الناس في الهزيع الثاني من الليل . واستلقى صاحبي على فراشه ومدد رجليه ، وقال فجأة : ما رأيك في حياة الناس في إسبانيا ؟ قلت : إنني معجب بالنظام والنظافة واحترام الناس للقانون . ولقد رأيت من كرم الشعب وحرصه على مساعدة الأجنبي فوق ما كنت أتوقع . وهم
بيدون مستوري الحال من الناحية الاقتصادية . أتذكر كيف كنا نذهب عمداً إلى الأحياء الفقيرة فلا نرى فيها جوعاً ولا حفاء ولا تسولاً ، إن هذا أقصى ما يمكن أن تصل إليه بلاد زراعية سكانها نحو من خمسة وأربعين مليونًا . قال : وإذا توافق على النظام الدكتاتوري القائم ، وترى فيه خيراً للبلاد . قلت : إنك تخوض في السياسة وقد اتفقنا على ألا نجعلها موضع حديثنا . فأنت إنجليزي محافظ وأنا مصرى وطني فكيف نتفق ؟ قال : إننا لا نتكلم في سياستنا القومية ، وهذا موضوع لا يمس وطنك أو وطني . فاذكر رأيك بصراحة . قلت : إنني أعتقد أن كل نظام دكتاتوري يخنق الحرية التي هي أثمن شئ في حياة الشعوب ، والنظام هنا . . فقاطعني بقوله : يظهر أنك مازلت مخدوعاً بهذه الألفاظ المغربية الطاطة : الديمقراطية ، الحرية ، العدالة الاجتماعية . . الا تعرف أن النظم السياسية كالمواد الكيمياوية ، تارة هي السم ، وتارة هي الدواء ، وانها يجب ألا توصف إلا بعد تشخيص المرض ؟ ألا تعرف أن الديمقراطية في الشعوب المتأخرة أسوأ من الدكتاتورية في الشعوب المتحضرة ؟ ألا ترى أن الدكتاتور العادل النزيه كالطبيب الماهر يعالج مريضه في حزم وحكمة ، وأن الديمقراطية في الأسرة الجاهلة مفسدة للأخلاق ، مضيعة للمال ، مدعاة للكسل والنفاق ؟ ألا ترى أن ترك مقاليد الحكم للشعب الجاهل مدعاة للفوضى ؟ ألم تقرأ في جمهورية أفلاطون ماذا يحدث للمدينة الفاضلة إذا خضع سراة القوم وساد جهالهم ؟ قلت : على رسلك . لقد صرت الليلة محاضرا لبقاً . إنك من أبناء الديمقراطية ، فكيف يسوغ لك أن تروج للدكتاتورية هكذا . . إن الحكم على نجاح أي نظام من نظم الحكم يحتاج إلى إلمام بنواح كثيرة من الحياة الاجتماعية والاقتصادية والثقافية ، فلماذا تتعجل الليلة الرأي النهائي ؟ قال صاحبي : تعال إذاً نبدأً ناحية فناحية . .
وصاحت ربة البيت : العشاء العشاء ! فهب صاحبي من مضجعه وانصرفت أيضاً معه .
( ما نشستر )

