أتوقع أن يحدث بمصر عقب هذه الحرب انقلاب اجتماعي خطير ، كما حدث انقلاب سياسي خطير عقب الحرب الماضية .
ولست أدري : أمبعث هذا التوقع هو ما أشعر به . شخصيا من ضرورة هذا الانقلاب ؟ أم هو الأمر العمم الذي يعم نفوس الجميع ويأخذها بإرهاصاته ومقدماته . كما هو الشأن قبيل حدوث الانقلابات العظيمة في تاريخ الأمم .
فإن كانت الأولى ، فهذه الأحاديث لن تكون أكثر من صور ساخطة تعكسها نفس تحب الكمال وتنشده
لبيئتها ، فلا بأس أن ينظر القارئ نظرة افتقار لما يكون فيها من الوان التبرم بالواقع السيئ الذي يبعث في النفس ظالا من التشاؤم ، ويثير في الحياة ضبابا من القتام والسواد
وإن كانت الأخرى فالحديث هنا في " مجلة الثقافة " حديث في موضع أصيل حقيق أن تعرض فيه المباحث والآراء حول الإصلاح المنشود من الانقلاب المتوقع ، ذلك الإصلاح الذي نتمني منه أن يسوي لنا " مشكلة العيش ، قبل أن يسوي لنا مشكلات الفكر والفن . . وأن يحدثنا في ضرورات الحياة قبل الحديث في " الترف العقلي" الذي تسلط على عقول مفكرينا ففتنهم وأغواهم ، وأخذهم من الصفوف العاملة ، كما تسلط الترف المادي على قلوب أثريائنا ففتنهم وأغواهم وعطل قواهم .
وقد تلفت في جنبات الوادي أبحث عن جماعة يمكنها أن تحتض فكرة الإصلاح المنشود لمصر والشرق العربي في يقظة وإدراك ، وتسير بها في نمو مطرد وازدهار ، فلم أحد مثل هذه الجماعة المتآخية المستنيرة " لجنة التأليف
والترجمة والنشر " ، الدائبة التي ظلت تنمو متماسكة زهاء ، ثلث قرن تقريبا ، في بلد لا تجتمع فيه جماعة إلا لتفترق متعادية ، خالقة من أسباب الوصل أسبابا للقطيعة . ذلك لأنها جماعة تعارفت نفوسها قبل أن تجتمع أسماؤها تحت عنوان واحد . . وأكثر جماعاتنا تؤلف قوانينها ونظمها قبل أن تأتلف أشخاصها ، فهي تجتمع بالأجسام وتتعارف بالأسماء ، ثم لا تلبث النفوس أن تتفرق بعد أن تتكشف وتستبين دخائلها عن تناكر فاحش وبون شاسع لا يمكن أن يلتقي معه قوم على هدف واحد . .
ولكن اللجنة متسعة التكوين ، وافية العناصر التي تمثل جميع اتجاهات الفكر في مصر ، يتغذي كل فرد فيها من آراء كل فرد وثقافته ، حتى لتجد أدباءها علماء ، وعلماءها أدباء ، وذوي الثقافة الشرقية من أعضائها يحسنون الحديث عن ثقافة الغرب ، وذوي الثقافة الغربية يحسنون الحديث عن ثقافة الشرق ؛ فهي حلقة اتصال قوية بين الشرق والغرب ، تستطيع أن تقول لكل منهما عن الآخر فيسمعا لها .
وجل أفرادها معلمون أو مشرفون على شئون التعليم في مصر ، ابتدأت أيديهم تتصرف في مقاليده وتوجه حركاته ، وهو مركز لعمر الحق عظيم ! والمعلمون مهما اختلفت آراؤهم فهي تجتمع لدي مثل عليا متقاربة غير متطرفة ؛ لأن مهنتهم تعلمهم أن يراعوا قانون التدرج ، وألا يختلسوا حق الزمن في إنضاج الثمار ، وأن يتخذوا الأبجديات الأولية قواعد ارتكاز . فهم أبعد الطوائف عن الأخذ بالطفرة والانقلابات العكسية التي تفلت معها أعنة الأجيال ومقاودها ، لأنهم يدرسون علوم النفس درس صناعة . .
ثم إنها جماعة تدين بالأفكار ذات الوزن والمحصول كثر مما تدين بالآراء ذات الرنين والأجواء الشعرية غير العملية ؛ ولذلك جعلت النتاج العلمي محور جهدها وحجر
ارتكازها في إنهاض مصر والشرق العربي .
ولا شك أن موقف هذه الجماعة كان صحيحا جدا إلي الآن ؛ حيث أرادت أن تبصر قومها وتوسع آفاقهم بما عند الغرب من ثقافات وعلوم وفنون حتى يأخذوا إخذه ، ويجاهدوه بوسائل جهاده وينافسوه في إنماء الميراث الإنساني .
غير أنه يحسن بها الآن أن تسلك في جهادها لحركة الإصلاح العامة مسلكا آخر بوازي مسلكها الحالي ، فتعمل على توجيه ثقافة البلاد نحو أهداف معينة تدرسها وتؤمن بها ، وتتحول من جماعة خصمت جهدها للتأليف والترجمة والنشر إلي جماعة لها بجانب ذلك دعوة وبرامج ونظام واسع للعضوية والجهاد والصدام إذا لزم الأمر . . .
فقد امتلأت أوعيتنا بقضايا العلوم والآداب والفنون ، وتفتحت عيوننا على آفاق الحياة الغربية وأسرارها ، وأدركناها ودعونا كثيرا من مظاهرها إلينا ، وآمنا بضرورة الأخذ بأسباب المدنية العلمية والصناعية كإيماننا بعقائدنا . وبقي علينا أن نشرع في السير باجتماع على مقتضي ما أدركنا سيرا جمعيا لا فرديا ، حتى لا تتشعب بنا السبل أكثر مما تشعبت ، وتتفرع برامج دراستنا ومعاهد تعليمنا أكثر مما تفرعت ، فنفترق فراقا لا لقاء بعده إلا في أعماق هاوية الفوضي والبلبلة والاضطراب ، وبئس اللقاء! فلو خلى أرباب الثقافة والفكر بين مصر بعد الحرب وبين تجار السياسة ومحترفي الشعوذة الوطنية وسماسرة المال ودجاجلة الإصلاح ، وتركوهم يعوقون سير مصر إلي موجبات الحياة الحافلة التي يعرفها معرفة الرأي في عقله كل من يتصل بالحياة العالية فكرا وروحا وصناعة وتجارة وتعليما ، إذا لكانت جناية هؤلاء المفكرين المدركين جناية الذين يكتمون ما أنزل الله من البينات والهدي ويكذبون أهلهم في الريادة . " والرائد لا يكذب أهله ! " وإن ما طمس في نفوس أكثر الشباب من جمال الروح
وقوة الرجولة ، وما وضع أمامهم من السدود التي تحجب عنهم آفاق الشرف والمجد الوطني والسمو الروحي ، لشيء خطير حقيق أن يوقظ كل مخمور مأخوذ بتخبيلات الخمر والحبر ! وأن يردع كل شهوان بشهوات الجسم والفكر . . وأن يدفع الجميع إلي الموقف العقول في مثل هذه الظروف . .
وإن الترف العقلي ليهلك الأمم كما يهلكها الترف الجسدي . ومسئولية المترفين عقليا أعظم ، إذ يدركون الحقيقة والعدالة ، ثم يتركون السعي لإقرارهما بين الناس كافة ؛ لأنهم مثقلون بشهوات العلوم وهويات الآداب والفنون ، يهيمون في وديانها منفردين ؛ " ومنهومان لا يشبعان : طالب علم وطالب مال " .
ولو أن المشغولين بالترف العقلي في مصر أجمعوا أمرهم على عدم سبق أمتهم والانقطاع عنها ، والمشغلة بآخر مستحدثات الأفكار والآراء ، بينما السواد الأعظم من أمتهم لم يهتدوا بعد إلي الخطوات الأولى التي يجب أن تخطى في طريق الحياة الضرورية ، إذا ما كان يحدث هذا الذي أصابنا من تقطع الأمر وبلبلة الآراء ، ووجود فريق من الأمة يعيش في قمة الحياة الفكرية والفنية ، بينما يعيش الفريق الآخر وهو الأكثر متخلفا عن سير الحياة بالأحياء في زمن يجري . وإذا استمررنا على هذا الحال بدون تداركه ، فسوف لا يمضي طويل عهد حتى نفقد فقدانا كليا راحة الجماعة الواحدة الأهداف ، السائرة على جادة واحدة ، المتقاربة النزعات والميول ، ستكون كتلك النباتات التي تتشعب فروعها مجرد انشقاق الأرض عنها ، فلا تجتمع في ساق واحدة قوية ، وجذع غليظ ينصب قوامها ويقيم عمودها ، ويوحد أليافها حتى تكون بناء مرتفعا عن حياة الانحطاط والضعف ، ثم تتفرع بعد ذلك ، بعد أن يكون أساس حياتها ومجري غذائها واحدا .
فلننصرف في إجماع إلي إصلاح الحاضر فترة من الزمن نقيم فيها أساس الحياة الصالحة المنشودة لجميع أفراد الأمة . فمن الخير والوفاء أن نتفرغ أولا لإصلاح الحياة المصرية
لنلحقها بقافلة الحياة العامة ، ثم نعود لهواياتنا العقلية والفنية التي قد تضيف إلي التراث الإنساني جديدا ، ومن العقوق لمصر وللإنسانية كذلك أن يكون بيننا علماء مترفون عقليا وجهلاء مدقعونه عقليا ، وليس هناك وسط تتدرج عليه طبقات الأمة من الحضيض إلي الأوج .
وسيظل هؤلاء الأرستقراطيون فكريا معذبين بجهالة أمتهم ، ومحاسبين على حماقات سفهائها ، ومهددين بانتقال أمراضها الفكرية إليهم وإلي ذرياتهم ، فإن المجاورة بين الأصحاء والمرضى عقليا لا تقل خطرا عن المجاورة بين الأصحاء والمرضي جسميا .
لقد ترك المفكرون المصريون أمتهم ينمو أفرادها في فترة السلم الماضية كما تنمو الأشواك في الغابة . . كل شوكة مسددة إلي جارتها التي في مدقها . . وتركوا أمراض الجهالة ، وعدم الثقة تسري في النفوس حتي هدت قواها ، فلا تستطيع الآن أن تقاوم هذه الأزمة بجشعها وإغرائها ، وإفساد الذمم فيها . .
والآن فقط ابتدأت الأقلام البليغة تفرد مقالات في معالجة أزمات البيض والجاز واللحم وما إليها ، وأخذت مجلات الفكر العالي والفن الرفيع تفسح صدرها للحديث في هذه الشئون بعد أن كانت مشغولة عن ذلك بالأبحاث العميقة عن أفلاطون وأفلوطين وجندب والشنفري . . ومذاهب الأدب و " طقاطيق " الشعر . .
والآن فقط ابتدأت الحكومة تشعر بإفلات الأمر من دائرة قانون العقوبات ، واتصاله بالضمائر قبل اللوائح والدساتير
والآن يشعر الذين كانوا يعيشون في الأبراج العاجية والصوامع الجامعية أنه كان لابد لهم أن يعوجوا في فترات السلام على سكان أكواخ الطين والسرجيين . . وأن جسم الدولة لا بد فيه من صلاح القدمين كما لابد فيه من صلاح الرأس . . وأن الأظفار إذا أهمل أحدها على تفاهة شأنه حتي دمي وتقذر وتقيح ، فهو جدير ان يسمم الجسم كله ويرديه .
أجل ، إن رجل الشارع والحقل والمتجر والمصنع والمزبلة ، له في الدولة ما لأي كان من تأثير.. فإن لم ينل قسطه من التهذيب وفهمه معنى الوطنية والإنتساب إلى الأمة ويقظة الضمير ، كان حريا أن يؤتى أمته من قبله في زمن تحتاج فيه إلى أن تكون كل خلية في جسمها صحيحة سليمة يقظة لمدافعة الأذي والسموم ، كهذا الزمن الذي لا يجدي الأمة فيه إلا الضمير الحي الحارس المتأني على عوامل الحشع والإغراء.
فليمض الماضي بآلامه وآثامه . . وليقبل المستقبل بآماله وأعمله . وليكن لنا من أزمات الحاضر وعقده وخروقه عظات تبلغ في نفوسنا حدا نبلغ به الآمال وصلاح الأحوال غداة " البعث " من هذه القيامة الصغري . .

