روى البخارى عن أبى هريرة رضى الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (إذا سقط الذباب فى إناء أحدكم فليغمسه كله ثم ليطرحه فإن فى أحد جناحيه شفاء وفى الآخر داء) أجاب بعض الأطباء بمجلة (الدكتور) عدد فبراير سنة ١٩٤٩ (بأن هذا الحديث مكذوب وكلام لا يصح أن ينسب إلى النبى مهما كانت قيمة راويه، ولا الكتاب الذى وجد فيه) ومن هذا التاريخ واليت البحث للحصول على ما يؤيد هذا الحديث من الناحية الطبية، حتى أصدرت مجلة (لواء الإسلام) عدد سبتمبر سنة ١٩٥١ فتوى بأن هذا الحديث صحيح من ناحية السند، وذكرت الطرق التى ورد بها هذا الحديث، وبهذه المناسبة نشرت بمجلة لواء الإسلام عدد أكتوبر سنة ١٩٥١ ذلك البحث الطبى نقلا عن (المجلة التجارية الطبية الإنجليزية) عدد ١٠٣٧ سنة ١٩٤٧ ما نص ترجمته: (أطعم الذباب من زرع ميكروب بعض الأمراض، وبعد حين من الزمن، ماتت تلك الجراثيم، واختفى أثرها، وتكونت فى الذباب مادة مفترسة للجراثيم تسمى (بكتريوفاج) ولو عملت خلاصة من الذباب فى محلول ملحى لاحتوت على (البكتريوفاج) التى يمكنها إبادة أربعة أنواع من الجراثيم المولدة للأمراض، ولاحتوت تلك الخلاصة أيضاً على مادة خلاف البكتريوفاج نافعة، ضد أربعة أنواع أخرى من الجراثيم - وقد برهن على ذلك الأستاذ الدكتور (دريل) مندوب الصحة البحرية والكوربنتينات المصرية فى الهند للبحث عن ظهور الكوليرا بها، وأنجح الطرق
لمقاومتها، وقدم تقريرا مفصلا فى ديسمبر سنة ١٩٢٧ عما أجراه مع زملائه من الأبحاث الفنية والتجارب العلمية، فقد ذكر فى تقريره أن (البكتريوفاج) أجسام حية صغيرة جدا أمكن تكوينها ورؤيتها بترسيب ذرات الفضة عليها، وأنه حصل على البكتريوفاج وتمكن من زرعه وتنميته وإذابته فى الماء، وأعطى محلوله المرضي بنسب مخصوصة. وبزيادة الجرعات وتنظيم تناولها كان المريض ينال الشفاء في يومين أو ثلاثة، وأثبت أن الذباب يؤدي عملية أخرى عظيمة من نوع ما تقدم، ولكن لا أرى من المناسب ذكرها الآن - وأجريت مثل تجارب الأستاذ (دريل) فى البرازيل عن الدوسنتاريا الحادة، واستعمل البكتريوفاج فى إيطاليا فى علاج الحمى التيفودية، وكذلك ضد جراثيم الاسنا فيلوكدك فافار) وبناء على ذلك قلت: إن هذا الحديث معجزة للنبى صلى الله عليه وسلم حيث أثبته الطب الحديث بعد أربعة عشر قرنا - وقلت: إن من كتب بتكذيب الحديث يجهل الناحية الطبية - وأثبت فى هذا المقال درجة أبى هريرة راوى هذا الحديث عن رسول الله، وحرص الإمام البخارى صاحب (كتاب البخارى) الذى ذكر فيه هذا الحديث على الأحاديث النبوية. وقد علق على هذا البحث الطبى الدكتور (نجيب بك قناوى) بعدد نوفمبر سنة ١٩٥١ من مجلة (لواء الإسلام) مثبتا لوجود (البكتريوفاج) فى الذباب حيث قال بالحرف الواحد: (إنما أود أن أبين باختصار جدا أن مادة (البكتريوفاج) هذه ليست قاصرة على الذباب فحسب، بل يمكن استخلاصها من كل مكان وحيوان، فهى موجودة بكثرة فى براز الفراخ وبعض الطيور والحيوانات الأخرى، ومنها الإنسان وحتى الماء والهواء) ثم ذكر مسائل دينية يطلب الإجابة عليها من العلماء الشرعيين، وأورد عبارة عن (المنار) تتعلق بحديث الذباب؛ ثم ختم عزته تعليقه بشكرى على هذا البحث فى تمحيص حديث الذباب، خصوصا من الوجهة الطبية: (فإنه قرب إلينا نحن الأطباء بحث مادة (البكتريوفاج) فى الذباب، ولذا فإنى شرعت من اليوم مع بعض زملائى البكتريولوجيين فى
إجراء بحوث عملية مختلفة على الذباب والبكتريوفاج أى ملتهم الجراثيم سأنشرها عند ظهور نتيجتها، لعلها تبين بطريق أوضح سر معنى حديث الذباب. ومهما قمنا من أعمال وبحوث فما زلنا عند قوله تعالى: (وما أوتيتم من العلم إلا قليلا) . وقد رددت على أسئلته الدينية فلم تنشرها لواء الإسلام - ثم عاد طبيبنا الأول فكتب فى مجلة الدكتور عدد أكتوبر سنة ١٩٥١ ضد هذا الحديث - كما عاود الكتابة فى عدد نوفمبر سنة ٩٥١ من هذه المجلة أيضاً وأيده فى ذلك ثمانية من الأطباء المحترمين فى هذا العدد بالذات - ونظرا لما ورد فى مقالات الطبيب الأول وفى بعض المقالات الثانية حينما أرادوا معالجة (حديث الذباب) أوقعوا أنفسهم فى مضاعفات دينية اتسع عليهم فيها الجرح، فذكروا أحاديث مكذوبة نسبوها إلى رسول الله، وفسر بعضهم آيات قرآنية على غير ما أريد منها، وتقولوا على فقهاء الدين وبعض العلماء الإجلاء ما لم يقولوه ورددت على هؤلاء الأطباء التسعة، وطلبت من مجلة الدكتور نشره فى المكان الذى نشرت فيه مقالات الأطباء الثمانية ليطلع القراء الكرام عليه كما أطلعوا على هذه المقالات المذكورة، تمشيا مع حرية النشر، وبسط الآراء لجمهور القراء، ووقوفهم على الحقيقة، وتصحيحا للأخطاء الدينية التى وردت فى مقالاتهم خشية أن يعتقد بصحتها لا دراية له بهذه المسائل. وبكل أسف لم تنشر هذه المجلة الرد بحجة (أننى تهجمت على الأطباء، وأن الرأيين نشرا على الجمهور: رأى المؤيدين للحديث، ورأى الأطباء المخالفين. فعلى كل إنسان أن يختار بين أبى هريرة، وبين شتى الأمراض التى ينقلها الذباب)
قلت لعل الأمر انتهى إلى هذا الحد وأقفل باب الكتابة فى هذا الحديث، ولكن عاود طبيبنا الأول الكتابة فى هذا الموضوع للمرة الثالثة غير الأولى وأباحت له المحلة ذاتها النشر بعد ما منعت ردنا على الأطباء الثمانية فقال فى عدد ديسمبر سنة ١٩٥١: (فالبخارى رحمه الله مظلوم، ولا ذنب عليه، ولم تميز فراسته ما خفى بين طياته (أى الحديث) من شر
وعبث بالصحة، وبهذا الدين الحنيف، ولا لوم على البخارى فقد وثق بإنسان فدس عليه هذا الحديث - ولو كان البخارى فى زمانه يعلم مضار الذباب التى أثبتها العلم والطب، لاستحى من تدوين هذا الحديث المزعوم مهما كان مركز راويه) ثم تكلم على حديث الآحاد، وحمل حديث تلقيح النخل على غير ما يراد منه
فهل تسمح لنا (مجلة الرسالة الغراء) وتسعفنا ببسط ردودنا على هذه المقالات على صفحاتها وهى المنبر الحر الذى لا يخشى فى الحق لومة لائم، وأنها عودتنا والقراء أن نقرأ لها البحوث الدينية والعلمية والأدبية والآراء الحرة حتى تخلص البخارى من هذا الوصف الذي لا يتناسب مع مركزه؟ (يتبع)
