ألا رحم الله إبراهيم الدباغ الشاعر الناثر الفكه الخفيف الروح، فقد كان محدثاً طليّ الحديث يحب المرح والمفاكهة، ويرى في الحياة المرسلة على السجية فلسفة ومنهجا. فلم يكن يخضع حديثه - أو شعره - للقيود التي تفرضها حياة المجتمع، ولم يكن يقول: هذا جائز خلقياً وهذا غير جائز، بل كان يمضي في الحديث مسترسلا إلى حيث يقوده، وينظم الشعر كيفما واتته القريحة. ولعل هذا سبب من الأسباب التي تحول دون نشر جانب كبير مما قرضه من الشهر، ودون تسجيل كثير من المساجلات الفكهة التي اشترك فيها الدباغ في صومعته مع زائريه وخلانه.
وكان الدباغ منذ عام تسعة وعشرين وتسعمائة وألف يبعث إلى ابن أخيه الأستاذ مصطفى الدباغ في فلسطين رسائل يطويها على آراء له، ونصائح يبديها، ودروس في اأدب والشعر يسوقها متحللا من المجاملات الشخصية، متذرعاً بالصراحة السافرة التي قد تغضب المعنيين.
وقد تجمع للأستاذ مصطفى الدباغ من رسائل عمه إبراهيم الدباغ طائفة كبيرة، فآثر أن ينشرها ويذيعها كما هي ليطلع القارئين على ما كان يعن لهذا الشاعر الفلسطيني من رأي، وعلى ما كان يعتنقه من منهج يجعله ديدنه في الحياة.
وفي هذه الرسائل تعرض لكثيرين من الأدباء في مصر وفي غير مصر، وأصدر في كل منهم حكما يتسم بالصراحة والإبانة وقال في كل منهم قولا فامتدح من رآه أهلا للمديح وذم الذين عدهم مستأهلين للمذمة.
ولنذكر على سبيل التسجيل طائفة من آرائه في المعاصرين والمحدثين من أهل الأدب.
قال في الدكتور شبلي شميل: كان شبلي يغضب للإلحاد، لا لرب العباد، ويسب الدين والديان، إذا عارضه في نظرية القرود إنسان.
وقال في الدكتور زكي أبي شادي: الدكتور أبو شادي سريع الخاطر في إنشاد القصائد، شغوف (كذا) بإذاعتها على علاتها. وقال في الدكتور زكي مبارك: إن نشاطه ومثابرته في الحياة الأدبية والاجتماعية ليست في حاجة إلى التدليل، وآثاره تملأ الأفق وتحجب ضوء الشمس، والنثر الفني جهاد سبع سنين مع غيره من المشاغل، وقد ظهر له خلال هذه السبعة الأعوام طائفة من الكتب ولم نسمع عنه أو منه تبرماً بالوقت والناس.
وهو يدون كل ما يقع تحت حسه ونظره فلا تفلت منه شاردة ولا واردة إلا وألقى لها رخاً من عقله وبازياً من براعته، وهذا ما يجب على كل أديبيحس بالحياة ويشعر بلذة العمل.
وفي الشيخ نجيب شاهين: على حديثه مسحة القرآن وأثر الاقتباس ولغته مبتذلة مع ما فيها من رنة الطربَ.
وقال في طه حسين: أعتقد أن مؤلفته كلها عقيمة، وليست ذات قيمة
وفي سلامة موسى: إنه وطه حسين أشد بخلا وإمساكا مما يتصور المتصورون، وعلى العكس مبارك وخليلمطران فلاهما مكساب مهلاك.
وفي الشعراء: بعد شوقي لا يليق أن يكون كبير شعرائنا أحد غير واحد من هؤلاء الثلاثة. مطران. محرم. الكاشف.
فالقارئ يرى أن الدباغ لا يفتقر إلى الجرأة ولا يخشى أن يصدر الرأي في قوة وثقة. وقد نختلف معه في كثير مما أرتاه ونعارضه في بعض المذاهب الاجتماعية التي دعا إليها، ولكن هذا لا يحول دون أن نذكر له أنه صاحب رأي يعرف كيف يلقيه مغمض العينين غير مبال بما يكون له من دوي.
ولقد كف بصر إبراهيم الدباغ قبيل وفاته بسنوات وسنوات فكانت هذه الملمة مدعاة لانطوائه على النفس ونفوره من الناس وإيثاره الانزواء وقعود الدار عن مخالطة أهل ندوته. وما فتئت الأمراض تقبل عليه وتنهش بدنه حتى كانت منيته ذات يوم، ونعاه الدكتور زكى مبارك وشيع بنفسه جنازته.
وهذه المحن - فيما يبدو من رسائل الدباغ - جعلته برماً بالحياة ضيقاً بكل ما فيها، أقرب إلى التشاؤم منه إلى التفاؤل
وإن كانت هذه الظاهرة لم تستطيع أن تأتى على محبته للفكاهة وتعلقه بها.
وحديث الدباغ في رسائله التي جمعت في كتاب (حديث الصومعة) حديث متشعب مستفيض يبدأ من مكان وينتهي إلى آخر ويمر في الطريق على ألوان شتى من الأفكار. ولكن هذا الحديث مشوق مبعد للملل يهيئ لك أنك تصغي بنفسك إلى إبراهيم الدباغ وتجلس معه مرهفاً السمع مصيخاً الأذن. ولك إن شئت أن تقاطعه وأن ترد عليه، لأن الجريء في إذاعة الرأي، واسع الصدر لقبول كل رأى.
