الرجوع إلى البحث الذهاب لعدد هذه المقالة العدد 279 الرجوع إلى "الثقافة"

حديث الغرفة

Share

الغرفة التجارية البريطانية ، هي غرفة تجارية ككل الغرف، ولكن لها مركزا ممتازا بسبب تلك الصفة الأخيرة التي تلحقها . ذلك لأن الإنجليز تجار بالطبع ولو لم يكونوا كذلك لكانوا تجارا بالتطبع ؛ وقد قضوا القرن الحاضر والماضى وما قبلهما يمارسون التجارة بين الأمم عبر البحار والمحيطات . فهم في شئون الاقتصاد لهم خبرة لا يجاريهم فيها غيرهم من الأمم . والغرفة التجارية البريطانية هذه لها سبب آخر للتميز ، ذلك بأنها في مصر ، فهي تمثل الصوالح البريطانية ، من تجارية واقتصادية ، في هذه البلاد ، حليفة بريطانيا . فالآراء التي تصدر عن تلك الغرفة آراء لابد أن تنفتح لها الآذان وسعها

وقد جرى التقليد بأن يكون لهذه الغرفة تقرير ينشر في الملأ كل عام ، يمهر بإمضاء رئيسها ، يتناول فيه رأيه ورأي الغرفة في الحالة الاقتصادية المصرية وكان رئيس

هذا العام ، وصاحب التقرير ، المستر شرفيه وهو كندي الأب ، ولكنه شرقي الموطن ، فقد قضى في الشرق نيفا وعشرين عاما ربما كانت أكثر من نصف عمره . وهو رجل قد لا يسمع الجمهور المصري كثيرا باسمة ، ولا تتحلى الجرائد دائما برسمه ، لأنه يعمل في جو من الاقتصاد صامت . وأرباب الاقتصاد في أيديهم مقاليد الأمور ، ما بطن منها . وهم أهل حصافة ينظرون إلي هذه الدنيا كما ينظرون إلي الجوزة ، فيطلبون لبها الباطن ، ويتركون لغيرهم قشرها الظاهر .

والمستر شرفيه فوق هذا رجل ظريف وصديق ذاكر . وقد تناول في تقريره السنوي عن مصر امورا لها خطر كبير

فمما تناوله أمر الغلاء في مصر ، فقال إن علاجه في تقسيط الأقوات والحاجات تقسيطا شاملا كاملا ، وقال إن هذا غير ممكن في هذا البلد " لأن الشرط الأساسي لذلك غير موجود فيها ، وهو رغبة المستهلك في هذا التقسيط رغبة صادقة ، واستعداده للتعاون في إنجاحه وهذه كلمة لا شك صادقة . فالتعاون في مثل هذا إنما هو مظهر من مظاهر الوعي الاجتماعي الذي لا يكاد يكون له في مصر وجود والوعي الاجتماعي ضائع لأن العدل الاجتماعي مضيع ، وحيث لا عدالة ينصرف الناس إلي استخلاص حقهم بالحق وبالباطل ، كل على مقدار القوة في ذراعه والطول في باعه ويزيد في ضياع العدل الاجتماعي ، وجود طوائف كبري في مصر غير مصرية ، ولكن بأيديها ثروة مصر . والوعي الوطني عند هؤلاء ليس علي أفواه، وصاحب الثروة أبعد الناس في وقت الضائقة عن وعي اجتماعي يحرمه ما اعتاده من وسعة الثراء ، لا سيما في بلد جاءه كطالب عهد في عدل أو في غير عدل

وذكر المستر شرفيه في هذا الصدد طريقة استخدمها البريطانيون في مكافحة الغلاء في بلادهم، هي طريقة

الإعانات تبذلها الحكومة في سبيل تخفيض أسعار السلع حيث السلع أساسية . وضرب مثلا لذلك السكر ، فقال في صراحة شائقة : " إني أعتقد أنه لم يكن هناك حاجة في رفع سعر السكر " ولكنه لم يذكر سببا . وقال عن الكيروسين ، إنه ما كان يجب ان يزيد ثمنه ، وإن الزيادة المطلوبة في تكاليفه كانت تعوض برفع ثمن البنزين . وهذا رأي لا شك أقرب إلي مواساة الفقير . والتزام ذكره ، وأجور النقل في المدن وفي الضواحي ، من الترام وغيره . أنكر رفعها

وعرج المستر شرفيه فيما عرج على أذون الاستيراد والتصدير . فقال عن الإصدار إن الحكومة أنقصته إلي حد بالغ ، وإن جدول الأشياء التي يمنع تصديرها يطول من يوم ليوم ، وإن في هذا خنقا لحرية التجارة أولا ، ثم فيه تضييع لما تصبو إليه مصر من تميز في سياسة أمم الشرق الأوسط . ثم قال : " إن أمم الشرق الأوسط يجب أن ترتبط أولا بروابط من التجارة قبل أن ترتبط بروابط من السياسة . وإن الروابط السياسية لا يمكن أن تخرج من دائرة الأحلام إلي دائرة اليقظة إلا إذا سبقتها الروابط التجارية . وهذه الروابط التجارية لا يمكن أن تجتمع أطرافها فتنعقد في غير مصر "

ومن الممتع أن ينظلق مثل هذا الصوت في نفس الوقت في إنجلترا نفسها . فقد كتب المستر كنت وليمس في المجلة الآسيوية ، وهي تصدر في لندن ، يقول عن الوحدة العربية ؛ " إن أمل العرب في الوحدة أمل حي ، وهي كعبة العرب أجمعين مهما اختلفت طرقهم إليها . وقد أصاب العرب الحكمة لما تركزوا علي الوجهة الاقتصادية والوجهة الثقافية قبل الوجهة السياسية ، فقد علموا أن الكيان السياسي الذي لا يقوم على أسس اقتصاد سليمة لا يبقي طويلا . ومصر في اقتصاد الأمم الشرقية سيكون لها دور هائل تلعبه لخير هذه الأمم جميعا "

فالمعني واحد وإن اختلف اللفظان ، وإن انبعث الأول

في عاصمة وانبعث الآخر في عاصمة ، هذه مشرقة وتلك مغربة

ولا شك يتصل بهذه السياسة التي تبنت ما يجري في بلدان الشرق اليوم من مؤتمرات . فمن مؤتمر زراعي إلي آخر مالي ، إلي ثالث ورابع ، لا نحسب أحدها سوف يخرج عن دائرة الاقتصاد . ومعني هذا أن دائرة الثقافة ترك أمرها لتلك الأمم تجتمع إليها بدافع من نفسها . ولا شك فيما سيكون لهذه المؤتمرات من نجاح ، فقد أمن اجتماعها ، ولو في الصعيد الواحد ، أن الداعي غير عربي ولا شرقي . وأمن نجاحها أن الأعضاء سواسية فيما دعوا إليه ، وأنها استشارة لا جبر فيها . فإن احتفظ أعضاؤها بحرية العمل ، واقتصرت بريطانيا على النصيحة وأخلصت النية فيها ، وهي لا شك مقتصرة عليها مخلصة فيها ، أنتجت هذه المؤتمرات أداة دائمة للعمل الناجح ، ومهدت بها لحسن تفاهم موطنه مهج القلوب لا بطون الأوراق

ولخطورة هذه الغاية الاقتصادية ، نزيد القارئ اقتباسا مما قرر رئيس الغرفة التجارية البريطانية . قال : " ويجب على الحكومة المصرية ألا تترك هذه القيود تؤثر في الخطط المرسومة لجعل مصر مخزن الشرق الأوسط ، ومركزا هائلا للبضائع من كل صنف يهرع الجيران للشراء منه عن طيب خاطر، وفي سبيل ذلك لابد من احتجاز مناطق تخرج عن الدوائر الجمركية ، ولابد من التيسير للتجارة العابرة أكبر تيسير . إن هذه فرصة مصر الكبرى في الشرق الأوسط ، ولابد لنا من معونتها على اغتنامها

ونزيد نحن فنقول إن هذا كله جميل ، علي ألا تكون الفرصة لمصر الأرض ، بل لمصر الناس- المصريين أرومة وجلدا ، ومجال التعاون في هذا بين مصر وإنجلترا واسع خطير . ولو أن المبادأة في هذا واقعة على المصريين ، والتجهز له غير يسير

ومشي رئيس الغرفة بعد هذا يتحدث عن صناعة مصر ، وما استحدثته الحرب منها . وفي هذا قال : " لقد كثر الحديث عن قلب هذا القطر قطرا صناعيا ، وقيل إن في هذا امتناع التعطل ، ورفع مستوي الحياة ، وانتشار الرخاء ، وإني أعيذ من يختطون لمصر مستقبلها أن يعميهم رخاء هذه الحرب . فهم في خطر أن ينسوا أن صناعة النسيج نفسها لم يكن حالها أحسن حال قبل الحرب برغم حماية جمركية عالية . إن كثيرا من الصناعات التي خلقتها الحرب في مصر قد تبقى إذا جاء السلام ، ولكن ليس لمصري أن ينسي أن امتناع السفن في الحرب ، ونظام الحصص فيها ، وغير ذلك من القيود ، أسبغت على تلك الصناعات حماية لا تقاربها حماية الجمارك . إن النظرية التي تقول إن الأمم الصناعية القديمة يجب عليها أن تدخل الصناعة في الأمم التي ظلت إلي الآن مصدرا للخامات حتى تستطيع تلك الأمم القديمة أن تروج تجارتها بالتصدير الكثير ، نظرية آخذة في التلاشي " ، ثم ذكر بعد ذلك أن الحكومة المصرية في طلب المال رفعت الرسوم الجمركية مائة في المائة . وأنها إذا جاءت السلم فسوف لا تجد الحكومة من الشجاعة أن تذهب بمصدر للدخل تعودته الخزانة . إلي أن قال : " إن ولاة الأمور لن ينقادوا إلي المثابرة على حماية صناعات يكون في حمايتها رفع مستوي الحياة لدي قوم هم قلة ) يقصد أصحاب المصانع وما بها من عمال ( ، ويكون في هذه الحماية إفقار البلاد في مجموعها ) يقصد بغصبهم على شراء سلع مصرية بأسعار فوق أسعار مثيلاتها الأجنبية ( " .

وهذا القول يمثل إجمالا رأي الأحرار الإنجليز في حرية التجارة ، وهو رأي يستهدي به ولكنه لا يطبق تطبيقا أعمى ، ولكل حال لبوسها . وهذا الرأي لم تره إنجلترا نفسها من زمن بعيد . هي استخدمت الحماية الجمركية ولم يقل أحد إنها أخطأت ، فكيف يراد من مصر أن تراه وتكون السباقة إليه . ثم إثراء القلة وإفقار

الكثرة ، كيف يكون في الصناعات القومية الكبرى كصناعة النسيج ؟ ! فهذا النسيج عندنا خاماته ، وعندنا فوق العشرة الملايين تلبسه وعلينا إلباسها ، ولأن نتحكم في أقطاننا ، ونمتصها في مصانعنا وأسواقنا خير ألف مرة من أن يتحكم فيها الآخرون عند حافة الماء . ونحن اليوم لا نظن أن مصانعنا في النسيج تكفي حاجاتنا ، فلا بد من تمديدها حتى يكون منها الفائض . والعملية في مجموعها لاشك عملية رابحة . وأقول في مجموعها ، أعني منذ أن تبذر بذرة القطن إلي أن يباع النسيج في الأسواق ، مضموما إليها آثارها المادية الضيقة الصرفة ، وآثارها الاجتماعية والإنسانية معا . هذا إلي أن الصناعة البادئة تكلف أكثر ما يجب ، ولكن مران السنوات واستطلاع الأخطاء ، لهما أثر كبير في اختصار النفقات .

وإنجلترا ، في أمر بنجرها مثلا ، واصطناع السكر منه ، ماذا صنعت فيه ؟ حمته ، جعلت الحكومة البريطانية تواليه بالمعونة السنوات الطويلة حتى استقام أمره ووقف على رجليه من غير عكاز

والذي يقال في أمر النسج في مصر يقال في أمر الجلود ، فخاماتها مصرية لأن مصر لابد أن تأكل اللحوم ، ولابد أن تزيد الماشية فيها حتى تأكل كل هذه الملايين لحما ، وحتي تلبس كل رجل من هذه الأرجل الملايين حذاء والذي يقال في القطن والجلد يقال في كثير غيره مما لدينا خاماته . ولن يضير المجموع شيئا في هذه الصناعات الوسيعة الشاملة

والحال غير هذا بالطبع في الصناعات التي ليس لدينا خاماتها ، وأتمدد فأقول حتى تلك التي لدينا بعض خاماتها . فالحديد مثلا عندنا أكسيده . ولكن لا بد لاختزاله من استجلاب الفحم آلاف الأميال . فهنا يجب أن يتريث المرء فيه تريثا كبيرا حتى يستوثق من ان السلعة لا تروج إلا في الحرب وحدها ، ولا تكون إلا للأغراض

الاستراتيجية وحدها ، فإذا جاء السلم كلفت المستهلك أضعاف أثمانها .

إن هذه القاعدة ، قاعدة رئيس الغرفة ، قاعدة من قواعد الاقتصاد هادية ، ولكنها غير لازمة التطبيق واقتصاد الأمم هو ما هو ، وعلاقة ما بينها هي ما هي . وإلى أن يرتفع العالم بأثمان المحاصيل الزراعية إلي أثمان المنتجات الصناعية ، ليس لأمة زراعية بد من معالجة ما تستطيع من صناعة طلبا لأدني الرزق الإنساني الذي يطلبه الصناعيون .

وهب أن قطن مصر وقمحها ، وهما من عمد اقتصاد البلد ، زادت نفقة إنتاجهما على نفقة استيرادهما ، فهل معنى ذلك إلغاء القطن والقمح ، فإلغاء عقولنا ، ونحن الذين نلبس القطن ونحن الذين نأكل القمح ؟ !

إن واجب المنتج تخفيض النفقات ، وأداة الحكومة في إرغامه هي أبواب الجمارك وأكياس الصيارفة عندها . وهي بتحكمها في التعريفة الجمركية خفضا ورفعا ، تستطيع أن تتحكم في المنتج على أكثر من وجه . ومن تلك الوجهات حماية المستهلك - حماية الجمهور - من مغالاة في الأرباح . وبهذا يذهب ما يخشاء رئيس الغرفة من إفقار الجمهور .

ويذهب المقرر ، رئيس الغرفة ، من بعد ذلك ، إلى مسألة استيراد - لا استيراد البضائع ، ولكن استيراد الرجال من الأجانب . ويعتب على الحكومة نظرها القصير في إغلاق الباب إلا للفنيين من هؤلاء . وهو يري أن يفتح الباب كما كان . وكل الذي ذكره في المسطور المنشور ، أن هؤلاء الأجانب أفادوا البلد في تجارتها في الماضي ، فهم لا بد مفيدوها في هذه وفي غير هذه في المستقبل . أما الماضي فلا ينكر أحد ما جناه المصريون . ولكن لا ينكر أحد أن الذي صنعه الأجانب ، إن عاد منه قرش على المصريين ، عاد منه قروش على هؤلاء الأجانب في زمن لم تكن عند المصريين فيه كفاية . فإن كان على

المصري ، كما يقول رئيس الغرفة ، ألا يمتن على الأجنبي بكرم ضيافة ، فكذلك ليس للأجنبي أن يمتن على المصري بما أسدى . ولنعدها إذن صفقة تجارية كسب المصري فيها سهما وكسب الأجنبي فيها أسهما .

إن مصر لن تغلق أبوابها لأجنبي له مكان في اقتصادها وفي تقدمها، فإن كان الأجنبي أستاذ علم ليس عندنا مثله ، فأهلا وسهلا . وإن كان رجل طب ليس عندنا نظيره ، فأهلا وسهلا . أو كان صانعا ماهرا يأتي ليعلمنا تلك الصناعة والمهارة ، فأهلا وسهلا . ولكن كفانا " جرسونات " وكفانا بقالين ، وكفانا صناع خمور وبياعها ، وكفانا خبازين ، وكفانا سماسرة ، وكفانا عمال مخازن أكثر ما عندهم الرطانة وقد وهب الله آباءهم وأمهاتهم لسانا عربيا . كفانا كل هؤلاء وأضراب شتى من هؤلاء وليس هذا لصالح المصريين فحسب ، بل لصالح هذه الكثرة الحاضرة من الأجانب أيضا ، فقد ضاق بهم ، وسيزداد ضيقا بذراريهم ، سبيل العيش .

إن البنجر حمته إنجلترا حتى يقوي في بلادها ويشتد . ولست أري فرقا من وجهة الحمابة بين الرجال والسلع . فليكن المصري بنجرا ، ولنحمه في حدود المعقول حتي يقوي ويشتد ، وعفا الله عما سلف .

وقال رئيس الغرفة إن امتداح الأجنبي في مصر لا يتعدى دوائر صغيرة ، وإن الغالب في مصر كراهة الأجنبي . وليته ذكر لنا كم من الحب عند الكثرة من الأجانب للمصريين . إن الذي أعرفه أن الكثرة من المصريين لا تزال على طبائعها الطيبة الساذجة الأولى . فلم أجد أجنبيا أو أجنبية في أزمة في طريق إلا امتدت إليه وإليها بالمعونة يد كريمة ساذجة . وكثيرا ما وجدت هذه اليد ترفض لقذارتها . وما قذارتها إلا لأن صاحبها ليس بجيبه قرش يشتري به الصابون . وما الصناعة التى نطلبها لمصر إلا لغسل هذه الأيدي حتى تمتد للأجنبي بالمعونة كريمة ونظيفة  معا. أحمد زكي .

اشترك في نشرتنا البريدية