الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 372الرجوع إلى "الثقافة"

حديث المفاوضات

Share

واخيرا جاء الرد البريطاني على مذكرة الحكومة المصرية بطلب فتح باب المفاوضات بين الدولتين لتعديل معاهدة سنة ١٩٣٦ ونشرت مذكرة الحكومة المصرية ورد الحكومة الإنجليزية عليها . فأثار نشر المذكرتين ضجة كبرى في الأوساط السياسية ، وسارعت الهيئات السياسية لنشر البيانات تعليقا عليهما ، وتسابق المفكرون في نشر أرائهم المختلفة عن الموقف وتحديد ما يرونه فيه من ربح البلاد وخسارة عليها ، وتباري خطباء البرلمان في التعليق وتخريج المعاني الظاهرة والخفية من محتويات المذكرتين ، وبالإجمال يمكن القول بأن نشر المذكرتين قد بعث نشاطا سياسيا كبيرا وأيقظ الحس الوطني اشد إيقاظ ، وحرك الاذهان لإعادة النظر في علاقتنا ببريطانيا وتدبر نياتها نحونا .

ويمكن تلخيص ما يقال حول المذكرتين فيما يأتي : أولا : ان المذكرة المصرية أشارت بوضوح إلى حجة

مصر في طلب تعديل المعاهدة ، فالظروف الدولية الشاذة التى عقدت فيها قيدتها بقيود شديدة تتنافي مع الاستقلال التام ، ولم يعد لها محل الآن مع تغير الوضع الدولى ووجود ميثاق الأمن بين الدول المتحدة .

ثانيا : أن المذكرة المصرية حددت أهدافها التي تري إليها من وراء تعديل المعاهدة ، وهي جلاء الجنود البريطانيين عن مصر . وبحث مسألة السودان على أساس تحقيق أماني السودانيين

وهذه الناحية الأخيرة يأخذ عليها الكثيرون عبارتها المبهمة . وكانوا يرجون ان تكون صريحة في ان الغاية وحدة وادي النيل ، وإن كانت الحكومة تستطيع ان تقول إن ما لديها من معلومات يقدمها بأن رغبات السودانيين واضحة في تحقيق وحدة وادي النيل .

ثالثا : أشارت المذكرة إلى أنها ستقوي الجيش المصري حتى يستطيع الوقوف في وجه كل معتدد على مصر

إلى ان توافيه النجدات من الدولة الحليفة والدول المتحدة .

ويرى بعض الناقدين أن الإشارة الأخيرة لم يكن لها ضرورة ، فميثاق الأمن صريح بمناصرة من يقع عليه الاعتداء إذا كان بحاجة لهذا العون .

رابعا : يرى بعض الناقدين أن الذكرة صيغت فى لين وضعف ، وكان الواجب ان تكون قوية صريحة تشعر الجانب الآخر بالإصرار والتصميم على تحقيق ما نقصد إليه

هذا مجمل التعليق على المذكرة المصرية . أما المذكرة الانجليزية فالتعليق عليها ينصب على النقط الآتية :

أولا : أشارت المذكرة إلي قبول بريطانيا مبدأ المفاوضة واعترفت صراحة بإحترامها استقلال مصر . وهذا كسب لا شك فيه

ثانيا : تحفظ الرد البريطاني تحفظا ظاهرا يذكره دروس الحرب الماضية وما تعلمته إنجلترا منها ، وهي اشارة تنطوي وراءها معان لا تبعث على الاطمئنان . فلا بد أن تكون انجلترا ترمى من وراء ذلك إلى تمسكها ببعض الاعتبارات التى كانت تتمسك بها من قبل لما تسميه تأمين مواصلاتها ، وغير ذلك من الاحتياطات الوهمية التى تخلقها العقلية العسكرية الضيقة .

ثالثا : ورد في الرد البريطاني إشارة إلي قيام العلاقات بين الدولتين على أساس المشاركة مع أجزاء الامبراطورية ، وهي عبارة بغيضة تدل على نظرة خاطئة لمركز مصر وفهم غير مقبول لصلتها بها

رابعا : مرت المذكرة البريطانية بمسألة السودان مرا خفيفا مشيرة إلى أنها علمت برغبة مصر في المباحثات بشأنها ولم تحدد بجلاء رأيها في ذلك .

والرأي المنصف أن المذكرة المصرية كانت وافية ببسط مطالب مصر وإن كان اكثر المفكرين على أنه كان من الممكن ان تصاغ على صورة اقوى مما صيغت به وأوضح دلالة على ما تريده وأكثر استمساكا بحقنا الدولي طبقا لميثاق الأمن ، وأصرح تعبيرا في المطالبة بوحدة النيل .

أما المذكرة الانجليزية فقد صيغت بتحفظ يبعث على

الريبة ويدعو للشك في حسن نيات انجلترا فى إجابة ما تريده وأن الكسب الظاهر هو قبولها المفاوضة ، وهي تعلم ما تريده وتدرك حق الإدراك ما ترمى إليه.

فالأمر - على أسوأ الأوضاع - هو أننا صارحناها بأننا نفاوضها على أساس جلاء جنودها عن بلادنا وعلي اساس حل مشكلة السودان . وصارحتنا بأنها تقبل ذلك ولكن لديها اعتبارات خاصة تحرص عليها قد تكون مقيدة لنا بعض التقييد

والسؤال الذي يقوم بالذهن بعد ذلك هو : هل ندخل فى المفاوضات على هذا الأساس أو لا ندخل ؟

يذهب البعض إلى أن هذا الوضع لا يصلح أساسا للدخول في المفاوضات . وأنه لا يصح التفاوض حتى يعدل الإنجليز عقليتهم ويقبلوا ما طلبناه بلا تحفظ . ولو صح هذا لما كانت هناك حاجة لمفاوضات . فالأمر ان يبدو في هذه الحالة ان يكون تبليغا من جانبنا وقبولا من جانبهم ومسارعة للتنفيذ ( وكفي الله المؤمنين القتال ) .

وقد كان هذا طبيعيا وممكنا لو أن الإنجليز يعالجون الأمر بمقايضتنا ويقنعون بما نقتنع به من أن ما يتمسكون به من احتياطات وما يخلفونه من اعتبارات تمس مصالحهم الإمبراطورية لا مبرر له مع قيام النظام الدولي الحاضر ولكن جمود العقلية السياسية الانجليزية وبقايا الشكوك القائمة في أذهان ساستهم يجعلهم لا يدركون ما ندرك

ونحن بحاجة إلي ان نتصل بهم ونحاول تغيير عقليتهم وإزالة الأوهام والشكوك القائمة في رؤوسهم ونلمس الوسائل لإدخال الطمأنينة على أنفسهم من حيث تلك المصالح المزعومة ، ونحن بحاجة لإقناعهم بأن صلات الود والصداقة بيننا وبينهم اكفل بصون مصالحهم ولإشعارهم أن كل تدخل في شئوننا او تقييد لحريتنا يفسد جو الصداقة المنشود بيننا وببيهم ، وكل هذا هو ما ترمي إليه الفاوضة

هناك امر واحد يجب أن تطمئن إليه هو أن المفاوض المصري يكون مؤمنا بالأهداف الوطنية قادرا علي إبرازها في اجلى صورها قويا في الدفاع عنها واسع الحيلة في سد

الطرق على الأساليب السياسية الماكرة التي يتقنها الساسة الإنجليز ، حريصا على الا يقبل ما يتنافي مع كرامة البلاد واستقلالها ، وان يرجع للأمة قبل ان يقطع برأي في مصاير البلاد . وان يقطع المفاضات إذا وجدها تتجه في غير الاتجاه الذي نريده .

فلا ضير علينا أن نفاوض ما دمنا ندخلها غير مقيدين إلا برغبات البلاد ، فإن نجحنا فيها ، وإلا فليست هذه أول مفاوضة بيننا وبينهم لم تتلاق فيها رغباتنا مع رغبامهم ولن نخسر بهذه المحاولة شيئا ، وسنكون في حل إن فشلنا من طرح قضيتنا على مجلس الأمن

لسنا من المتفائلين ، بل لعلنا - على ضوء المذكرة . البريطانية - أميل إلي التشاؤم ، ولكن هذا لا يسوغ أن نوصد بابا فتح أمامنا ، ولو كان كل ما يفتحه لنا بريق أمل ضعيف . إن أمامنا جهادا شاقا ، ولكن حجتنا قوية والظروف الدولية كما أشرنا في غير هذا المقال مواتية لنا ومصر تتمتع اليوم بمكانة دولية تجعل صوتنا مسموعا

ومنزلتنا في الجامعة العربية تزيدنا قوة وتمكينا ، ويجب أن نستشعر هذه الاعتبارات كلها ، ونحن نفاوض . ولا نتردد في موقفنا ، فالحق معنا .

يبقى أمر آخر له أهمية كبرى في نجاح المفاوضات ، وهو أن تقف الأمة وراء مفاوضيها تسندهم وتؤيدهم وتبصرهم وتراقبهم ، ولا يكون هذا بتفكك القوي وتعارض الهيئات وتنازعهم على الشكليات وتلمسهم العثرات والهفوات الصغيرة لإضعاف مراكز المفاوضين وتخذيلهم في سعيهم

ولعل الوسيلة العملية الوحيدة للتغلب على هذه الصعوبة أن يشترك اقطاب البلاد وزعماؤها وكبار ساستها جميعا في هذه المفاوضات وان يسموا جميعا امام هذه المهمة الوطنية الكبرى عن الخصومات الحزبية والنازعات الصغيرة

إن الشعب ليتطلع إلى الجميع أن يعيدوا الجبهة الوطنية الموحدة ، وأن يواجهوا خصمهم كتلة واحدة تشمل أكفأ عناصر البلاد وأقدرها على السير بالمفاوضات إلى النجاح المحقق .

جمع الله كلمة الأمة ووفق قادتها للتعاون على خيرها . (...)

اشترك في نشرتنا البريدية