وأخيراً ثم تشكيل الوفد الذي يتولى المفاوضات مع الحكومة البريطانية في أمر تعديل المعاهدة المصرية. وقد كان تشكيل هذه الهيئة محل مباحثات بين الحكومة وأقطاب الأحزاب المختلفة، وكانت الرغبة متجهة إلي أن تكون ممثلة لجميع الأحزاب والهيئات السياسية التي تشترك في الحكم والتي تقف في صفوف المعارضة داخل البرلمان وخارجه. وبذلت المساعي خاصة لإشراك الوفد المصري في هيئة المفاوضين، وقبل الوفد مبدأ الاشتراك، ولكنه أصر على أن تكون له الرياسة والأغلبية في تلك الهيئة، فكان هذا الإصرار سبباً في فشل تلك المساعي، وانتهي الأمر باختيار المفاوضين من غير أن يكون للوفد المصري ممثلون فيهم.
وإثارة المشاكل حول اشخاص المفاوضين، وجعل
اختيارهم مسألة حزبية يحرص فيها كل حزب على أن يكون له منهم عدد يتناسب مع ما يراه لنفسه من مكان في الأمة، مثل من أمثلة تفكيرنا السياسي الذي يدور كله حول الأشخاص ويتمسك بالظاهر والشكايات؛ فأهداف الأمة واضحة لا لبس فيما ولا حفاء، وإجماع لأمة منعقد على ألا ترضى بما دون الجلاء الشامل وتحقيق وحدة وادي النيل، ووطنية الرعماء جميعا لا يرقى إليها شك، وإذاً فقد كان المعقول أن يكون انتقاء المفارضين على اساس تخير افضل الكفايات الشهود لها بالحنكة السياسية وأقدرها على السير بسفينة المفاوضات إلي الغايات التي تنشدها الأمة من غير نظر إلى لونهم الحزبي أو صفتهم السياسية.
بل لعل المفاوضين الذين لا تسندهم أغلبيات حزبية ولا يشفع لهم عند الأمة عن تقصيرهم في أداء واجبهم
شافع سيكونون أحرص الناس على الاستمساك بحقوق البلاد وأشدهم قوة في الدفاع عن قضيتها، وأكثرهم جهداً في العمل على إرضائها وكسب ثقتها، وأعظمهم تحريا لرغباتها وأبعدهم عن التورط في التزامات لا تطمئن لقبول الأمة لها. والكلمة الأخيرة للأمة فهي صاحبة القول الفصل في نتائج المفاوضات. فلن تقبل ما لا ترضى ولو جاءها به أحب الناس إليها، وان ترفض ما فيه خيرها عن أي طريق أتاها.
وقد استيقظت الأمة وتنبه وعيها السياسي، فهي تقدر الغايات لا الوسائل وتنشد أهدافها الحقيقية، ولن تخدع عنها بالكلمات المموهة والعبارات البراقة. فنجاح المفاوضات لديها مرهون بأن يكون جلاء القوات الأجنبية من كل بقعة في ديارها حقيقة ملموسة، وأن تكون صلاتها بالسودان واضحة قائمة على أساس اتحاد جزءي وادي النيل في كيان مستقل، وهي لا تنظر في تقديرها للمفاوضين إلى أشخاصهم، ولكن تنظر إلى أعمالهم وجهودهم في سبيل تحقيق تلك الغاية، فإن نجحوا كانت هاماتهم بالمجد، وإن قامت في سبيلهم عقبات فقطموا المفاوضات بشرف وإباء ورفضوا قبول ما هو دون أهداف الأمة فلن يقل تقديرها لموقفهم واعترافها بما بذلوه في صون كرامتها وأداء أمانتها.
من أجل هذا كله نرجو ألا يثار الغبار حول هيئة المفاوضين وألا يجرحوا وهم على أبواب القيام بمهمتهم الثقيلة، وأن تقف الأمة منهم موقف المراقب المنتظر لما تسفر عنه جهودهم، وأن يزودوا بالتشجيع والتأييد، حتى يقبلوا على واجبهم دون اشتغال بالحملات الحزبية التي تقوم وراء ظهورهم، وأن يمدهم كل قادر بالعون والمساعدة والنصيحة تيسيراً لمهمتهم
على أننا نتوجه إلي هيئة المفاوضين راجين أن يكون لهم في دروس الماضي عبرة وان بتدبروا ما كان من تساهل منا في معاهدة سنة ١٩٣٦، وما جرَّه ذلك علينا. لقد
تنبه المغفور له محمد محمود باشا إلي أخطار بعض نصوص تلك المعاهدة، ولكن حرص المفاوضين على إ تمام المفاوضات وحسن ظنهم بالإيجليز أغفلاهم عن أن يولوا تلك الاعتراضات ما هى جديرة به من العناية، وقد أثبتت الأيام صدق نظر من تنبهوا لتلك الأخطار. واليوم نحس أن تلك المعاهدة التي سميت في ذلك الحسين معاهدة الصداقة والشرف وحمل الشعب على التهليل لها والاغتباط بها كانت معاهدة جائزة تحملنا فيها وحدنا كل الغبن وقيدنا فيها بقيود والتزامات فعلية، في حين أن الجانب الآخر لم يحتمل إلا التزامات صورية وهمية لا يمكن أن توضع يوما موضع التنفيذ.
وهكذا الشأن في كل معاهدة تقوم بين قوي وضعيف تكون نصوصها مقيدة للضعيف لا فكاك له من احتمال التزاماتها، وتكون تعهدات القوي صورية لا يعدم وسيلة للتحلل منها. ولدينا مثل ظاهر في اتفاقية السودان، فهي مجمل الحكم ثنائيا تشترك فيه مصر وبريطانيا، ولكن قوة بريطانيا جعلت الأمر فيه لها وحدها، وضعف مصر أعجزها عن أن تمارس حقها وأقنعها باشتراك رمزي صوري.
فيجب أن يكون واضحا بجلاء أن ما تقيدنا به المعاهدة من التزامات ستكون قبوداً حقيقية تستغل لأقصى حدودها، وما تتعهد به انجلترا من التزامات مقابلة ستكون أموراً صورية لا تنفذ إلا إذا شاءت لها مصلحتها وظروفها ذلك.
إن الأمر بيننا وبين انجلترا عجيب. فنحن نفاوضها في أمر الجلاء عن بلادنا وهو حق طبيعي لنا باعتبارنا دولة مستقلة، وبقاء جنودها في بلادنا إجراء تعسفي غير شرعي من جانبها كان يجب عليها المبادرة إلى إنهائه من غير حاجة منا إلى مطالبة ومن غير ضرورة لمفاوضة. ولكن قوتها والنزعات الاستعمارية التي لا تزال غالية على عقلية بعض ساستها قد سوغا لها ان يجعل لنفسها حقا في
أن تساومنا على إرجاع حقنا إلينا، وتكسب منا بعض المزايا مقابل أدائها هذا الواجب، وهي تعبر عن ذلك بلغة السياسة مما تسميه الصداقة والتعاون "والمشاركة".
ويجب أن نكون صرحاء في إفهام انجلترا أننا لم نعد أغرارا نخدع بالألفاظ الجوفاء، فالصدافة لا تفرض، والتعاون إذا جاء عن طريق التقييد كان إكراها بغيضا. ومصر لا تفهم المشاركة إلا على أنها تدخل من جانب القوى وحده في شئون الضعيف.
لقد شبت مصر عن الطوق وأصبحت تسمى الأشياء بأسمائها وتقدر الأمور بحقيقتها. وهي تري أن يريطانيا إذا كانت حقيقة تنشد صداقة مصر فالوسيلة الوحيدة ألا تجرح كرامتها ولا تقيدها بقيود تشعر بسوء الظن بها.
على أننا إذا حللنا الوقف تحليلا دقيقا صريحا قلنا إن الأمر الذي يعني انجلترا من بلادنا هو أن تطمئن على سلامة مواصلاتها بإمبراطوريتها، وأن تطمئن إلى أن قوة أخرى لا تزاحمها في البحر الأبيض المتوسط، وليس بقاؤها في مصر حلا لهذا الإشكال. وإنما الحل الصحيح أن يسود التفاهم بينها وبين روسيا. وروسيا وبريطانيا إنما تتبادلان سوء الظن لما تعتقده كل منهما في الأخرى من أن سياستها قائمة على نزعات التوسع والاستعمار ولو تجردنا معا من تلك النزعات لاستراح بال العالم. ولو سبقت إحداهما الأخرى إلى التجرد من تلك النزعة الرجعية لرجح أن تلجأ الأخرى إليه، وإلا سقطت حجتها وقام العالم كله جبهة واحدة في وجهها. فلا محل لتعكير صفونا وتجريدنا من حياتنا الحرة المستقلة بسبب منافسات سياسية بين دولتين تستطيعان حل مشاكلهما بالتفاهم إذا خضعتا معا لصوت الحق وتجردتا معا من مطامعهما الاستعمارية.
إن على مفاوضينا ألا ينحنوا ولا يلينوا ولا يهنوا ولا يتورطوا، وأن يواجهوا الإنجليز بصراحة، فالأمة لا تغفر ضعفا بقيدها بأي قيد. (...)
