الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 194الرجوع إلى "الثقافة"

حديث رمضان، الحياة الأخرى

Share

في الناس قديما وحديثا ، فيما قبل التاريخ وما بعد التاريخ ، في البدو والحضر ، في الأصقاع المختلفة حيث لم تكن هناك صلة بين الناس ، ولا تبادل في الأفكار والمشاعر ، في الإنسان الساذج الجاهل ، وفي الإنسان المعقد العالم في كل أولئك شعور خفي يشبه الإلهام بأن وراء هذه الحياة الدنيا حياة اخري تتحقق فيها العدالة وقد فقدت في الدنيا ، وينال فيها الإنسان جزاء أعماله ونياته ، من غير ان تفسده رشوة قاض ، أو بلاغة محام ، أو تحيز لطبقات أو لشتى الاعتبارات ؛ هو نوع من الإلهام يشبه إلهام النبات في امتصاصه ما ينفعه وتجنب ما يضره ، وإلهام الطير في رحلاته في الوقت المناسب وعودته إلي وطنه في الزمن الملائم ، وإلهام الطفل حين خروجه إلي هذا العالم أن يلتقم ثدي أمه ، وأن يبكي إذ عراه ألم ، وان يبتسم بعد إذا سر ، وان ينفعل بالرضا والغضب ، ونحو ذلك من شتي العواطف والغرائز

حتي أكثر الذين ينكرونه بألسنتهم وبدمائهم يشعرون أن الإلهام باليوم الآخر متغلغل في أعماق نفوسهم ، كامن في خفايا غرائزهم ، لا يلبث أن يظهر إذا اشتدت الشدائد وتحرجت الأمور ووقعت الكوارث ، فتراهم يشكرون عقولهم ويؤمنون بغرائزهم ، ويحسنون اعمالهم ويكفرون عن كفرهم ويألمون لإنكارهم غرائزهم

بهذه العقيدة في الحياة الآخرة اصبح عمر الإنسان طويلا لاحد لطوله ، وبهذه العقيدة أضاف إلي حياته المادية المحدودة حياة روحانية غير محدودة ، وبهذه العقيدة شعر أنه أرقي من كل الكائنات المادية ، ومن كل النباتات والحيوانات القصيرة المدى  وبهذه العقيدة شعر أن نفسه الخالدة أرقي من جسمه الفاني ، وبهذه العقيدة تشكل سلوك الإنسان وعليها أسس حضاراته ؛ فحضارة قدماء المصرين والأشوريين والبابليين ما كانت تكون لولا العقيدة في الآخرة ، وعلى هذه الحضارات بنيت الحضارات

المتتابعة على اختلاف أشكالها وألوانها

أمع هذا كله يمكن ان يكون هذا الإلهام كاذبا أو خادعا

لقد جاهر بهذا قوم من كل صنف وكل ملة ، فقديما قال الشاعر :

حياة ثم موت ثم نشر

حديث خرافة يا أم عمرو

وحكي الله في القرآن عن قوم قالوا : " ما هي إلا حياتنا الدنيا نموت ونحيا وما يهلكنا إلا الدهر

وجاء بعض العلماء في العصر الحديث فشايعوهم في أفكارهم ، ونادوا بأن لا شئ إلا المادة ، ولا حياة إلا هذه الحياة ، وأن الفكر والشعور والعواطف نتيجة لمادة وحدها وإفرازها ، كما تفرز الكبد الصفراء ، وكما تفرز الكلية البول ؛ والأفكار والإرادة والعواطف من إفراز المخ ، ويتوقف لمقدارها ونوعها على مقدار المخ وعمله وتركيبه ؛ وكل شئ في الحياة مادة أو مظهر من مظاهرها . ولا شئ يسمي النفس ، فلا معني لخلودها ، وإنما هو من نسج الخيال وجاراهم في ذلك بعض علماء النفس ، فأخذوا يحللون الشعور بالحياة الأخرى ، ويرجعونه إلي عناصره الأولية ؛ ورأوا - علي طريقتهم - أن هذا يرجع في الإنسان إلي " مركب النقص " فلما رأي ضعفه بالنسبة لقوة الطبيعة حوله اخترع ما يكمل نفسه فادعي بأنه الخالد وهي فانية ، الحي أبدا وهي مائتة ، وأوحي إليه بهذا الخيال على رأي بعضهم - ما رأي من طير يطير بأجنحته إلي السماء ويغيب عن الأنظار ثم يعود إلي عشه كما بدا . قالوا : وإن هذا العالم مملوء بالشرور والكوارث والظلم ، ناقص من كل وجه ، والإنسان طموح بطبعه ، حاول أن يصلح العالم حسب آماله وطموحه ، فأدرك القليل وعجز عن الكثير ؛ فلما أعياه إصلاح الواقع لجأ إلي الخيال ، فتخيل الفلاسفة مدنا مثالية كالمدينة الفاضلة وما سموه  يوتوبيا ،

وتخيل الجمهور عالما آخر مثاليا هو الجنة ، وهكذا استمروا في قولهم وتعليلهم .

أما أن العالم مادة فقط فقول لا يستسيغه العقل ؛ فكيف تكون الأفكار والإرادة والعواطف نتيجة للمادة الكثيفة الجامدة ؟ وكيف يكون الفكر الذي يشعر بشخصيته نتيجة لمادة لا تشعر بشخصيتها ؟ وكيف تكون المادة التي ينصب عليها الفكر والشعور هي بعينها الفكرة الشاعرة ؛ وكيف تكون المادة والعقل والفكر شيئا واحدا وصفاتها مختلفة تمام الاختلاف ؟ بل كيف تكون المادة العادية علة للفكر والعقل غير الماديين ؟ إن القول بأن المادة كل شئ يعجز عجزا تاما عن تفسير ظواهر العالم ، فكيف تنشأ الحركة عن المادة ؟ وكيف ينشأ الحسن عن الحركة إن وجود علاقة بين شئ وشيء كالعلاقة بين المخ والتفكير لا يستلزم العملية ، وان المخ هو مكان الفكر لا علته

إن كان ذلك كذلك فلا بد أن يكون هناك شئ وراء المادة ، ووراء الجسم ، وهو الروح .

ثم إن العلم الحديث أثبت أن المادة لا تنعدم ، فكل ذرة في هذا العالم لا تفني ، ولكن تتحول من حبة الرمل وقطرة لماء إلي اعظم مخلوق ؛ فالشمعة تحترق وتبدد الظلام وتتبدد هي أيضا ، ولكن الكيمياوي يستطيع أن يثبت أن عناصرها لم تفن وإنما تفرقت في الجو ، وهي موجودة في الهواء ، ولكن في وضع آخر ، تغير شكلها ولكن يتغير جوهرها ، وليست عادة الشمعة وحدها لا تفني ، بل طاقتها وقدرتها على الإحتراق والإضاءة لم تفن كذلك ، بل تغير وضعها وشكلها

هكذا قرر العلم الحديث ، وهكذا أثبتت التجارب ؛ وعلي ذلك فموت الأجسام ليس إلا تغير لحالات الجسم ، وسيبقى

الجسم في هذا العالم في أشكال أخري ؛ فقد تكون ذرات جسم فيصر كما قال شكسبير - طينا تسد به ثلمة ، أو كما قال عمر الخيام وعاء تعنق فيه الخمر أو نحو ذلك ، ولكن لا فناء

ان كان العالم ليس مادة فقط ، وإن كان العالم مادة وروحا ، وإن كان العلماء يقررون ان المادة لا تفني ، وان الطاقة لا تفني ، فكيف تفني الروح وهي أصلح من المادة للبقاء ، وتكوينها وصفاتها أنسب للدوام ، وهي أرقي ما تمخض عنه العالم ؟

إن الروح هي التي تمس المادة فتدب فيها الحياة . إنها تحل في الجسم فيعقل ويفكر ويتذكر ويشعر وتلعب عواطفه ، وتفارقه فيكون مادة جامدة كسائر المواد ؛ فاذا جاء الموت تحلل الجسم وذهب يلعب في العالم دوره ، فيكون بعضه غذاء لشجرة ، وسمادا لزرع ، وهواء يستنشق ، وطينا تسد به

تلمة ، وجرة لخمر ، وركنا في بناء ، وترابا يوطأ بالأقدام ، ومزهرا يعجب الناظرين ، وزهرة يتغزل فيها الأديب وطعاما لدود أو حوت ، وفسفورا تشعل به اللفافة . وما شئت من صنوف الخلق مما يجمل ويقبح ويبعث الاعجاب الاشمئزاز والحب والكره ، ويدور مع العالم دورته ويكون جزءا في ساقية " جحا " التي تملا من البحر وتصب في البحر وتبقى الروح حية خالدة ، تبقى فيما قدمت من عمل ، وتحي فيما  خلفت من أثر ، وتلقي ربها حامدة لخيرها نادمة علي شرها

ما أتفه الحياة إن لم يكن خلود ! وما أضيق الأمل إن يكن غير هذه الحياة ! وما أضيع العدالة إن فقدت في الدنيا ولم تكن آخرة .

لا لا ليس إلهام الإنسان بالحياة الأخرى أكذوبة، ولا شعوره بها خدعة . إنما هو وحي صادق من طبيعته وشعور حق يتغلغل في غريزته

اشترك في نشرتنا البريدية