الرجوع إلى البحث الذهاب لعدد هذه المقالة العدد 248 الرجوع إلى "الثقافة"

حديث رمضان، الحياة الروحية

Share

-4-

سعة النفس :

تختلف النفوس سعة وضيقا كما تختلف الحجر والمنازل والأماكن ، فمن الناس من تضيق نفسه حتى تكون كسم الخياط ، ومنهم من تتسع نفسه حتى تشمل العالم وما فيه .

تولد النفس ضيقة شديدة الضيق ، ثم كل تجربة من الحواس الخمس توسع دائرتها ، وكلما زادت تجاربها زاد اتساعها

وفائدة التربية توسيع النفس ، فكل موضوع نتعلمه يزيد في اتساع نفسنا كما يزيد في اهتمامنا . فإذا قرأنا التاريخ - مثلا - قديمه ووسطه وحديثه زاد شعورنا بالأجيال المختلفة علي تعاقبها ، واتصلت نفوسنا بالعالم على توالي العصور وارتبطت بعظماء الرجال على نحو ما ، فكان ذلك كله عنصراً

هاما لسعة النفس ؛ وكذلك درس النبات يزيد اتصالنا بعالم النبات ويخلق فينا عينا جديدة نقرأ بها في النبات وأنواعه وتطوره وحياته ما لم نكن نقرأ ، فتتسع نفوسنا من هذه الناحية اتساعا يجعل علم النبات جزءا منا ؛ وكذلك الشأن في كل علم من جيولوجيا وفلك وطبيعة وكيمياء ، كل علم بشىء يبعث موجات لاسلكية من الأشياء المعلومة ويجعل من نفسنا جهازا مستقبلا لها ، وعلى قدر علمنا بالعالم حولنا تكون سعة نفسنا ، وتكون مقدرة استقبالنا للموجات ، ويكون تجاوب نفسنا مع العالم

وكما تتسع نفس الإنسان بعلمه بالشئ تتسع قدرته ونفوذه ؛ فالمهندس يرى في الأبنية ما لم نر ، ويقرأ فيها من أحجارها وأخشابها وأوضاعها ما لم نقرأ ، ويستطيع أن يتخيل من الصور والأبنية والأشكال ما لم نتخيل ،

ويخرج إلي الوجود من المشروعات والتصميمات ما لم نستطع ؛ وشتان بين موسيقى يدرك ادق شئ فيما يسمع ، ويصغي إلي نفسه فيستخرج من الألحان ما نعجب به . وبين من ليس له اذن موسيقية فلا يميز بين صوت وصوت ، فضلا عن خلق ألحان جديدة !

هناك وسائل كثيرة لتوسيع النفس ، أكثرها شيوعا مزاولة الأعمال المادية مهما اختلفت هذه المادة ؛ فالنجار في نجارته ، والحداد في حدادته ، والتاجر في سلعه ، والزارع في زرعه ، كل يوسع نفسه ونفوذه في ناحيته ، فممارستة العمل تنمي خياله في موضوعه فيحلم بأشياء في ذهنه يستخرجها إلي حيز الوجود بعمله ، وكل التحسينات في الصناعات ناشئة عن هذه السعة في النفس التي تتبعها قوة الخيال وإصلاح الإنتاج

وكل ما يباشره الإنسان ويتصل به يكون جزءا من نفسه ؛ فبيتك الذي تسكنه وأثاث منزلك ومالك وثروتك كل هذا يتحد مع نفسك ويكون جزءا منها ، من تعدى عليه فقد تعدى على نفسك ، ومن عاب بيتك أو أثاثك او صناعتك فقد عاب نفسك ، ومن مدحها فقد مدح نفسك ، وهكذا

وهكذا الشأن في المعنويات ، فمن ضروب توسيع النفس وسعادتها اتصالها بنفس مثلها ، فقد تشعر النفس بضيق وظلام حتي تجد نفسا تألفها ، فتشعر بالسعة بعد الضيق ، والنور بعد الظلمة ، وتشعر بلذة التجاوب بين النفسين ، والتناغم بين الروحين ، وهذا هو سر  السعادة في الصداقة ، والسعادة في الحب ؛ فالنفس تشعر بسعتها ، وأن نفسا أخرى انضمت إلى نفسها وتكونت منهما وحدة ، تسعد كل بسعادة الأخرى ، وتكمل كل نفس الأخرى ، وتستمد كل نفس قوة من النفس الأخرى ، وربما استطاعا بامتزاجهما أن ينتجا شيئا لا تستطيع أن تنتجه كل منهما ولا هما معا غير ممتزجين ، كالعنصرين

يمتزجان فيكونان عنصرا جديدا ليس أحدهما وليس هما معا متفرقين منفصلين . وعمل الأنبياء والمصلحين أن يوحدوا الغرض بين النفوس ، ويعملوا بتعاليمهم على توحيدها ، فإذا الجمعية الأولى الملتفة حول النبى أو المصلح متحدة كأنها نفس واحدة ، واسعة لأن كل نفس تشربت سائر النفوس ، وإذا ما يصدر عنها مجتمعة يستدعي العجب . ومما ينشده كبار المصلحين المتفائلين في العالم تحقيق نظم اجتماعية وسياسية إنسانية تدرك هذه الحقيقة ، فتوسع النفوس بالتوحيد بين أغراضها ، والتأليف بين قواها ، والقضاء على عناصر التفريق من وطنية وعصبية ودينية وقومية وجنسية ولغوية ، حتى تتسع النفوس إلي أقصى حد ممكن ، و تتجه كلها لخير الإنسانية على السواء ، وإذا ذاك يقفز المجتمع الإنساني والمدنية قفزة لم يرها التاريخ ، لأن التاريخ في جميع عصوره كان معوقا بالعصبيات القبلية والقومية ، والحدود الجغرافية ، والنزعات الوطنية والجنسية ، والخلافات الدينية ، وكلها مظاهر لضيق النفس .

ومن مزايا الدين توسيع النفس ، وهو ما عبر عنه الإسلام بانشراح الصدر ، ولعلك صادقت في حياتك أناساً ضاق صدرهم ، وتغلب عليهم الشعور بأن القدر يعاكسهم والحظ يعبس في وجوههم ، وأنه كلما سلكوا طريقا سد أمامهم . إن الدين كفيل بإزالة هذا الشعور ، وانشراح الصدر وسعة النفس ، فالمؤمن يشعر شعورا عميقا بأن قوة تؤيده وتكتسح الصعاب أمامه ، وهو يشعر بإنهدام السدود والحدود في طريقه ، وهو يشعر بانعدام الزمان والمكان بضمه عالم الغيب إلي عالم الشهادة ، واتصال الحياة الأخرى بالحياة الأولى ، فهو واسع الرجاء ، لا يعوق نظره عائق ، ينجذب إلي عالم علوي فيه السعادة وفيه الرضا والطمأنينة . الدين الحق يغير النفسية فينقلها من عالم ضيق محدود إلي عالم فسيح غير محدود ، كالذي حدث في عباد الأصنام في الجاهلية لما انتقلوا إلي الإسلام ، فشتان بين

أبي بكر وعمر وعثمان وعلي وأبي عبيدة وخالد بن الوليد الجاهليين ، وبينهم أنفسهم وهم إسلاميون ! ما أضيق نفسهم في حياتهم الأولى وما أوسعها في الثانية ! وكما أفادهم الدين سعة نفس أفادهم قوة نفس ؛ فمحال أن كان الجاهليون من العرب يفتحون ما فتحوا وينتصرون ما انتصروا إذا بقوا على دينهم الأول ، ولو تجمعوا حول قائد حربى كبير ؛ فإن انتصارهم يرجع إلي سببين كبيرين : التوفيق في اختيار قوادهم ، وأهم من ذلك العقيدة بأنهم مؤيدون بقوة من عند ربهم . الدين هو الذي فتح أمامهم الأفق ، وملأهم روحا للعمل ؛ بل هو الذي غير موقفهم نحو الحياة ، فجعل من الجبان شجاعا ، ومن البخيل سمحا ، ومن الشك يقينا ، ومن الجزع ثباتا - قد كانت النفوس قبله مكبلة ببعض أوهام من غضب الصنم ورضاه ، ومن عادات وتقاليد تشل العقل وتقيد الروح ، فلما آمنت بإله واحد فوق كل شئ يرضيه الخير ويغضبه الشر ، سمت سموا كبيرا . وفساد الدين يأتي من التعاليم التي تضيق النفس ، وتحجبها عن عالمها العلوي الفسيح - فالنفس إذا اعتقدت في الخرافات ضاق حيزها ، وإذا امتلأت رعبا وفزعا من النار وعذابها ارتبك حالها .

ومن اكبر ما أفسد الدين - في نظري - تزمت رجال الدين ومبالغتهم في وصف الله - تعالى - وصفا مخيفا مرعبا ، بدل أن يصفوه - كما وصف نفسه - رحمانا رحيما يعفو عن كثير . وقادهم هذا النظر إلي التخويف من كل نعيم الحياة ، حتى قالوا إن الضحكة يؤاخذ عليها ، والأكلة الطيبة موضع الحساب ، ونادوا ان لا غناء ولا فرح ، ولا سرور بالحياة - ما هذا كله ؟ وكل ذلك يفسد النفس ويخلق منها مزاجا سيئا لا يصلح للحياة ! إن الدين الحق يتفتح للحياة الدنيا كما يتفتح للحياة الأخرى ، ويكون أساسه حب الله الذي يحب الناس ، وان في الدنيا جنة وفي الأخرى جنة . إن التزمت في الدين مغالاة في الحكمة

حتى تعود سخفا ، وحتي تحطم الحياة . الدين الحق يدخل السرور على القلب والنشاط على النفس ؛ أما الحزن والخوف فيضيق الصدر ، ويشل النفس ، ويبعث السأم - أصبحت الصورة التى يرسمها رجال الدين للمتدين - مع الأسف - صورة رجل منكس الرأس تواضعا ، مملوء القلب رعبا ، زاهد في النجاح في الحياة الدنيا طمعا في الحياة الأخرى ، مملوء النفس بالكرب خوفا من الموت وما بعد الموت ، راغب عن متع الحياة ، شديد المحاسبة لنفسه في كل ما يأتي وما يذر ، عابس في وجه الحياة خوف ان تضله ، منهمك في العبادة غير عابى بحقوق الناس ، يفر من الصوت الجميل ، ومن الملبس الجميل ، والنظافة الجميلة ، والفكاهة الحلوة ، إلى نحو ذلك .

وهذه الصورة التي رسمها بعض رجال الدين وزادوا فيها على اختلاف العصور تنتهى إلي رجل ضيق الأفق حرج الصدر لا يصلح للحياة ، يستغل ولا يستغل ، ويحكم ولا يحكم ، ويذل ولا يعتز ، وفي ظني أنه يشقى في الدنيا ولا يسعد في الآخرة ؛ فلو أراد الله منا العمل للآخرة وحدها لاستغني عن وجود الدنيا واختصرها - إنما الصورة الصحيحة للرجل الصالح رجل أحب الله أكثر مما خافه ، واحب الناس من حبه لله ، وتفتحت نفسه للدنيا كما تفتحت للآخرة ، ربط دينه بإسعاد الناس والتخفيف من متاعبهم ، يضحك ويواسي ، ويصلي ويتقن عمله ، ويحسن علاقته بالله وبالناس ، ويبسم للحياة ولا بأس بالموت إذا الموت نزل ، ويري الخير في أن يكون في الصدر في الدنيا وفي أعلي عليين في الآخرة ، ويرفع رأسه في الدنيا لأن ذلك مقرون برفع الرأس في الآخرة ، يوسع نفسه حتى تحتضن الإنسانية بأجمعها والكون وما فيه ، يعتقد أن الدين في القلب لا في المظهر ، والدين المعاملة لا العبادة وحدها ، وأن خير الناس عند الله أنفعهم للناس - وقد كان هذا هو الدين الأول قبل أن يفسده المخرفون ، وكانت هذه هي صورة المتدين قبل أن يشوهها المتأخرون . لو كان الدين

أتى أوله بمثل ما أتى به آخره ما تحرر أهله ، ولا انتصروا ولا غزوا ، وكانوا طعمة لجيرانهم ، اذلة في انفسهم . إن الصورة الأولى التعيسة تملأ النفس شعوراً بالضعة ، وكما يعبر علماء النفس الآن تزيده شعورا " بمركب النقص " بينما الصورة الثانية تبعث على التسامي . ومركب النقص يفقد الثقة بالنفس وبالرب ، والتسامى ببعثها . إن للنفوس قوانين طبيعية لا تتخلف ؛ احرم النفس طمأنينتها وأملأها رعبا وجردها من متع الحياة تفقد احترامها وقوتها وأمدها بالمال الذي يلزمها وأصلح الظروف التي تحيط بها تتفتح وتحس القوة والعظمة . واعتماد النفس على إله مخيف ليس كاعتمادها على إله محب رحيم ، وشتان بين شعور ابن نحو أب يحب ويرحم ، ونحو اب يخيف ويرعب

إن الدين الصحيح يغذي الشعور بالتسامى والتفوق ، ويعالج الشعور بالنقص ، والدين إذا فسد كان على العكس الدين الصحيح ينقل النفس من الماليخوليا والرعب إلي الطمأنينة والسعادة - ) إنه يوسع النفس حتى تري بينها وبين الناس كلها ، وبينها وبين المخلوقات كلها نسبا كنسب الأسرة الواحدة ، ربها الله -

ويحدث في النفوس العظيمة ان تتصل بعالم غير منظور فيتسع أفقها اتساعا مضاعفا - وهي ظاهرة من الصعب إنكارها ، وإن عز على العلم شرحها . وما نسميهم بنوابغ العالم وعظمائه من هذا القبيل ؛ خلفت نفوسهم ولها الاستعداد والقدرة علي هذا الاتصال ، حتى لنرى هذا النوع في كبار الأدباء والفنانين ، يتعرضون لكتابة كتاب أو تصوير فكرة فيرمج عليهم ويصابون بالعقم ، فما هو إلا أن يشعروا بأرواحهم أن بابا  كان مغلقا ثم انفتح فجأة ؟ فاتصلت نفوسهم بعالم غير عالمهم ، ورأوا مالم يكونوا يرون ، وتدفقت عليهم الإلهامات والمعانى والأفكار ، حتى كأن الرواية أو الكتاب أو القصيدة أو الصورة الفنية أو القطعة الموسيقية تكتب نفسها ؛ وهؤلاء

يعالجون التعرض لهذا الوحي بأشكال شتى ، ومعالجات نفسية يستطيعون معها ان يستقبلوه ، إما بنوع من التراخى والاستغراق ، وإما بالتفكير في فكرة نبيلة ، أو بقراءة كاتب ملهم مثلهم وتركيز النفس فيما كتب ، او نحو ذلك . وليس أحد منا إلا من قرأ أو جالس عظيما فعجب كيف اتسعت نفسه هذه السعة ، وكيف تتدفق منه الأفكار والآراء كأنها وحى منزل ، وتتفق عليه القوة حتى يعدي بها من قرأه أو سمعه . وعظماء رجال الدين من هذا القبيل تتسع نفوسهم لاتصالها بعالم روحي لا يقاس به عالم المادة . ويكاد يكون عند كل إنسان نوع من الاستعداد لهذا الوحي ، ولكن الفرق بين النفوس كالفرق بين حبة ظلت حبة ، وحبة وجدت جوها وغذاءها فأخرجت جذورا وجذعا وأغصانا وأزهارا وأثمارا . والتربية الصحيحة وتعاليم الدين الصحيحة هي التي تربى النفوس وتغذيها وتجعلها أقدر على أن تكمل نفسها وتوسع أفقها .

وليكن هذا آخر أحاديث رمضان ، وكل عام وأنتم بخير .

اشترك في نشرتنا البريدية