الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 246الرجوع إلى "الثقافة"

حديث رمضان، الحياة الروحية

Share

-٣-

عماد الأديان كلها أن وراء هذه الملكة الظاهرة في الحياة مملكة أخرى باطنة ، وهاتان المملكتان يختلف بعضهما عن بعض تمام الأختلاف ؛ فالملكة الظاهرة فيها المادة بجميع أشكالها وتطورها ، من حبة الرمل إلى خلية المخ ، وفيها كل مظاهر الحياة مما نري من جماد ونبات وحيوان ، وفيها كل شؤون الإنسان الظاهرة ، من زرع وتجارة وصناعة ، وتنظيم للحياة الاجتماعية ، واستغلال وجمع وإنفاق ، وتدبير ميزانيات ، وإنشاء دواوين وحكومات تشرف على الأعمال ، وملوك او برلمانات تشرف على الحكومات ، وهكذا - وكل ما نقرأ من أحداث التاريخ فإنما هو تاريخ هذه المملكة الظاهرة - أما المملكة الباطنة فيها أنبياء وأولياء وقديسون وملائكة

وشياطين ، ويوم آخر ، وبعث ونشور ، وحساب وثواب وعقاب ، وجنة ونار ، وروح ووحي ، وإلهام وإله .

وهذه المملكة الباطنة سميت أسماء مختلفة ، فبعضهم يسميها " دائرة المجهول " ، و " ما لا يمكن علمه " وسماها القرآن " الغيب " كما سمي الملكة الظاهرة " الشهادة " فقال : " الذين يؤمنون بالغيب " ثم تردون إلي عالم الغيب والشهادة " تلك من أنباء الغيب " . الخ وتري الأديان أن هذين العالمين إذا قوما فالملكة الظاهرة قليلة القيمة جدا إذا قيست بمملكة الباطن ، لأن الأولى ذاهبة فانية ، والآخر باقية خالدة ، ولأن الأولى دخلها عنصر الزمان فأضعف قيمتها وأقصر مدتها ؛ وأما الأخرى فلم يدخلها عنصر الزمان فخلدت .

وكما كان في مملكة الظاهر خداعون وكذابون يكذبون في العلم والخلق والتجارة والصناعة ، كان كذلك خداع وتمويه في عالم الغيب ، كقصص العفاريت ، وأعمال السحرة ، والأساطير المتوارثة في كل أمة والتنجيم والطلاسم ، وهكذا

وليس الإيمان بعالم الغيب - كما يظن بعضهم - ضربا من الأوهام ورثاء من آبائنا الأولين أيام كانوا ضعاف العقول ، أقوياء الخيال ، بل هو جزء من طبيعة النفس الإنسانية ملازم لها في جميع أدوار عقليتها ومدنيتها وثقافتها ، والذين أنكروه أنكروه بمنطقهم ، ولم يستطيعوا التجرد منه في نفوسهم ومشاعرهم .

يشعر الناس أن هناك دائرة للمعلوم تحيط بها أسوار ، وأن وراء هذه الأسوار دائرة المجهول أو عالم الغيب ، وأنهم يريدون أن ينفذوا من هذه الأسوار للوصول إليها ، فمنهم من يصل ومنهم من ينقطع .

ووسائل إدراك مملكة الظاهر غير وسائل إدراك مملكة الباطن ، فوسائل الأولى هو ما نسميه " العلم " وهذا العلم يعتمد فقط على الحواس الخمس ، وهي : السمع والبصر ، والشم ، واللمس ، والذوق ؛ فكل المناهج العلمية ، وكل الآلات والمخترعات ، وكل البحوث في الطبيعة والكمياء والفلك ، والنبات والحيوان ، وإنما عمادها هذه الحواس الخمس ، مرهقة أو مكبرة ؛ حتى أدق العمليات الرياضية والهندسية ، إنما هي أعمال الحواس الخمس مرفاة تستخدم فيها المقارنة ، ثم إعمال العقل في هذه المقارنات بالاستنتاج وكل النتائج العجيبة التي وصل إليها العلم ليست إلا وليدة الملاحظات الحسية مع الاستفتاج المنطقي وهذه هي خطة العلم دائما .

أما وسائل عالم الغيب ، فليست الحواس ولا المنطق ، وإنما هي الرياضة النفسية ، واختطاط خطة غير الحواس الخمس ، ومحاولة تخطى هذه الأسواريها ، والنفوذ من خلالها لإدراك عالم المجهول ؛ وهذا ما سلكة دائما الروحانييون

من الأنبياء والمتصلين بهم ، فمحمد ، وعيسى ، وموسي وغيرهم لم يسلكوا سبيل العلماء في بحثهم واعتمادهم على الحواس وتجاربهم ومقارنتهم بين المواد والاستفتاج منها . إنما راضوا نفوسهم على نحو ما لينقذوا إلي عالم المجهول . وغار حراء بالنسبة لمحمد ( ص ) في جهده للوصول إلي المجهول من عالم الغيب ، كالعالم في معمله وتجاربه في عالم الشهادة هذا منهج وهذا منهج ، وشتان ما بينهما . بالمنهج العلمي من ملاحظة وتجربة واستنتاج ومنطق تكتشف قضايا العلم ، وبالمنهج الروحي الذي أشرنا إليه ، يحدث نوع من المعرفة أساسه ما نسميه بالوحي أو الإلهام .

وفي القرآن قصة ترمز إلي الفرق بين نوعي العلمين العلم المبني علي المنطق ، والعلم النبي علي مكاشفة الروح . وهي قصة موسي مع العبد الصالح الذي علمه الله من لدنه علما ، فموسى سبيل المنطق ، وبناء المسببات على الأسباب الظاهرة ؛ وهذا العبد الصالح لم يسلك هذا المسلك ، فخرق سفينة ليس لخرفها من سبب ظاهر ، وقتل نفسا زكية بغير نفس ، وأقام جدارا لأهل قرية أبوا أن يضيفوهما ، وكل هذا منتقد من جانب المنطق ، ولكن له ما يبرره من جانب الإلهام الروحي كما شرح في القصة ( ١ ).

لقد ذهب كثير من علماء النفس إلي أن وسائل العلم والمعرفة تنحصر في الوسائل المعروفة من ملاحظة وتجربة ، وعدوا ما يظهر غير ذلك نوعا من المرض النفسي ، أو شرودا في الخيال ؛ ولكن ظهور حالات كثيرة من المعرفة ، وانكشاف أمور ليس انكشافا أساسه المنطق ، عدل أذهان كثير من علماء النفس ، فأقروا بأن هناك إدراكا أساسه المنطق من ملاحظة وتجربة واستنتاج ، وهذا هو العادة والأغلب ؛ ولكن يجاب ذلك أحوال نادرة ، يستطيع فيها الإنسان أن يدرك ويعلم ، ويعرف

عن طريق غير المنطق ، وإن كانت نادرة ؛ وأقروا بأن طريقة علمنا ومعارفنا وبحثنا واستنتاجنا هي الطريقة المألوفة العادية ، ولكن ليست هي كل وسائل المعرفة ، فهناك من الوسائل ومن أنواع الإدراك ما لا يخضع للمنطق . ومن ذلك الحين أخذ علماء النفس ينوعون اتجاههم ، ويوسعون يحثهم ؛ فيحثوا في التصوف ونفسيته ، وكيفية إدراكه ومعرفته ، ولا يزالون في بدء هذا الاتجاه ، وهذا البدء كان بدءا فقط من الناحية العلمية ، أما الحقائق نفسها فقررة في كل دين ، معترف بها في كل عصر .

على هذا الأساس تكون الإنسانية تسبح في دائرتين : دائرة خارجية أو ظاهرية ، ودائرة داخلية أو باطنية ، مثل الأولى كجسم الشجرة وجذعها وساقها ، وسئل الأخري كالحياة تدب فيها فتكون وظائفها المختلفة ، ونهيها للإزهار والإثمار ، أو كمثل جسم الشمعة وقوتها على الإضاءة .

وكل ما نعتى به الآن من علوم على اختلاف ألوانها . وما نعني به من تاريخ أحداث وحروب واجتماع ، وما نعنى به من دعوة إلي الصدق والأمانة ، والجد والعدل ، كل ذلك متعلق بالحياة الخارجية ؛ أما الحياة الروحية فحياة داخل حياة ، وحكومة داخل حكومة ، وهذه غذاؤها الدين ، وهو غذاء فاسد إن فسد ، وصالح إن صلح

ونري في غضون التاريخ إشارات إلي هذه الحياة الروحية في معابد اليونان ، وهياكل المصريين ورموزهم ؛ فالخاصة كانوا يفهمونها على حقيقتها ويرمزون إلي المعاني التي في صدورهم برموز مجسمة وقصص رمزية ، يفهمها الخاصة علي أنها رمز ، ويفهمها العامة على أنها حقائق . وهكذا الشأن في تاريخ سائر الأمم والديانات .

وقد حاول كشف المجهول من الحياة الخارجية والباطنية أربعة أصول ؛ كل سلك طريقه الذي يناسب طبيعته ومزاجه : العلم ، والفلسفة ، والدين ، والفن ؛ وكثيرا

ما تنازعت في الطريق ، وقامت بينها الشاحنات والخصومات ، ومنازعاتها دليل على أنها لم تدرك وظائفها حتى الإدراك ؛ وقد حاول كل أن يوسع طريقه على حساب غيره ، وأن يتعدى في اختصاصه على اختصاص غيره ، ولو نظرت كلها إلي طريقها من طيارة لأدركت أن الطريق المرسوم لكل منها طريق مستقل بنفسه ، واضح بأعلامه ، وأنها كلها تصب في دائرة وسطها ، هي دائرة الحقيقة . ولو سار كل في طريقه الخاص به ولم يتعد على غيره لتوصل إلي الحقيقة من جانبه ، وهذه الحقيقة كفيلة بأن تنكشف في نهاية كل طريق عما يخصه ، وفيها كلها كشف الحياتين الظاهرة والباطنة ، والعالمين عالم الغيب والشهادة ؛ ولكن مع الأسف نري علما بغير على دين ، ودينا بغير على علم ، وفلسفة تغير عليهما جهلا بالطريق وعمي عن الحقيقة .

إن العلم - كما قلت - أساسه الملاحظة والتجربة ، ولا يكون ذلك إلا فيما يلحظ ويجرب ، فإن أراد أن يتخطى أسواره إلى عالم الغيب ، فقد أدواته ، وتكلم كلاما سخيفا ، وكذلك إذا أصابه الغرور فأنكر ما وراء السور .

والدين عماده الوحي والوصول عن طريق الروح إلي عالم الغيب بالرياضة وما إليها ، والاتصال بالشعور الأنبل إلي القوة العليا ، فإذا هو تخطى الدائرة الروحية إلى الدائرة العلمية ، فتعرض لقضايا العلم يشرحها و يدلل عليها ، أو ينكر على العلماء يحثهم ونتائجهم ، فقد تعدي طوره ؛ وكذلك إذا أخذ يدلل علي الدين بقضايا المنطق كما فعل علماء اللاهوت وعلماء الكلام في الإسلام ، فقد أتوا بفلسفة تافهة ليس فيها طعم الفلسفة ولا طعم الدين ؛ وكل هؤلاء وهؤلاء مثلهم مثل من أراد أن يشم بعينه ، ويري بأذنه ، ويتذوق بأنفه .

والفن من أدب وموسيقي وتصوير أساسه الفهم

العاطفي ، والشعور بالخفى الذي وراء المظاهر ، والوصول إلي قلب الأشياء ومزجها بعواطف الفنان ومشاعره ومزاجه . وإبرازها في شكل متناغم ، والاستمداد من قوة الخالق ليخلق صورا وألوانا يلهم بها العواطف النيل والسمو فإذا هو لم يمس الباطن واكتفى بالسطح أو اقتصر على استخراج السخرية والهرق ، ثم يؤد رسالته ، وعد من تواقه الأشياء ؛ وإن هو اكتفي باستدرار المال من الأمراء والأغنياء ، أو كان وسيلة لإثارة المشاعر الجنسية ، كان سلعة تجارية وضيعة لا سموا روحانيا رفيعا .

والفلسفة أساسها التأمل والتفكير المنطقي ، وشرح ما نعلم وتمييزه عما لا نعلم ، والوصول إلى جذور شجرة العلم والفن والدين لإدراك أصولها ؛ فإن هي كانت لعبا بالألفاظ ، وعرضا لآراء الفيلسوف ومشاعره ومضاربتها لآراء الفلاسفة الآخرين ومشاعرهم ، لم تؤد رسالتها . وكانت فلسفة لفظية أو شكلية أو حوارية ، أو ضربا من التعمية ، أو سخافة مغلفة بالألفاظ الغريبة الضخمة

وما المدنية الحقة إلا هذه الأصول الأربعة راسمة لكل أصل حدوده وطرفه ، موازنة بينها حتى لا يطغي منها أصل على أصل ، مهذبة كل أصل حتى لا يدخله الاستبداد والغرور ، منقحة كل واحد منها حتى لا يدخله زيف أو تحوير أو تضليل

ونفس كل إنسان فيها هذه العناصر الأربعة ، مع تفاوت بين الناس في المقدرة والكفاية والفاعلية والقابلية ، والنفس الكلية للعالم كذلك فيها هذه العناصر واضحة جلية ، وهي بجملتها وتفصيلها مظهر المدنية

وفساد مدنيتنا التي نعيش فيها اليوم أتي من اختلال التوازن بين هذه العناصر ، وما دخل على كل عنصر من الفساد

فالعلم تقدم وتقدم ، ولكن أين له القلب ، لقد ملأ الدنيا آلات وأدوات ، ونظريات في السياسة والاجتماع

والاقتصاد ، ولكن أصيب بعيبين : أولهما أن دائرته الطبيعية هي المادة ، فأداء غروره أن يبحث فيما وراء المادة بأدوات المادة ، فلما لم يجده أنكره ؛ وثانيهما أن الروح لم تتقدم تقدمه وتخلفت وتخلفت ، فاستخدم التقدم العلمي لخدمة الغرائز الوحشية علي شكل ممدن ، فإذا كان الوحشي يقتل بالحجر أو الهراوة ، فالعلم يقتل بالكهرباء والغواصات والطائرات والغازات الخانقات ، والوحشي بأسر خصمه ويستعبده لخدمته ، والمدني يغزو ويفتح ويستغل ويستعبد بأسلوب منظم ، وفي الأمة الواحدة أنواع وأنواع من الاستعباد ؛ وكذلك الشأن في بواعث اللهو والسرور ، فقد ترقت في الرقص والموسيقي واللعب . فالغرائز بين المتوحش والمتمدن واحدة ، والبواعث واحدة ، والعلم نظم الشكل وهذب الأسلوب فقط ، وقامت عظمة المدنية على ما كان عند المتوحش من غريزة حماية الأسرة أو القبيلة بشكل أضخم من استعداد حربي عظيم ، وتقوية الروح العسكري ونحو ذلك ؛ فالعلم بتقدمه من غير أن يتقدم الباعث القلبي أبقي القديم ور في الشكل ؛ فأصبحت المدنية علي هذا الوضع وحشية مغلفة أو همجية مفضضة

والدين في الدنية الحديثة مظهر لاخير ، وعمل بلا قلب ، وشعائر بلاشعور ، وحركات بلا روح ، ورجاله أتباع السلطة المدنية ، لافادة الحياة الروحية ، ينظرون بأعينهم إلي الأرض ، ولا ينظرون بقلوبهم إلي السماء . والفن تحريك للشهوة ، واستجلاب للثروة ، وجد في بقاء الشعوب في مستواها الهزلي .

فهل هذا الذي نري من تدمير بلع أقصي مداء ، وقلق واضطراب وصل إلي نهايته . وزلة وبليلة قلبت العالم رأسه على عقبه إعلان للثروة على المدنية التي لا روح لها ، ليبني على أنقاضها مدنية لها روح ؟

نرجو أن يكون !

اشترك في نشرتنا البريدية