قرأت مرة " انه منذ خمسين عاما درس عالم طبيعي دراسة دقيقة جدا ما يحتاج إليه الفار الصغير لنموه من عناصر اللبن المختلفة ، ثم جهز لبنا صناعيا يحتوي كل ما أثبته العلم مما يحتاج إليه الفار من بروتين ودهن وسكر وملح وماء بمقادير كالتي في اللبن الطبيعي تماما . وقد أعده في احسن " معمل " واتقنه . وإذا امتحن اللبن الصناعي امتحانا دقيقا ظهر انه لا يختلف أي اختلاف عن اللبن الطبيعي ؛ وإذا اختبر في الذوق لم يختلف عنه كذلك . ثم أطعم الفار الصغير هذا اللبن الصناعي ، فلم يتم ، وقل وزنه ، وأشرف على الموت . ثم تقدم العلم فتبين ان هذا اللبن الصناعي ينقصه مادة ضرورية هي صانعة الحياة ، هي الفيتامين ، وربما شئ اخر وراء هذا الفيتامين .
أذكرني ذلك بالفرق بين العلم والدين ، والمادة والروح ، والعقل والنفس . قد يكمل الشئ في مظهره ، ويدل امتحانه على أنه لا ينقصه شئ ، ولكنه فقد روحه كما يفقد هذا اللبن الصناعي هذا الفيتامين
قد تقدم العلم في القرن الأخير تقدما باهرا في كل فرع : في الطبيعة ، في الكيمياء ، في النفس ، في الاجتماع ، في الصناعات ؛ ولكنه لم يتقدم اي تقدم في فهم " نظرية الحياة " ؛ وظلت من غير جواب - تلك الصورة البديعة التى صورها فنان لطفل جميل مستغرب ، في ارض جرداء ، في مكان موحش ، وقد كتب تحتها الأسئلة الآتية : ماذا ؟ من أين ؟ إلي أين ؟
تقدم الطب والتشريح والجراحة ، وأتت الاختراعات
بالعجائب من : تليفون ، وفونوغراف ، وراديو وعجائب الكهرباء ، وظلت العجيبة الكبرى - على حالها - وهي عجيبة الحياة كيف تدب ، والموت كيف يكون ! وعجز العلم بكل اسلحته وادواته ان يتقدم خطوة في هذه السبيل ، فمهما كانت الآلة المخترعة ضخمة دقيقة معقدة فهي آلة لا غير ليس فيها روح ، ومهما كان التمثال جميلا رائعا فهو تمثال ينقصه ما طلب " ببجماليون " من ربه لتمثاله ، ان ينفث فيه الحياة ، وظلت أكبر آلة واعظم اختراع لا تدهش الإنسان كما تدهشه ذبابة كيف حييت ! وأعظم آلة تحتاج إلى عقل حي ليديرها ويشرف عليها
ما هذه الحياة ؟ من أين أنت ؟ إلي أين نصير لا يعرف العلم شيئا ، ونشأتها محوطة بظلمة البطن ، ونهايتها محوطة بظلمة القبر ، وهي نور بين ظلمتين ، ونهار بين ليلتين . ومهما اجتمع الفيزيقيون والكيماويون فلن يستطيعوا ان يبعثوا الحياة في خلية و . إن الذين تدعون من دون الله لن يخلقوا ذبابا ولو اجتمعوا له "
حلل الخلية كما تشاء إلي كربون وهيدروجين وأوكسجين ونتروجين كما كان يقول بعضهم ، أو إلى إكترونات كما يقول بعض آخر ، فإنها كلها ينقصها شئ لتكون الحياة وهي ليست الحياة ، كما ان اللحم والدم والنفس ليس الحياة . واشرح نظرية النشوء والارتقاء كما تشاء ، فهي تفسر تدرج الحياة من نوع إلى نوع ، ولكنها لا تفسر الحياة الأولى للخلية الاولى . إن العالم يستطيع ان يشرح لنا بناء الجسم الحي من نبات وحيوان ومم يتكون ، ويضع لنا المصطلحات لكل جزء ، ولكن إلى هنا ويقف ؛ أما كيف ديت الحياة إلى الخلية ، وكيف تنتج خلايا شجرة الورد خلايا مثلها حتى تنبت الورد ، وكيف تخالفها شجرة الياسمين فتنتج ياسمين ، وكيف يختلف الحيوان في ذلك عن النبات فتكون الخلايا بقرا وغنما
وفردا وإنسانا ، فذلك ما لا يستطيعه العلم
ثم كل حي إلي موت ، لا يفر منه أي شيء ، هو قانون الطبيعة الذي لا يتخلف . قد يستطيع العلم بمهارته وآله ومستكشفاته أن يؤخر الموت ساعات وأياما ، وإن شئت فقل اشهرا وسنين ؛ ولكن كل وظيفته أن يؤخر لا أن يمنع ، فإذا حاول أن يمنع عجز عجزا تاما .
ثم هو عاجز أيضا أن يفسر لنا ظاهرة الموت ! إن هذه الحياة التى اتت ولا نعرف من اين اتت ، لا نعرف أيضا أين ذهبت .
إن الدين يبتديء حيث ينتهي العلم ، فهو يفسر لنا الحياة والموت عن طريق العقيدة لا عن طريق المنطق ، فالله واهب الحياة يخرج الحي من الميت ويخرج الميت من الحى ويحيبي الأرض بعد موتها ، وكذلك تخرجون ، ومن آياته أن خلقكم من تراب ثم إذا أنتم بشر تنتشرون "
وهو ممد الحياة أثناء الحياة ، وهو سالب الحياة بالموت ، وهو باعثها من جديد ، ومن آياته ان تقوم السماء والأرض بأمره ثم إذا دعاكم دعوة من الأرض إذا أنتم تخرجون ، وله من في السموات والأرض كل له قانتون ، وهو الذي يبدأ الخلق ثم يعيده ، وهو أهون عليه ، وله المثل الاعلي في السموات والأرض وهو العزيز الحكيم "
والحياة مراحل ثلاث : دخولنا هذا العالم ، ورحلتنا فيه ورحيلنا عنه ، ولا سلطان لنا في مرحلتيه الاولى والأخيرة ، وإنما لنا مظهر قدرة في المرحلة الوسطى ، ليجري علي ايدينا الخير او الشر ، والنفع أو الضر . إننا لا نستطيع ان نرجع عقرب الساعة إلى الخلف ولا إلى الأمام ، وإنما نحن " بندول " يتحرك يقيد علينا الثواني والدقائق ؛ قد قيد علينا الماضي وهو يتحرك في الحاضر ، ولا اعرف إن كان يتحرك أو يقف غدا وكل ما انا مكلف به أن أعمل لإسعاد من حولي ، وإسعاد الإنسانية علي قدر ما استطيع .
فأما من أمن فسعد بالشعور باتصال حياته بإلهه ، وبالشعور بخلود النفس ، وان الموت ليس إلا ظاهرة مادية كظاهرة الولادة ، وأن الروح التى أتت مع الولادة وكانت قبلها ، ستظل بالموت وتبقى بعده ؛ وأما من ألحد فالمستقبل مظلم والفناء سريع . عند المؤمن الموت نهر غزير عليه جسر عبور ، وعند الملحد الموت نهر غزير ينغمس هو في اعماق ظلماته عند الملحد لا شئ يخلد ، وعند المؤمن هناك خلود الله وخلود النفس وخلود الحقيقة
إن الدين يقرر إلها كاملا في صفاته ، ويقرر اعظام الله ، وحسن الصلة بين الإنسان وربه بإقامة الشعائر ، وحسن الصلة بين الإنسان والإنسان باتباع القواعد والاخلاق ، واخيرا يقرر بقاء الروح والحياة بعد الموت ، والجزاء الاوفي على ما عمل من خير أو شر .
فماذا عند العلم ليقوله في ذلك ؟ لا شئ
لقد شهد القرن التاسع عشر والقرن العشرون معركة حامية بين رجال العلم ورجال الدين ، لأن كلا منهما كان يحاول أن يغتصب من الآخر ما ليس له ، وكان كل منهما مخطئا . اعتز العلم بقوته وبنجاحه في الآلات والصناعات ، وتغييره حياة الإنسان وادواته تغييرا تاما ، وإمداده بالقوة في مناحي الحياة المختلفة حتى اعتقد أنه علي كل شئ قدير ، وشاع على ألسنة الناس البرهان العلمي والتحقيق العلمي وما إلى ذلك من الفاظ . واعتقد الناس ان ما قاله العلم هو الحق وهو الصحيح . وطمع العلم ان يجري تجاربه على الإنسان ، كما نجح في تجاربه على قطعة من الحجر فيحلله إلى عناصره الأولى ، حتى حاول ان يرجع الأفكار والعواطف إلي المادة ، وأنها مظهر للمادة كبعض صفاتها ؛ وكما تفرز المعدة عصارة هضم يفرز المخ فكرا . وأخذ بحقه على هذا الاساس حتي شعره وحبه ، وحتي دينه وعقيدته في الله ؛ لا شئ إلا المادة وصفاتها ، والعالم ليس إلا آلة ضخمة كبيرة ،
نعم هي معقدة ، ولكن العلم قادر على شرحها ؛ واخذ مذهب النشوء والإرتقاء يحاول تفسير الا شياء وما يحدث لها تفسيرا علميا من ألفها إلي يائها . وجري على أن العالم ليس إلا مادة ولا حقيقة إلا المادة ، وانها خاضعة في كل حركاتها لما تخضع له الآلة الكبيرة من قوانين ، وانها تنشأ وترتقي آليا بنفسها لا بغيرها ؛ لكن العلم على هذا النحو اصطدم بالحياة فعجز عن تفسيرها ، واصطدم بأن العناصر المادية للشئ تتكون ثم لا يكون الشئ ؛ واصطدم بجهله بحقيقة الأشياء وإن عرف مظاهرها وآثارها
إن العلم نجح في شرح مظاهر المادة فأداه غروره إلي أن يعرف حقيقتها ؛ إنه يستطيع ان يعرف " كيف " ولكنه لم يستطع ولن يستطيع ان يعرف " ماذا " . إن من اختصاصه ان يقول إن العالم الظاهري الطبيعي مركب من مادة وهو آلة تعمل ؛ ولكنه بدل أن يقول ذلك قال : " إن العالم المادي هو وحده الحق ، والمادة وحدها هي الموجودة . وبدل ان يقول في نشوء العالم إن الحياة ترتقي من البسيط إلي المركب بعوامل مختلفة . قال : " إن أصل الحياة وجد من هذا البسيط وتركب ، وإن أصل الانسان لم توجده قدرة إلهية ، وإنما هو عمل حرارة الشمس في مادة بسيطة . وبهذا تعدي العلم طوره واغتصب مالا يملكه ، وإنما يملكه الدين ؛ فالدين وحده هو الذي يستطيع أن يفسر ما وراء المادة من حياة ونفس وإله ، ونحو ذلك من العالم الروحاني .
وقد اغتصب العلم ذلك من الدين ردا علي ما حدث في قرون طويلة من اغتصاب رجال الدين لحقوق العلماء . إن من حق العلماء أن يقرروا كل ما يتعلق بالمادة وصفاتها كما تقوم عليه براهينهم . للجغرافي ان يقرر ما يقوم عليه البرهان من دوران الأرض حول الشمس لا الشمس حول الأرض ، وللفلكي أن يقرر النظام الشمسى وغيره كما يدل عليه علمه ؛ وللجيولوجي ان يقرر عمر الأرض بملايين السنين او بالالاف كما تدل على ذلك براهينه ؟ ولدارون ان يقرر
النشوء والأرتقاء من البسيط إلي المركب ؛ ولكل رجال علم الحق المطلق في ان يقرروا قوانين المادة التي يكتشفونها ، كل في اختصاصه كما يشاءون . فإذا اعترض رجال الدين على ذلك كانوا قد تجاوزوا حدودهم ، وتحدثوا فيما ليس من شأنهم . ولجهل هذا الأساس كان التاريخ وأحداثه الآليمة مظهرا من مظاهر اغتصاب رجال الدين لحقوق العلم ، أو اغتصاب العلماء حقوق الدين .
وأخيرا نري في الأيام الأخيرة بين بعض رجال العلم وبعض رجال الدين حركة محمودة ، قوامها أن للعلم عالما يجول فيه ما شاء ، وليس للدين أن يعترض عليه ، وذلك هو عالم الطبيعة ، عالم المادة بما فيها العقل والنفس ؛ وأن للدين عالما يجول فيه ما شاء ، وليس للعلم أن يعترض عليه وذلك هو عالم الروح والله . وأن الخريطة التي رسمها العلماء للعلم مركزها وأفقها ليست هي الخريطة التي يرسمها الدين . ويعجبني قول أحد رجال العلم المشهورين الأستاذ مكس بلانك في كتاب له عنوانه : " إلي أين يتجه العلم " : " ليس هناك تعارض حقيقي بين العلم والدين ، بل إن أحدهما ليحيي الآخر ويؤيده . وكل إنسان مفكر جاد يري أن عنصر الدين مغروس في طبعه ، ويجب أن يتعهد وينمي ويرقي كما ترقي وتتعهد عناصر الإنسان الآخر لتتوازن العناصر وتتناغم . وليس من باب المصادفة أن عظماء المفكرين في كل عصر كان الدين متغلغلا في أعماق نفوسهم ، حتى ولو لم يظهروا أمام الناس قوة شعورهم بدينهم . من التعاون بين العقل والدين ظهرت أجمل ثمرة للفلسفة ، وأعني بها ثمرة الأخلاق . والعلم رفع القيمة الأخلاقية للحياة ، لأنه عضد حبه للحقيقة واحترامها ، أما حبه للحقيقة فيما أظهره من حب متواصل في معرفة عالم المادة وعالم العقل الذي حولنا ؛ وأما احترامه للحقيقة فلأن كل تقدم في العلم والمعرفة يجعلنا نواجه وجودنا الغامض
