كان أبو علي بن سينا من أكبر فلاسفة المسلمين إن لم يكن أكبرهم - تربي من صغره تربية فلسفية دقيقة ، فتعلم على أساتذته المنطق والرياضة والطبيعة والفلك ، ثم انصرف إلى ما نقل عن اليونان ايضا من علم ما بعد الطبيعة . فقرأ كتاب ما بعد الطبيعة لأرسطو أربعين مرة ، فلم يفهمه ؛ ثم عثر على كتاب للفارابي يشرح كتاب ارسطو ويبين اغراضه ، فالتهمه التهاما ، وانكشف له به كتاب أرسطو انكشافا ، وفي كل ذلك يعمل عقله الكبير في اعقد المسائل الفلسفية لا يمل ، وإذا نام حلم فيما يشغله أثناء يقظته ، حتى وصل إلي فهم الفلسفة فهما دقيقا ، وألف فيها الكتب الكثيرة مطولة ومتوسطة ومختصرة . ووصل بفلسفته إلى وجود الله ، وانه علة العلل ، وانه واحد ، وانه بريء من الكم والكيف والأين والمتي والحركة ، إلي آخر ما قرره في فلسفته
وكان يعاصره رجل كبير اسمه أبو سعيد بن أبي الخير يقرن بعمر الخيام فيما له من رباعيات عميقة تفيض بالحياة ، وكان صوفيا فارسيا عظيما ، تربي علي النمط الصوفي ، كما تربي ابن سينا على النمط العلمي والفلسفي . إذا قرأ ابن سينا المنطق على استاذه استعدادا للفلسفة ، فأستاذ أبي سعيد يعده للتصوف ، فيأمره ، ان يستحضر الله بقلبه ، ويتصوره مكتوبا بأحرف من نور على قلبه وعلى سائر اعضائه ، ويمليه رباعية فارسية يأمره ان يكررها ما استطاع ؛ ومعناها :
بدونك - أيها الحبيب - لا أذوق طعم الراحة
وفضلك على أيها الحبيب - لا يمكن ان يعد ولا يحصي
لو أن كل شعرة من جسمي لسان يذكرك
وكلها تنطق بآلاف الثناء عليك ما اديت حقك
ثم يتدرج به شيخه في الإرشاد من تأمل وخلوة احيانا ونحو ذلك ، حتي يصبح اكبر صوفي في عصره يروي عنه الأدب الغزير في التصوف . فأصبح ابن سينا علما في فلسفته ، وأبو سعيد علما في تصوفه .
فيحكون أن القدر جمع بينهما في نيسابور ، فاجتمعا ثلاثة أيام بلياليها يتذاكران ما وصلا إليه في فهم الحقيقة ، ثم افترقا . فسأل تلاميذ ابن سينا استاذهم عن رايه في أبي سعيد ، فقال ابن سينا : " إن ما أعلمه أنا يراه هو " ! وسئل أبو سعيد عن رأيه في ابن سينا ، فقال : " إن ما أراه أنا يعلمه هو " !
مهما شك المؤرخون في صحة هذه القصة فهي قصة ظريفة تمثل الواقع . هي الفرق بين الفيلسوف والصوفي ؛ وهي الفرق بين العقل ينمى والقلب يغذي ؟ بين العقل يتفلسف والقلب يتدين ؛ بل ملكتين في طبيعة الانسان اتحدت غايتهما واختلفت طريقتهما . عقل يسير في طريق المنطق والمقدمات والنتائج ، وقلب يسير في طريق الحب ، يقول ابن سينا : " أحيانا كنت أتحير في مسألة ، ولم أكن أظفر بالحد الأوسط في القياس " ؛ وابو سعيد كان يتحير إذ يجد حرارة حبه قد فترت ؛ ذاك يعمل العقل حتى يظفر بالحد الأوسط ، وهذا يرهف الشعور حتى تتقد حرارة حبه .
وكما تمثل القصة ملكتي النفس ، فهي كذلك تمثل الناس : هذا رجل عقل جاف نمى عقله حتي على حساب شعوره ؛ وهذا رجل قلب حار نمي قلبه حتي على حساب عقله . وقل من اعتدل
ويعجبني اتفاقهما علي تسمية إدراك العقل علما ، وإدراك القلب رؤية . فالعقل يعلم عطف الأب علي الابن
ولكن قلب الأب يراه ؟ والعقل يعلم ان هناك حبا ولكن القلب يراه .
إن الكون مملوء بتموجات دونها تموجات المحيط . تري العين بعضها ولا تري بعضها ، حتى مما يمكن أن يري ، فإذا زادت التعوجات أو قصرت عن حد معلوم فلا يراها الإنسان وقد يراها بعض الحيوان ، وكذلك السمع والشم . وهناك تموجات يعلمها الإنسان ويراها الحيوان . فالنحل يري يعسوبه إذا بعد عنه أميالا ، والإنسان قد يعلمه ولا يراه . والطيور الرحالة تري أعشاشها على بعد آلاف الأميال ، والإنسان لا يراها . والجمل يري موضع الماء في الصحراء واتجاههه ، وقد يعلم ذلك الإنسان ولا يراه . والنمل يشم السكر في الصيوان ، والإنسان قد يعلمه ولا يشمه . والشئ قد يكون ظلاما دامسا لإنسان ونورا ساطعا لإنسان . فحقا ما قالاه من أن إنسانا يعلم وإنسانا يري ! وما العقل والإلهام ، وما التفكير والشعر ، وما الفن والخيال ، وما الفلسفة والدين إلا جداول من ذلك المحيط ، محيط الكون اللامتناهي ، تدرك بعض تموجاته . فضلة لرجال علم ينكرون وحي الدين ، وضلة لرجال دين ينكرون حقائق العلم - لقد قال متصوف " حقا حقا ، إني لست شيئا إلا فيضانا من حب " ! فقال عالم : " حقا حقا ، إني لا أفهم لغتك ، وما هي إلا هذر " . وقال متصوف ؛ " إني أنا الحق " . فقال عالم : " لست الحق ، ولكني باحث عن الحق لأستخدمه في حياتي " . أما أنا فإني أفهم المتصوف في حبه ، والعالم في علمه ، ولا أفهم إنكار أحدهما على الآخر
وكما تعددت الملكات في الإنسان الواحد واختلفت في القوة ، وتعددت في الناس واختلفت في القوة ، كذلك اختلفت في البيئات ، فأشتهر من قديم إلهام الشرق ، وعلم الغرب أو فلسفته . فمؤرخو الفلسفة يرون أنها ظلت عقلية
بحتة ما استقرت في بلاد اليونان ، حتى إذا اتت الإسكندرية امتزجت روح اليونان بروح المشارقة ، وكونت مزيجا من عقل الأولين وإلهام الآخرين ؛ وتعاونت الروح الشرقية - التي من خصائصها الطموح إلي ما وراء عالم الشهادة ، والروح الغربية التي من خصائصها التحليل والشرح وربط الأسباب بالمسببات - على إيجاد فلسفة دينية لا هي فلسفة محضة ولا هي دين خالص
ثم إن الأديان الكبري من : برهمية وبوذية ويهودية ونصرانية وإسلام ، نبعت من الشرق - من اسيا - ومنه انتشرت في انحاء العالم ، فما علة هذه الظاهرة ؟
قرأت أخيرا تعليلا لكاتب إنجليزي أقام طويلا في الهند يجيب عن هذا السؤال فيقول : " إن الريح الباردة في الشمال ، والسماء الدكناء والغيوم والأمطار لا تجذب إليها الإنسان ليكون خارج نفسه ، بل تجعله ينكمش داخلها . إن كل عاصفة باردة ، وكل مطرة غزيرة ، وكل يوم أدكن لا يذكره بنفسه ، ولكن يذكره بجسده ؛ فيجب أن يفكر في كيف يدفأ ، وكيف يغذي ، وكيف يؤوي ، ولا ينسى إبدا ان الجو الخارجي عدوء يخاف منه ويحتاط له - وحمله ذلك على انه إذا اقام في مسكنه فأكره ما يكره أن يكون مع نفسه وحدها . وعزلة الإنسان وانفراد نفسه مع الطبيعة هي وحدها التى تجعله يسمع صوت الكون . إن الطبيعة لا تتكلم إلا همسا ، فيجب أن يسود حولها السكون التام حتى توحي بأسرارها .
والأمر على عكس ذلك في الشرق ، تمر الأسابيع والأشهر وربما نصف العام ، والنهار كامل في نهاريته ، والليل كامل في ليليته . وفي هذا الجو يستطيع أن يكون الإنسان مع نفسه وحدها ، في هذه البيئة يستطيع ان يجد الصحراء العميقة في سكونها ، والغابات التي لا حد لها ، ويستطيع ان يستغرق في سكونه وتأمله فينسى الناس ،
ولا يشعر إلا بنفسه في احضان الطبيعة ، في احضان الله !
" إنك في الشرق قليلة حاجاتك ، لست في حاجة إلي نار للدفء ، بل ولا في حاجة ملحة إلي مسكن . وأي غذاء يكفي ، وأي ملبس يكفي ولست في قلق واضطراب وتفكير فيما يواجه به الريح الباردة والجو المظلم ! يكفي ان يكون مأواك في النهار ظل شجرة ، وفي الليل تسطع على رأسك النجوم بلألائها ، لاتتصل بشيء إلا بالطبيعة ، فإذا أنت أحببتها كما يجب أن تحب ، وتعشقتها كما يجب ان تعشق ، وناغمتها كما يجب ان تناغم ، وأرسلت نفسك على سجيتها لتسبح في عجائبها ولا نهايتها استطعت عندئذ فقط ان تسمع لموسيقاها الساحرة
" لهذا سطعت الأديان من ارض الشمس ، لأن الضوء مصدر الإيمان .
" فما لم تر الشرق لا تعرف ما العقيدة ! واعتبر ذلك بما يلفت نظرك عند ما تضع قدميك في الشرق . ما الذي يفجؤك ، ما الذي تشعر أنه الشئ الفعال النفاذ في نفوس الناس ؟ إنه الدين ! إن الشرقي فخور بدينه ، يجب أن يدل عليه حتى بمظهره : فهذا الهندوسي بشعبه الثلاث التى على رأسه ، وهذا المسلم بلحيته وعمامته أو نحو ذلك . هل رأيت إنجليزيا يصلى في الشارع ؟ وإذا رأيته أفلا تلومه وتصيح فيه : " صل في بيتك " ، وتعتقد أنه يعرض صلاحه وتقواه ؟ ليس الأمر كذلك في الشرق ، إن الشرقي يفعل ذلك ولا يري فيه موضع مؤاخذة أو غرابة . إنك تركب القطار في الهند ، فترى هؤلاء الهنود من رجال ونساء وأطفال يتجمعون عند طلوع الشمس فيحيونها ويصلون لها وهؤلاء المسلمين ينشرون ثيابهم على الأرض ، ويتجهون نحو الكعبة يصلون لله على ملأ من الناس ، ويرون ذلك واجبهم ؛ ذلك لأننا في الغرب لا ندرك حقيقة إيمان الشرق ! إن الشرقي يعد الدين نفسه ، ولا يعده الغربي كذلك - إن الغربي قد يساكن آخر ، ويصاحبه زمنا طويلا ، ولا يسائله يوما عن دينه بل ولا يهمه ما دينه ؛
ولكن الدين في الشرق أعز شئ عند أهله .
" وشيء آخر بين الشرق والغرب ، أن الدين في الغرب نظم نظاما دقيقا كأنه حكومة ، والكنيسة ورجال الدين يسيرون على نظام محكم وعلي رأسه البابا ؛ أما في الشرق فليس هذا هو الشأن ، فلا رئيس في الهندوكية ؛ وخليفة المسلمين ليس له إلا سلطة اسمية ، والدين - على العموم - في الشرق نفسي داخلى ، وليس يحتاج إلي نظام ولا سلطان . فإذا شعر الشرقي بحاجة إلى الدين بحث عنه كما شاء ، واعتنقه كما شاء ، وأسس علاقته بربه كما شاء . إذا نظرت إلى الدين في الغرب رأيته كحديقة خضعت للنظام ، شذبت أطرافها في دقة ، وعني بكل شئ فيها ، ومنع من السير على حشائشها ؛ كل شئ فيها بقانون ومنهج وقيود ، لأن بذورها مجلوبة من الخارج فتحتاج إلي مجهود صناعي كبير أما في الشرق فحديقة طبيعية تنمو أزهارها المحلية كما تشاء . لا تحتاج إلي بستاني يرعاها ويشذبها ، وكل شئ فيها ينمو حسب قوته واستعداده الفطري من صغيره إلي كبيره .
لهذا كله كان الشرق مصدر الدين وملهمه " .

