الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 324الرجوع إلى "الرسالة"

حديث فى القرن التاسع عشر

Share

إلتفت إلى محدثى - وهو شيخ وقور (1) - وقال لى: - إننى محدثك حديثاً عجباً! قلت: هات!

قال: كنت فى نهاية القرن التاسع عشر فى وظيفة إفتاء للأسطول  العثمانى. وألزمت أن أركب البحر من الدار العلية إلى شاطئ  المغرب لمشاغل دينية، على باخرة يونانية صغيرة تميل كلما مال عليها  الموج. كنت فى عزلة موحشة، لأنى غريب لا تميل سحنة إلى  سحنتى، ولا ينحنى زى على زيى. وصدفة جلس إزائى على المائدة  رجل قد تجاوز الأربعين، ولكن ملامح الأسفار على وجهه،  وقد استبد الشيب بأكثر مساحة رأسه. أما همته، فلا تزال  فى صعود: يمشي فلا ينحنى، ويتكلم فلا يتتعتع ...

بادرنى قائلاً بالألمانية: -  هل تحسن الألمانية؟ -  لا. سكت ريثما فرغت جفنة من الطعام وعاد سائلاً: -  هل تحسن الفرنسية؟ -  لا. -  هل تحس الإنجليزية؟ -  لا. ثم قال لى بلسان فصيح طلق كأنه أحد البداة: -  وهل تحسن اللغة العربية؟ -  أنا أبنها!

-  ما اسمك، وما وسمك، ومن أين، وإلى أين؟ أجبته على سؤاله، وعجبت من أمر هذا الرجل الذى كان  ينبغى له لما صادفه من زيى أن يسألني بالعربية. وقدم إلي نفسه  بأنه مستشرق ألمانى من هامبورج، قضى فى الشرق زمناً طويلاً  يبلو به الأخلاق، ويدرس العادات. وكانت صحبتنا خلال هذه

الأيام المعدودة، صحبة متينة وثيقة، تجاذبنا فيها ما اختلف ألوانه  من الأحاديث. وقبل أن يغادرنى إلى بلده قال لي: -  والآن أريد أن أسألك عن مسألتين، ولكنى رجل  لا أُحب النقاش الممل، والجدل القائم على المكابرة.

قال: -  إننى أطلب إلى الله أن يميتنى على دين عمر بن الخطاب!  قلت له: -  يا هذا! إن الدين دين محمد، فكيف تسنده إلى عمر؟! أجاب:

-  نعم. إن الدين دين محمد، ولكني أدعو الله أن يميتنى  على دين عمر ... إن محمداً جاء بالدين ودعا إليه، وأبو بكر شد  أًزره، وثبت أمره. وجاء عمر ينشره يؤيده وينفذه ... ومات  عمر والمسلمون من بعده لا يزالون يتخبطون فى فتنة عمياء،  عرفت أوائلها، ولا تعرف خواتمها! المسلمون اليوم على دين غير  دين عمر. وماذا - لعمر الله - يرعون من هذا الدين إلا رسومه؟  دين عمر يأمر بالصلاح وهم فاسدون. دين عمر يأمر بالأمانة  وهم خائنون، ويأمر بالصدق وهم كاذبون، ويأمر بالوفاء وهم  غادرون ...

سمعتُ هذا من محدثى، وبرقت لنفسى خاطرة أُحببت أن  أوضحها، وأحببت أن الفت إليها أنظار المصلحين من رجال الدين:  إن الأخلاق التى حث عليها الدين تنحصر فى نوعين: الأخلاق  الحسية، والأخلاق المعنوية. أما الأولى فهى تتناول الظاهر  وتجعل من الرجل الذى يتمسك بها رجلاً فاضلاً محترماً. وإلى  هذا النوع من الأخلاق يميل المصلحون، وعلى ممارسته يحثون.  على أن المسلمين فى الحقيقة لم يتردوا فى هذا الدرك الأسفل من  الذل، لأن بعضهم يشرب الخمر أو يفسق أو يقامر، وإنا لنرى  أكثر الأمم المتسلطة علينا غارقة فى خمرها وفسقها وقمارها ...

فلم يضرها ذلك شيئاً. أما الجانب الأكثر خطراً فى الأخلاق،  فهو الجانب المعنوى الذى تقاس به حيوية الأمم. ولعل هذا الجانب  هو ما قصد إليه المستشرق، لأنه وجد أخلاقنا المعنوية، ومقاييسنا  الروحية هزيلة جداً: فتاجرنا مثلاً يثرى بالخيانة والحيلة، وفقيهنا  يرنع بالكذب، ومصلحنا يقصد جيبه قبل أن يقصد ربه. ومثل  هذا الجانب هو ما ينبغى للمصلحين أن يعالجوه! وقد عرف رجال  الدين كيف نعت الرسول (ص) الكفر بالشرك الأكبر والرياء

فى الأخلاق بالشرك الأصغر. ومن ذا الذى لا يذكر ذلك الأعرابى  الذى قدم على رسول والرذائل حشو ثيابه، فقال له: إنه لا يستطيع  أن يقعد عن الخمر، وعن الفسق، وعن القمار. فما عالجه الرسول  الحكيم إلا من الناحية المعنوية التى تقوى الشخصية وتنقى النفس

قال له: -  لا تكذب، وافعل بعد هذا كل شىء ! لكن الأعرابى بعد يومين ترك كل رذيلة. وها هنا روعة الفهم وروعة الحكمة!

ولكن كيف يعمل مصلحون يتاجرون بالأخلاق الحسية  على حساب الأخلاق المعنوية؟ ألتفت المستشرق إلى محدثى عن المسألة الثانية: -  وما هو الفارق بين الشرقيين والغربيين؟

-  فاعتذر صاحبى بأنه لا يعرف الغرب معرفة صحيحة، كما اعتذر  الشيخ محمد عبده حين سأله الفيلسوف سبنسر عن أخلاق الإنجليز  فاجاب المستشرق:

-  إن الشرق كفرد له قيمته وطيبة قلبه، بعكس الغربى  الذى فسدت ذاتيته، وتعطلت محاسن نفسه. ولكن الشرقى  حين يندمج ويتكتل مع غيره لا يلد إلا كتلة فاسدة متفسخة،  يسوقها الطمع، وتقتلها الأنانية. بعكس الكتلة الغربية التى  يسودها النظام، وتذوب فيها المصالح الفردية. ولهذا يرجع سر  نجاح الجمعية الغربية، وفشل الجمعية الشرقية!

ولقد أصاب المستشرق الهدف إلى حد بعيد، لأن تربية  الشرقى تربية ذاتية أنانية تدور حول نفسها، لا تعمل الخير  ولا تطلب الإحسان فى العمل إلا إذا عملت لنفسها. بينما تربية  الغربى تكاد تصبح تربية جماعية اجتماعية، كأنما أدركت هذه  التربية قول الرسول (ص): يد الله مع الجماعة.

ولكن ما عسى يقول هذا المستشرق لو عرف أن الشرقى  الذى كان يعرفه قد مات، وأن الشرقى اليوم قد أضاع طيبة القلب  وأمانة النفس كفرد، وبهذا أصبح لا يصلح للحياة كفرد فى نفسه  ولا فى مجتمعه! وهنا افترقا ...

لكن القدر هيأ لهما اجتماعاً ثانياً بعد أربعة أعوام فى مدينة  المستشرق - هامبورج - فاستقبل المستشرق صاحبنا وأحله

فى مثواه، لأنه عربى له عليه حق الضيافة. وفى اليوم الثانى  عرَّج به إلى الجامعة، وقدمه إلى رئيسها، وهو شيخ مفكر،  لكنه غير محلول اللسان

قال الرئيس لمحدثى بالعربية: -  كيف رأيت بلادنا؟ -  البلاد جميلة! -  جميلة! الظواهر جميلة فى انتظام، أما البواطن ففى  انقلاب! ولكن إذا حكم الإنسان العقل أدرك الأمور بحقائقها

فالتفت محدثى إلى الرئيس وقال: -  على ذكر العقل وإدراكه للحقائق، أود أن أذكر هذه  الفقرة من كتاب مخطوط قرأته فى مكتبة - أيا صوفيا - وهو  فى التصوف، واسمه (نور الأبصار) لمؤلفه الشيخ بهاء الدين  اليانيلى من منطقة الألبان (صدر فى سنة ١١٦٠هـ) قال عن  الشيخ العارف الأكبر السيد محى الدين بن عربى: (ما عرفت  رجلاً عرف الله عن طريق العقل مثل أفلاطون ... وأفلاطون  فيلسوف يونانى تفتحت له الحكمة، وانزاحت عن عينيه الحجب.  وقد أوصى بأن ينقش على قبره: (الحكمة سلم العالم الأعلى،  من علمها فقد علم القرب إلى بارئه، من تدبر نظر، ومن نظر  عرف، ومن عرف عمل ، ومن عمل انفتح ذهنه وعقله ، ومن انفتح ذهنه وعقله صفت نفسه، ومن صفت نفسه وصل إلى خالقه  بدون واسطة!)

وهنا طلب الرئيس إلى محدثى اسم الكتاب واسم مصنفه  ومكانه. وطلب إلى أستاذ فى الجامعة أن يسافر لغده إلى - الدار  العلية - لاستنساخ الكتاب. ويضيف محدثى إلى ما قاله:  وبعد شهرين علمت من قيم المكتبة أن أستاذاً ألمانياً نقل  الكتاب، وأعطى القيم مكافأة حسنة ...

اشترك في نشرتنا البريدية