بعد الكاتب الصحفي الإنجليزي ويكهام سنيد wickham steed من أعلام الصحافة في العصر الحديث ، وقد عمل في الصحافة مدة طويلة وقام بنصيب مشكور في خدمة صاحبة الحلالة فجرها خبرة واسعة ووصل في ميدانها إلى غاية بعيدة حيث أشرف على تحرير جريدة النيمس الإنجليزية فترة طويلة من الزمان ، ودام عمله في الصحافة زهاء خمسين عاما فتعلم الاختزال والقه وخبر التحرير وأحسنه وعرف كيف يلج المجتمعات ويحضر المحاضرات وقد ألف ويكهام ستيد كتابين في الصحافة سمي الأولى the press كما سمي الكتاب الثاني jornallsm وله غير هذين الكتابين كتب أخري ومقالات وخطوات جميلة في الصحف وقد لجأ ويكهام ستيد إلي الصحفي الكبير ى . ت . w.t.stead يسأله النصح في ميدان الصحافة فقال سند لستيد ( كل ما يحضرك في الكتابة فأسرع ودونه وبعد أن تدونه تصور أنك سوف ترسله بالبرق وانت في بلدك في انجلترا إلي أستراليا على نفقتك الخاصة بحيث تكلفك الكلمة الواحدة شلنا . وعلى هذا ينبغي أن تحذف ما لا فائدة منه ولا غناء فيه ، وستجد في النهاية أنك حذفت كثيرا وأبقيت قليلا ، ولكن هذا القليل ما ينبغي أن ترسله إلى صحيفتك ) .
هذه هي نصيحة رجل صحفي قديم من أساطين الصحافة ارخ حياته فردويك وابت ( fredrie whyle ) في مجلدين لويكهام ستيد ، فالصحافة إذا لا تقبل المراوغة ولا المداورة ولا تحتمل الإسهاب ولا الإطناب ولا ترغب في دوران الجمل العديدة حول معني واحد ، إنما تريد الصحافة شيئا سهلا يسيرا قصيرا يقبله القارئ في سهولة ويسر دون أن يكلف نفسه عناء القراءة ودون أن يكلف كاتبه عناء الكتابة كذلك فيسترح ويريح .
وقد بين ويكهام ستيد مهمة الصحافة في جمع الأخبار
التي تهم الرأي العام وإعلانها وتفسيرها ، وهذه المهمة مفيدة قيمة ما في هذا شك وفيها كثير من المسئولية ، ولكن فيها أيضا كثيرا من الشرف والفخار . فمنذ فجر التاريخ ومنذ مستهل الحياة في هذه المعمورة ولا نستطيع أن ثمين بالتحديد ذلك الوقت ، قامت الأخبار بدور حيوى كبير في حياة الإنسان بل وفي حياة الحيوان أيضا فمجرد اتقاء الحيوانات للخطر ما هو إلا ( إخبار ) بذلك . وكذلك الحال في المجتمعات المتحضرة ، فالحكام يحاولون أن يستشفوا الأخبار الوثيقة والبيانات الصحيحة عن الشئون المؤثرة في مصلحتهم ، ولذلك وجد السفراء كما وجد المنادون على الأخبار أو الجارون لتبليغها كما وجدت المراكب السريعة لنقل الأخبار ووجد من يحملون الأخبار والرسائل على ظهور الدواب . ووجد المتنبئون والعيون والجواسيس . ولذلك قالوا في الأمثال ( أن تنذر قبل وقوع الخطر هو أن تستعد قبل حدوثه ) فمعني الأخبار أن تعطى تحذيرات أو تبليغات للشعب بين الحين والحين عن الأحداث التي وقعت أو الأحداث التي قد تقع ودورة هذه الأنباء بين أفراد الشعب خدمة اجتماعية لها قيمتها ولها خطرها .
فالصحافة إذا صورة حديثة من الخدمة الاجتماعية قد نهضت وانتعشت بفضل الطباعة ولم تلبت أن ازدادت نهوضا وانتعاشا وامتلأت حياة ونشاطا بفضل الانتقال من المرحلة البدائية إلى المرحلة الميكانيكية ، فامكن بذلك أن نجمع الأخبار وأن توضع في إطارات معدنية وأن تنشر على الناس بكميات كبيرة .
ولم تكن للصحافة في مفتئها إلا حرية محدودة حتى وضعت المصائير السياسية وحررت الطبقة الثالثة أو السلطة الثالثة بتعبير آخر ، وأطلقت على الصحافة السلطة الرابعة . ومن ثمة أخذت الصحافة تزدهر وتنتعش ، وكان بعض الصحفين يخرجون دوريات تناقش المصلحة العامة كما تناقش
شئون الشعب ، ولكن لم تكن في انجلترا صحافة مستقلة كاملة إلا في الربع الأخبر من القرن الثامن عشر ، وأسست بعض المطابع التي ساهم في تكوينها كثير من الممولين ، كما أنشئت جريدة التيمس " the timen " في سنة ١٧٨٥ تحت اسم ( الديلي يونيفرسال ريجستر ) daily universal register. وقد أسسها طابع يسمى جون والتر john walter حتى تؤكد للناس قيمة فن الطباعة الحديث ، وتثبت الصلة الوثيقة والوضيجة القوية بين تقدم فن الطباعة والخبرة الصحفية
وطفقت الصحافة تنمو وتزدهر منذ أن أصبحت معرفة الأخبار عملا قانونيا خاصا ، وكان من الطبيعي أن تحاول الحكومات أن تسيطر أو أن تحد من سلطة الصحافة سواء بفرض رقابة شديدة عليها أو بفرض عقوبات أو غرامات رادعة ، ولا سيما عندما خاضت الصحف في المسائل السياسية والشئون الدبلوماسية ، فكان من اللازم الحرص في هذه المسائل والحيطة في تناول هذه الشئون ، ولا تزال الصحافة حتى اليوم معرضة لكثير من القيود . ومن أمثلة ذلك قانون تسويئ السمعة والقذف والتشهير low of libel .
ولذلك كان كثير من الصحفين مقيدين في نقدهم وتعليقهم على الأنباء ، فيفرضون بذلك رقابة من أنفسهم على أنفسهم ويتخذون الحيطة في نشر الأخبار .
ويعتبرون هذه الحيطة واجبا مفروضا عليهم لا مفر منه ولا محيص عنه . وقد صرحت بذلك جريدة نيويورك تيمس الأمريكية الأولى في ميدئها ( كل الأخبار الجديرة بالطبع ) . فللمجتمعات الديموقراطية الحق في وقت السلم في معرفة كل ما يمس مصلحتها العامة . وما حرية الصحافة أو بمعنى آخر غياب القيود الرسمية على استقلال الصحفيين في الظروف العادية إلا منحة لاستئياب السلام الاجتماعي ، أما في وقت الحرب حيث تناشر الأخبار المثيرة الخطيرة وحيث يمكن للخبر الكاذب أن يهدد كيان أمة بأجمعها ، وجب أن تفرض رقابة رسمية على الصحف لأن هذه الرقابة لا يمكن الاستغناء عنها في مثل هذه الآونة الحرجة
ولكن تحت تأثير أي الظروف والأحوال يستغل الصحفيون هذه التجارة ؟ أما إذا كانت الصحافة مهنة فما هي المؤهلات التي تطلب من الصحفيين ؟ وما هو الشئ الذي يؤهلهم أن تطبع أخبارهم وتباع أفكارهم ؟ وبأي الدرجات العقلية والميزات الأخلاقية يتحلى الصحفيون قبل أن يسيطروا على روح الاستطلاع في الشعب ؟ فالصحفيون لا يجتازون امتحانات مهنية والصحفيون قد لا يكونون حاصلين على دبلومات أو درجات علمية ، وقد لا تزيد ثقافة بعضهم عن ثقافة فنان صغير . فمن اين أتتهم هذه السلطة ، وكيب حصلوا على هذا المركز وهذه المكانة العظيمة ؟ .
المفروض أن الصحفيين ينبغي أن يكونوا اصحاب ( أقلام مستعدة ) ready pens للكتابة في أي موضوع من الموضوعات بغض النظر عن الموضوعات التي لا يعلمون عنها إلا النزر القليل والقدر الضئيل ، فهنالك أخبار صادقة وهنالك أخبار كاذبة ، وهنالك موضوعات يضطر الصحفى إلى الخوض فيها تكون مما يمس نفسه ويستهوي قلبه .
ولكن كثيرا من الصحفين مخطئون في نصح المبتدئين بالدخول في ميدان الصحافة والمضي في سبيلها .
ويري ويكهام ستيد عكس هؤلاء ، جميعا ، فبعض الشباب يسألونه عن كيفية الدخول في ميدان الصحافة وعن كيفية اتخاذ الصحافة كمستقبل لهم ، فيلقي ويكهام ستيد بالماء البارد على مطامحهم الحارة ، ويضعهم في امتحان عسير حتى يخلص عقولهم مما بها من آمال كاذبة وأحلام براقة .
وبعض الهواة يرون - وبدون سبب معقول مقبول - أن للصحفين قدرة أدبية ، ولكنهم في الواقع يبعدون عن الحقيقة كثيرا ، ولا يعرفون أن الإنسان قد يكتب عبارات صحيحة سليمة من الأخطاء ولكنه يكون غير صالح للصحافة ؛ بينما يرى الآخرون أن لديهم أفكارا كثيرة يرغبون في نشرها ، ولكنهم لا يعرفون أن الصحافة تعتمد على الجانب التجاري كذلك وأن بعض الأفكار قد لا نجد عند جمهور القراء بيعا ولا شراء ، وقد تجذب الهواة الآخرين المرئيات
الضخمة والأجور المرتفعة التى يحصل عليها الصحفيون الناجحون ؛ ولكنهم لا يدرون ما وراء هذه المرتبات وهذه الأجور .
ولكن أكثر طلاب الصحافة يتمنون أن يدخلوا في ميدانها كقاعدة عامة ، وأن يقفوا بجوار عجلة الطباعة . وأن يشاركوا بأيديهم في تكييف الفكر للأمة .
وقد يكون من حق هؤلاء جميعا ان يأملوا وأن يستلهموا آمالهم من الصحافة ، ولكن رد ويكهام ستيد الصحفي المجرب الخبير يكون عليهم : كلا ! . إلا إذا كنت مستعدا أن تخاطر وأن تكابد الفقر ابتغاء وجه الصحافة وتفضل ذلك العمل على أن تكسب رزقك من عمل مريح في أي مكان من الأمكنة . .
إنه بالرغم من وجود مدارس للصحافة ومعاهد لتمرين الصحفيين فإن الصحفيين يولدون ولا يصنعون . وقد تمر سنوات كثيرة على شاب تعلم طرق الصحافة والكتابة الصحفية الفنية (النظرية ) حتي يعلم انه ينقصه الاستعداد الشخصي والميل الحقيقي الذي بدونه تكون حياة الصحفي حقيره كحياة الكلب .
ليس كل من يعمل في صحيفة صحفيا . فالجريدة تضم كتبة ككتبة البنوك كما تضم مستخدمين وأطباء ومحامين ورجال الأعمال . وهؤلاء جميعا لا تنتقضهم الجريدة في وقت من الأوقات ، ولكنها دائما تنتقص الصحفيين . فهؤلاء الصحبون لا يمكن أن تستكفي بهم صحيفة من الصحف ؛ إنهم رجال ونساء بعقول ذكية وأفكار نيرة وعزيمة ماضية للبحث والتنقيب في أرجاء المعمورة أملا في الوصول إلى ذلك اليوم الذي ينشرون فيه آراءهم ويبثون فيه معتقداتهم في عقول الآخرين . وعندما يذكر ويكهام ستيد الصحفي يعني ما يقول بهذه الكلمة ؛ غير أن الصحفين الموهوبين الحق في معرفة التفاصيل الدقيقة والصعوبات الكثيرة في عملهم والعقبات التى تحول بين الجوانب المثالية والنواحي المادية . تلك العقبات التى تصرف الصحفيين عن تدوين خبرتهم .
فرأيهم في الصحافة عظيم غير أنهم يحسون بالثغرة الواسعة التي تفصل الجوانب النظرية عن العملية والمثالية عن الحقيقية ، وهم يعتقدون في قرارة نفوسهم أنهم لا يستطيعون تقرير كون الصحافة صناعة أو عملا أو مهنة حرة أو وزارة . فالتجربة قد عطت الصحفين أن الصحافة قد تكون هذا كله أو بعض هذا كله . والصحفيون لا يستطيعون أن يضعوا تعريفا جامعا مانعا للصحافة وإن كانوا يعرفون أن الصحافة تتكون من جمع الأخبار وطباعة ونشر أخبار الحوادث يوما بعد يوم بتعليق أو بدون تعليق وبوجهة نظر أو بدون وجهة نظر .
والصحفيون يعرفون أن الصحافة عمل فيه كثير من المسئولية ، لأن الأخبار ينبغي أن تكون صحيحة ، كما أن التعليق ينبغي أن يكون أمينا . وعندما تطبع وتنشر الأخبار ينبغي أن تباع ؛ غير أن الجمهور قد لا يحب الأخبار السيئة أو الآراء التي لا طعم لها . فإنتاج الصحف ومنتجو الصحف يعتمدون على ذوق الشعب ؛ ولكن كيف يؤهلون لذلك وإلى أى مدى يخدعون أنفسهم ويدعون ثقتهم ليجعلوا أخبارهم واراءهم توافق ذوق الجماهير ؟ وهل نلومهم في هذه الحال كما تلوم التاجر الذي يطفف في ميزانه . والصانع الذي يزيف في صناعته ؟ . .
وهذه الأسئلة تساعد على بيان المبدأ السائد أو الذي ينبغي أن يسود في الفن الصحفي ؛ فالأمانة الصحفية ثقة اجتماعية ضرورية قد وضعت كاتفاق مع الشعب حتى تكون الأخبار صادقة ، ويكون هؤلاء الذين يقدمون الأخبار للبيع صادقين في تعليقاتهم ؛ وهذه الثقة المتبادلة نفسها توجد بين الأطباء والمرضى ، غير أن الأطباء يسيرون وفق نظام وقانون مهني دقيق . كما أنهم مضطرون إلى الحصول على مؤهلات طبية ؛ بينها الصحافة ( مهنة حرة ) تخضع لقليل من القيود الخارجة في قوانين البلاد .
