- 1 -
الأستاذ الحصري علم من أعلام الإصلاح والتجديد ، في المجتمع العربي ، ودعامة من دعائم النهضة الحديثة ، في سورية والعراق . ومرشد محنك إلى سبل البحث القوى والتربية الاستقلالية، ومحارب لين الطعن شديد الوطأة ، رهيف السلاح له صولات وجولات في محاربة الاحتكار الثقافي الأجنبي في بعض البلاد العربية . أونى الاطلاع الواسع على أمور الثقافة والتربية والاجتماع ، ووفق إلى تفكير صحيح في مشكلاتها وتحليل دقيق لصعوباتها - يبدو لك ذلك كله ، في دراساته الجياد من ابن خلدون، وفي آرائه عن التربية والتعليم . وفي أحاديثه من الوطنية القومية .
وقد أقصر ، حين أحاول أن أعرف الناس بالحصرى ؛ هذا الرجل الكبير ، القوي بإيمانه ، المتمسك بمبدئه ، الرابط الجأش أبدا ، العامل بصمت وبراعة وإقدام . ولعل آثاره وأعماله وحدها ، تنبئ عنه وتدل عليه .
وما أريد أن أغرق في التحدث عنه ، وإن كنت أحب ذلك . إن هذه الشخصيات النادرات ، تأمر الناس بأعمالها، وتدفعهم إلى الحومان حولها ، والتحدث عنها وإظهار محاسنها، وتبيان آيات نبوغها .. ولكني أريد أن أذكر أن سورية الفتية ، كانت ذات حظ عظيم يوم قبل الحصري أن يستشار في أمور التعليم فيها ، وأنها كانت ذات حظ عظيم أيضاً يوم عين الداء وكشف العلة ووصف بعض ألوان الدواء وأن برلمان سورية ، دل على نبالته وقوته ، يوم أقر اقتراحات الحصري، لإصلاح العارف، بحماسة نادرة ، ورغبة شديدة
والحق أن هذه الاقتراحات ، كانت مثل ( عملية ) نقل الدم إلى الجسم الهزيل . فقد جعلت برامجنا مكتظة بالدروس ، تؤدى إلى التخمة القاتلة . وكانت ملأى بما يهزل القومية ، ويضعف الدين . ويبعد عن العربية . وكانت احتكارا يوصل إلى
طرق يضل الطالب فيها ، ولا يهدى ، وإن هدى صبع صبغة لا شرقية ولا غربية ، وظل حائرا ... وقد يعنى بالقشور ، وقد تفتنه المظاهر ، ثم لا ينفذ إلى اللباب إلا قليلا . أما سير الأمجاد ، وأحاديث الأجسداد ، وغرائب البطولة ، ونوادر العزة ، وكنوز العربية ، وتربية النفس ، وإنماء الشخصية . . فقد تسمع بها ، ولكنك قبل أن تجدها
فى هذه الاقتراحات ، تقرير عن توثيق الصلات الثقافية بين سورية والبلاد العربية . وهو تقرير مجمل حسن - فقد بين بادئ ذي بدء المظاهر التي تظهر فيها هذه الصلات الثقافية بين قطرين كالآراء والمنتجات الأدبية والفنية والعلمية ، وكتعارف المفكرين من أدباء وعلماء وساسة ، في المحافل ، والنوادي ، والمؤتمرات . وكتوافد الطلاب والأساتذة على المعاهد العلمية والفنية والجامعات ، وكغير ذلك.
وهناك أشار توسع نطاق هذه الصلات ، وتوثق أواصرها كالكتب والجرائد ، والمجلات ، والآفلام ، والأناشيد ، والمعارض ، والمؤتمرات .
على أن هذه الصلات ، إما أن تكون ثنائية الطرف أو وحيدة الطرف . ففي الحالة الأولى ، يكون القطران باتصال تام . يأخذ كل من
الآخر ويعطيه . وقد تكون هذه الصلات متعادلة . يأخذ كل قطر من الآخر بقدر ما يعطيه . أو متفاوتة ، يأخذ أحدهما أكثر مما يعطى . أو يعطى أكثر مما يأخذ .
وفي الحالة الثانية . يأخذ القطر الأول من الثانى كثيرا ولا يعطى شيئا . ويعطى القطر الثانى ولا يأخذ شيئا
على أن هذه الصلات ، مهما كان شكلها ، فإن اللغة هي السبب الأول في خلقها . فإذا كان للقطرين لغتان مختلفتان ، فالعلاقات الثقافية تبقى فى كل قطر ، محصورة فيمن يعرف لغة القطر الآخر من المثقفين . وقد تخرج من هذا النطاق ، إذا ترجمت المؤلفات و نقلت من لغة إلى لغة ، وظاهر أن هذه الصلات الثقافية لا تقوى إلا إذا انتشرت لغة القطر الثاني وترجمت مؤلفاته
أما إذا كان للقطرين لغة واحدة مشتركة ، فعندئذ تتسع الصلات وتكثر ، وتشمل الناس جميعا . وإذا تشتت هذه الصلات أدت إلي تمازج الثقافتين ، وإلى تكوين ثقافة موحدة لقطرين .
وينتقل الأستاذ الحصري بعد لك ، فيذكر أن الصلات الثقافية قائمة بين سورية والبلاد العربية ، هى علاقات متبنة الأساس ، طبيعية
المنشأ . يقول : " لأنها تنشأ من لغة واحدة ، وتتغذى بوحدة التاريخ ، وتنمو بوحدة المنافع ، وتقوى بوحدة الآلام والآمال . فهى عميقة الجذور ، شديدة الحيوية " .
ولهذا نجد أن كثيرا من التيارات الفكرية والأدبية والفنية ، تربط سورية ، من حيث الثقافة ، بسائر البلاد العربية .
فتحن نرى أن كثيراً من أبناء سورية ، يعيشون في بلاد عربية مختلفة . يعملون في الحركات الأدبية والفنية والعلمية ، القائمة فيها ، وأن كثيراً من طلاب سورية يتلقون العلم في معاهد البلاد العربية ، وأن الصحف المصرية والكتب المصرية ، تنتشر في سورية انتشاراً كبيراً ( يفوق انتشارها في مصر نفسها ، وأن عدداً غير قليل من أدباء سورية ومفكريها ، بنشرون آراءهم ومقالاتهم في البلاد العربية الأخرى، وأن كثيراً من السوريين يزورون البلاد العربية ويجتمعون برجال الفكر والآداب ، فيتعارفون ويتباحثون
إذا فهناك روابط كثيرة ، تربط سورية بغيرها من البلاد العربية . وهناك تيارات شتى تنساق سورية معها . غير أن هذه الروابط طبيعية وليست رسمية ، أي لم تمسها يد التنظيم الرسمي إلا قليلا . " لقد أوفدت الحكومة السورية بضع
عشرات من الطلاب إلى الجامعة المصرية . وأوفدت الحكومة المصرية بضعة أساتذة إلى بعض المعاهد الأهلية السورية . وانتخب المجمع العلمى العربى بدمشق أعضاء من أدباء البلاد العربية الأخرى . وعين مجمع فؤاد الأول بالقاهرة اثنين من مجمع دمشق اعضاء ، واشتركت سورية ، بصورة رسمية ، فى مؤتمرات الطب العربى ... " ثم ماذا بعد هذا ؟
يقول الأستاذ : " ولا تغالى أن ما خلا ذلك ، إنما حدث بحكم الطبيعة ، ولم تساعد الحكومة عليه
إذا فقد آن الآوان لتبديل هذا الوضع العام ، وتنظيم هذه الصلات الثقافية وتوثيقها ، بغية إيصالها ، بأعظم ما يمكن من السرعة ، إلى أقصى درجة يمكن بلوغها ... "
وفى سبيل ذلك ، فقد أثبت الأستاذ الحصرى فى القانون الذي قدم إلى البرلمان السورى ، ليكون قانونا الأعمال المعارف " أن من واجبات وزارة المعارف السورية ، تقوية الصلات الثقافية بين سورية وشقيقاتها ، بغية تكوين ثقافة موحدة بين جميع البلاد العربية . "
وقد أقر البرلمان السورى هذا المبدأ . ولكن كيف يتم هذا التعاون الثقافى ، وكيف تقوى هذه الصلات ؟ ( البقية فى العدد القادم )
دمشق

