الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 317الرجوع إلى "الثقافة"

حديد من بلاد الشام :، ساطع الحصرى، وتوثيق الصلات الثقافية بين سورية والبلاد العربية

Share

- 1 -

الأستاذ الحصري علم من أعلام  الإصلاح والتجديد ، في المجتمع العربي ، ودعامة من دعائم  النهضة الحديثة ، في سورية والعراق .  ومرشد محنك إلى سبل البحث القوى  والتربية الاستقلالية، ومحارب لين  الطعن شديد الوطأة ، رهيف السلاح  له صولات وجولات في محاربة  الاحتكار الثقافي الأجنبي في بعض  البلاد العربية . أونى الاطلاع الواسع  على أمور الثقافة والتربية والاجتماع ،  ووفق إلى تفكير صحيح في مشكلاتها  وتحليل دقيق لصعوباتها - يبدو لك  ذلك كله ، في دراساته الجياد من ابن  خلدون، وفي آرائه عن التربية والتعليم .  وفي أحاديثه من الوطنية القومية .

وقد أقصر ، حين أحاول أن أعرف الناس بالحصرى ؛ هذا الرجل الكبير ، القوي بإيمانه ، المتمسك بمبدئه ، الرابط الجأش أبدا ، العامل بصمت وبراعة وإقدام . ولعل آثاره وأعماله وحدها ، تنبئ عنه وتدل عليه .

وما أريد أن أغرق في التحدث  عنه ، وإن كنت أحب ذلك . إن  هذه الشخصيات النادرات ، تأمر  الناس بأعمالها، وتدفعهم إلى الحومان  حولها ، والتحدث عنها وإظهار  محاسنها، وتبيان آيات نبوغها ..  ولكني أريد أن أذكر أن سورية  الفتية ، كانت ذات حظ عظيم يوم  قبل الحصري أن يستشار في أمور  التعليم فيها ، وأنها كانت ذات حظ عظيم  أيضاً يوم عين الداء وكشف العلة  ووصف بعض ألوان الدواء وأن  برلمان سورية ، دل على نبالته وقوته ،  يوم أقر اقتراحات الحصري، لإصلاح  العارف، بحماسة نادرة ، ورغبة شديدة

والحق أن هذه الاقتراحات ، كانت مثل ( عملية ) نقل الدم إلى الجسم الهزيل . فقد جعلت برامجنا مكتظة بالدروس ، تؤدى إلى التخمة القاتلة . وكانت ملأى بما يهزل القومية ، ويضعف الدين . ويبعد عن العربية . وكانت احتكارا يوصل إلى

طرق يضل الطالب فيها ، ولا يهدى ، وإن هدى صبع صبغة لا شرقية ولا غربية ، وظل حائرا ... وقد يعنى بالقشور ، وقد تفتنه المظاهر ، ثم لا ينفذ إلى اللباب إلا قليلا . أما سير الأمجاد ، وأحاديث الأجسداد ، وغرائب البطولة ، ونوادر العزة ، وكنوز العربية ، وتربية النفس ، وإنماء الشخصية . . فقد تسمع بها ، ولكنك قبل أن تجدها

فى هذه الاقتراحات ، تقرير عن  توثيق الصلات الثقافية بين سورية  والبلاد العربية . وهو تقرير مجمل  حسن - فقد بين بادئ ذي بدء  المظاهر التي تظهر فيها هذه الصلات  الثقافية بين قطرين كالآراء والمنتجات  الأدبية والفنية والعلمية ، وكتعارف  المفكرين من أدباء وعلماء وساسة ،  في المحافل ، والنوادي ، والمؤتمرات .  وكتوافد الطلاب والأساتذة على  المعاهد العلمية والفنية والجامعات ، وكغير ذلك.

وهناك أشار توسع نطاق هذه الصلات ، وتوثق أواصرها كالكتب والجرائد ، والمجلات ، والآفلام ، والأناشيد ، والمعارض ، والمؤتمرات .

على أن هذه الصلات ، إما أن تكون ثنائية الطرف أو وحيدة الطرف . ففي الحالة الأولى ، يكون القطران باتصال تام . يأخذ كل من

الآخر ويعطيه . وقد تكون هذه الصلات متعادلة . يأخذ كل قطر من الآخر بقدر ما يعطيه . أو متفاوتة ، يأخذ أحدهما أكثر مما يعطى . أو يعطى أكثر مما يأخذ .

وفي الحالة الثانية . يأخذ القطر الأول من الثانى كثيرا ولا يعطى شيئا . ويعطى القطر الثانى ولا يأخذ شيئا

على أن هذه الصلات ، مهما كان شكلها ، فإن اللغة هي السبب الأول في خلقها . فإذا كان للقطرين لغتان مختلفتان ، فالعلاقات الثقافية تبقى فى كل قطر ، محصورة فيمن يعرف لغة القطر الآخر من المثقفين . وقد تخرج من هذا النطاق ، إذا ترجمت المؤلفات و نقلت من لغة إلى لغة ، وظاهر أن هذه الصلات الثقافية لا تقوى إلا إذا انتشرت لغة القطر الثاني وترجمت مؤلفاته

أما إذا كان للقطرين لغة واحدة مشتركة ، فعندئذ تتسع الصلات وتكثر ، وتشمل الناس جميعا . وإذا تشتت هذه الصلات أدت إلي تمازج الثقافتين ، وإلى تكوين ثقافة موحدة لقطرين .

وينتقل الأستاذ الحصري بعد لك ، فيذكر أن الصلات الثقافية قائمة بين سورية والبلاد العربية ، هى علاقات متبنة الأساس ، طبيعية

المنشأ . يقول : " لأنها تنشأ من لغة واحدة ، وتتغذى بوحدة التاريخ ، وتنمو بوحدة المنافع ، وتقوى بوحدة الآلام والآمال . فهى عميقة الجذور ، شديدة الحيوية " .

ولهذا نجد أن كثيرا من التيارات الفكرية والأدبية والفنية ، تربط سورية ، من حيث الثقافة ، بسائر البلاد العربية .

فتحن نرى أن كثيراً من أبناء  سورية ، يعيشون في بلاد عربية  مختلفة . يعملون في الحركات الأدبية  والفنية والعلمية ، القائمة فيها ، وأن  كثيراً من طلاب سورية يتلقون  العلم في معاهد البلاد العربية ، وأن  الصحف المصرية والكتب المصرية ،  تنتشر في سورية انتشاراً كبيراً ( يفوق  انتشارها في مصر نفسها ، وأن  عدداً غير قليل من أدباء سورية  ومفكريها ، بنشرون آراءهم  ومقالاتهم في البلاد العربية الأخرى،  وأن كثيراً من السوريين يزورون  البلاد العربية ويجتمعون برجال الفكر  والآداب ، فيتعارفون ويتباحثون

إذا فهناك روابط كثيرة ، تربط سورية بغيرها من البلاد العربية . وهناك تيارات شتى تنساق سورية معها . غير أن هذه الروابط طبيعية وليست رسمية ، أي لم تمسها يد التنظيم الرسمي إلا قليلا . " لقد أوفدت الحكومة السورية بضع

عشرات من الطلاب إلى الجامعة المصرية . وأوفدت الحكومة المصرية بضعة أساتذة إلى بعض المعاهد الأهلية السورية . وانتخب المجمع العلمى العربى بدمشق أعضاء من أدباء البلاد العربية الأخرى . وعين مجمع فؤاد الأول بالقاهرة اثنين من مجمع دمشق اعضاء ، واشتركت سورية ، بصورة رسمية ، فى مؤتمرات الطب العربى ... " ثم ماذا بعد هذا ؟

يقول الأستاذ : " ولا تغالى أن ما خلا ذلك ، إنما حدث بحكم الطبيعة ، ولم تساعد الحكومة عليه

إذا فقد آن الآوان لتبديل هذا الوضع العام ، وتنظيم هذه الصلات الثقافية وتوثيقها ، بغية إيصالها ، بأعظم ما يمكن من السرعة ، إلى أقصى درجة يمكن بلوغها ... "

وفى سبيل ذلك ، فقد أثبت الأستاذ الحصرى فى القانون الذي قدم إلى البرلمان السورى ، ليكون قانونا الأعمال المعارف " أن من واجبات وزارة المعارف السورية ، تقوية الصلات الثقافية بين سورية وشقيقاتها ، بغية تكوين ثقافة موحدة بين جميع البلاد العربية . "

وقد أقر البرلمان السورى هذا المبدأ . ولكن كيف يتم هذا التعاون الثقافى ، وكيف تقوى هذه الصلات ؟ ( البقية فى العدد القادم )

دمشق

اشترك في نشرتنا البريدية