الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 324الرجوع إلى "الرسالة"

حربان عظميان، تثيرهما ألمانيا على نمط واحد

Share

شهدت الحرب العظمى - أو التى كنا نظنها العظمى -  وهى التى قامت فى سنة ١٩١٤، وهأنذا أشهد حرباً عظمى أخرى  بعد خمس وعشرين سنة؛ فأنا فى هذا من المخضرمين. ويبدو لى  أن ألمانيا الهتلرية هى ألمانيا القيصرية، لم تتغير روحها ولا نزعاتها  ولا وسائلها ولا أساليبها. فليس البوربون - ملوك فرنسا الذين  عصفت بهم ثورتها هم وحدهم الذين لم يتعلموا شيئاً ولم ينسوا شيئاً.  وعجيب أن يكون هذا هو طراز الحكام فى بلد من أرقى بلاد  العالم وشعب من خير الشعوب ثقافة وأدباً وفناً وعلماً وفلسفة.  ولا بد - كما يذهب إلى ذلك الأستاذ العقاد - أن يكون فى هذا  الشعب عيب يسمح بأن يكون هذا طراز حكامه الذى لا يكاد يختلف

وقد عانت ألمانيا أقسى ما يمكن أن تعانيه أمة من جراء  ما حملت من تبعة الحرب العالمية السابقة وبقيت عشرين سنة تنوء  تحت هذا العبء وتجاهد أن تطرحه، فكان المنتظر أن تتقى  أن تحمل عبئاً آخر مثله، فإن العائد إلى الجريمة لا يحق له أن يتوقع  العطف أو يعول على ما فى قلوب الناس من الرحمة، ولكن حكام  ألمانيا فى هذا الزمان لا يجعلون بالهم إلى الزييات بل يقدمون

على إثارة حرب عالمية بعد أن أعدوا عدتهم لها غير عابئين برأى  العالم أو مبالين بما يجره عليهم من السخط والنقمة. وما من شك  فى أن الهر هتلر نهج نهجه هذا عن (عمد وسبق إصرار)  كما يقول رجال القانون. ومراميه كلها معروفة من كتابه    (كفاحى) . وخطته هى أن يعد لبلاده أقصى ما يستطيع من  قوة، ثم يتجه إلى الشرق فيبسط سلطانه عليه، حتى إذا تم له ذلك  ارتد إلى الغرب فرمى عليه ظله وأذله. ومع أن هذا معروف  ولا خفاء به، نراه يتعجب لبريطانيا وفرنسا ماذا يعنيهما من شرق  أوربا ولماذا تحاولان صده عن غايته فيه كأنهما لا تعلمان أنه منقلب  عليهما بعد أن يفرغ من هذا الشرق.

وكما تجنت النمسا بتشجيع ألمانيا على الصرب فى سنة ١٩١٤  تجنى هتلر فى هذه الأيام على بولندة. فقد ادعت النمسا أن ولى عهدها  إنما قتل فى سراجيفو بتدبير الصربيين وإن كان قد قتل فى أرض  نمسوية وبأيدى رعايا نمسويين. ولم يظهر أى دليل على وجود  أية صلة بين الصرب وهذه الجريمة؛ ولكن الكونت برختلود  رئيس وزارة النمسا كان غبياً قصير النظر، وكان همه أن يسحق  الصرب، وقد حذره تيزا رئيس وزارة المجر وحذر الإمبراطور  أيضاً ولكن الإمبراطور كان متهدماً وكان زمامه فى يد وزيره  الأعمى، فكانت الحرب التى ألوت بالنمسا وأذلت ألمانيا

واليوم يقلد هتلر هذا السلف الصالح فيتجنى على بولندة  ويزعمها تهدده لأنها لا تذعن لمشيئته ولا تهدى إليه دانتزيج  والممر البولندى والأرض التى فيها من الألمان نفر قليل أو كثير.  والفرنسيون يقولون فى بعض أمثالهم: (إن هذا الحيوان خطر  لأنه يدافع عن نفسه حين يهاجم) وكذلك يقول هتلر عن بولندة  فذنبها أنها لا تريد أن تخنق

وقد رسم هتلر خطته ببراعة فأعد فى الغرب خط سيجفريد  ليحول دون زحف فرنسا على ألمانيا من الغرب وليتسنى له أن يضع  فى هذا الخط أقل عدد يكفى للدفاع عنه، ثم يرمى بمعظم قوته  على الشرق فيكتسحه فى أوجز وقت، ويروع العالم بسرعة  القضاء على الأمم فى أيام معدودات، وبعد أن يفعل ذلك ويترك  دول البلقان مرتعدة الفرائص ويفتح لنفسه الطريق إلى كل سوق  ويكفل لبلاده كل ما عسى أن تحتاج إليه من أقوات وبترول  وخامات وغير ذلك، وبهذا يحبط الحصر الذى عسى أن تضربه  بريطانيا بحراً عليه - يرتد إلى الخط سيجفريد بقواته الأخرى ويقول  لفرنسا وبريطانيا: الآن نستطيع أن نظل نقتتل نصف قرن

إذا شئتما، أفلا ترون أن الصلح خير وأن التسليم بالأمر الواقع  أجدى من هذه الحرب العقيمة ...

وكذلك كان القيصر غليوم يعتمد على النصر (البرقى)  أو (الخاطف) وكان همه يوم شن الغارة أن يحمل جيشه على  جناحى نعامة ويطير به إلى باريس ويستولى عليها فإذا الحرب قد انتهت ... واليوم يقلد هتلر سلفه ويزيد عليه الهجوم بغير  إنذار وعلى حين غرة وفى مأموله أن يقضى على بولندة ويمحو  وجودها قبل أن تستطيع أن تجمع جيشها كله وتقذف به إلى  ميادين القتال. فالنصر (البرقى) هو الذى عليه معول هتلر الآن  كما كان عليه معول القيصر غليوم، وكما أخطأ حساب القيصر يخطئ  الآن حساب خلفه هتلر، فإن بولندة تأبى أن تزول فيما (بين غمضة  عين وانتباهتها) ولا عبرة بالاستيلاء على بلد هنا وبلد هناك فما دام الجيش المدافع سليماً فالحرب دائرة والمهاجم لم ينتصر،  وإنما يكون النصر بالقضاء على القوة المدافعة لا بأخذ المدن.

وخط سيجفريد قوى متين ولكنه أنشئ على عجل - فى أقل  من سنتين - وقد ظهرت فيه مواطن ضعف غير مأمونة، والجيش  الفرنسى يختبره الآن ويلتمس هذه المواطن الضعيفة فيه ويحمل  عليها، ويضطر ألمانيا إلى إرسال النجدات إليه (على جناحى  نعامة) وبتوالى ورود هذه النجدات يخف الضغط الواقع على  بولندة فتطول مقاومتها على خلاف ما حسب هتلر. ويجب أن يدخل  فى حساب الحاسب أن الجيش الألمانى ليس كما يهولون به فقد كان  جيش القيصر خيراً منه. ذلك أنه هو أيضاً أنشئ على عجل بعد  أن ظلت ألمانيا عشرين سنة محرومة من جيش بالمعنى الصحيح  بمقتضى معاهدة فرساى. ومن السهل أن تجند الملايين الرجال  كما فعل هتلر ولكنه ليس من السهل أن تخرج العدد الكافى  من الضباط الأكفاء فى هذا العصر لهؤلاء الملايين من الجنود  فى أربع سنوات. فالجيش الألمانى لا تنقصه الضخامة فى العدد  ولا فى العدة ولكن ينقصه الضباط الأكفاء من الطراز الحديث  بسبب هذه السرعة (البرقية) فى تكوينهم

وقد كنا نظن من الواضح أن من العسير فى هذا الزمان  أن تسيطر أمة على العالم على نحو ما كان يحدث فى العصور الماضية؛  فليس من الممكن فى هذا الزمن أن تكون فى العالم أمة واحدة  لها شأن كما كان الحال فى أيام الرومان والعرب وغيرهم. فما بين  أكثر الأمم تفاوت يذكر إلا فيما يحدثه اختلاف الخصائص القومية؛  أما فى العلوم والمعارف والمقدرة على الابتكار والاختراع وما إلى ذلك

فالطبقة واحدة أو متقاربة. وقد رأينا الألمان فى الحرب العظمي الماضية يفاجئون الحلفاء بالغازات السامة أو الخانقة أو الكاوية  وما أشبه ذلك، ورأينا الحلفاء يسرعون إلى اختراع الكمامات  الواقية ثم يصنعون هذه الغازات ويطلقونها على الألمان، وبذلك  يضيعون عليهم هذه المزية. وأمثلة ذلك كثيرة وكلها شواهد على  أن ألمانيا تكرر خطأها القديم ولا تعتبر بما كان فى الحرب الماضية  التى كان الظن أن عبرها ستظل ماثلة

ولعل هذه أول حرب تقدم أمة على إثارتها وهى جائعة، أو على  الأقل وهى تعانى نقصاً شديداً فى الأقوات والمواد الأخرى التى  لا غنى عنها لا فى سلم ولا فى حرب. فلا عجب إذا كانت بريطانيا  وفرنسا تشنان على ألمانيا حرباً اقتصادية فإنهما تعلمان ما تصنعان  وتعرفان ما تكابده ألمانيا وما تظن أن فى وسعها أن تعالجه وتتقى  شره بسرعة القضاء على بولندة وهو حساب بدأ يظهر أنه يخطئ . فالعجب لألمانيا التى تجعل حياتها كلها ومصيرها رهناً بحساب  قد يخطئ أو يصيب. الحق أن هذه مقامرة فذة فى تاريخ الأمم

اشترك في نشرتنا البريدية