إذا كان عصرنا عصر المعجزات العلمية، فهو أيضاً عصر المهلكات. ولم يسبق في التاريخ أن سخر العلم لاختراع المهلكات البشرية كما سخر في عصرنا؛ فالأمم العظيمة كلها تسخر قوى العلم لاختراع الأسلحة الجديدة وصقل الآلات المهلكة، وتحسين الأسلحة الجوية والبحرية، وتحويل الحرب إلى عملية ميكانيكية مخربة؛ وأفظع ما في هذا النشاط المخرب هو الحرب الكيماوية التي يوجه اليوم لها نشاط العلم والاختراع؛ فالعلماء الذين يعتبر واجبهم المقدس أن يعملوا لخير الإنسانية ورفاهتها وصون الحياة البشرية من الأدواء والأمراض، يعملون اليوم لإفناء المجتمع الإنساني، وسحق المدنية، وقتل الإنسان بواسطة الغاز الخانق، والسوائل الملتهبة والجراثيم (الميكروبات) الفتاكة؛ وتشتغل المعامل الكيماوية في معظم الأمم الكبرى اليوم باختراع هذه المهلكات والعمل على مضاعفة قواها المهلكة؛ وقد كانت ألمانيا أول دولة لجأت إلى هذه الوسيلة المروعة، واستعملتها في الحرب الكبرى، فاستعملت الغاز الخانق وأنواعاً أخرى من الغازات الخطرة؛ وكانت هذه مفاجأة مروعة لجيوش الحلفاء. بيد أنها لم تبلغ يومئذ مدى كبيراً. فلما انتهت الحرب فطن الحلفاء إلى هذا السلاح الجديد الخطر، وأدركوا ما للحرب الكيماوية من أثر عظيم في المستقبل، وانكب علماؤهم ومعاملهم على بحث السوائل والغازات والميكروبات المهلكة؛ وكانت ألمانيا التي وجدت في المباحث الكيماوية السرية ملاذها وسلامتها بعد هزيمتها الساحقة في الحرب - في مقدمة الدول التي خصت الحرب الكيماوية باهتمامها؛ ويقال إنها انتهت فيها إلى نتائج خطيرة. والمعروف أن ألمانيا حاولت في الحرب الكبرى أن تستعين على إهلاك أعدائها بالميكروبات وأنها حاولت تطبيق هذه التجربة في رومانيا. ومنذ سنة ١٩٣٣، أعني منذ قيام النازي في الحكم تعمل المعامل الألمانية ليل نهار لابتكار وسائل الدمار البشري وتعنى عناية خاصة بمسألة الميكروبات. وقد وجه معهد كوخ إلى المعامل الألمانية منشوراً فيه بيان مفصل عن الميكروبات التي
يمكن استعمالها في الحروب المقبلة، وعن أفضل الوسائل لاستعمالها. ويقول الدكتور ليفين الألماني الأخصائي الكبير في هذا الموضوع: إن الميكروب هو أفضل مهلك للجيوش، لأنه متى ارتفعت صيحة الذعر في الجيش فقد قضى عليه.
وتعنى الدول الكبرى الآن بهذه المشكلة الخطرة، وتجتهد في ابتكار وسائل الوقاية، إلى جانب ما تعنى به من اختراع المهلكات، وهي جميعاً تفطن إلى الكوارث المروعة التي تتعرض لها الشعوب والإنسانية من جراء هذا الخطر الشامل.

