الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 322الرجوع إلى "الرسالة"

حركة السير ريالزم

Share

(يجب أن نحقق لكل إنسان نصيبه من الخبز...  ونصيبه من الشعر...) تروتسكى

يخطئ من يظن أن حركة السير ريالزم هى حركة أدبية أو فنية  خالصة، وإن كانت تستخدم الشعر والقصة والرسم والسينما...  ويخطئ من يظن أنها حركة سياسية بحتة، وإن كان القائمون  بها يدينون بمذهب سياسى معين. وليست هى أيضاً مزيجاً من الفن  والسياسة، فقد صرح (أندريه بريتون) زعيم الحركة مراراً  وتكراراً بأنه لا يوافق على أن يتخذ الفن وسيلة للدعاية السياسية.  وقد فصل (أراجون) من جماعة السير رياليين لأنه خالفهم  فى هذا الرأى. فما هى إذن حركة السير ريالزم هذه؟ وما غايتها؟

يصعب علينا أن نضع تعريفاً للسير ريالزم فى كلمات قليلة.  فإذا كان لابد من ذلك فعلينا أن نقول: إنها حركة اجتماعية  فنية، سياسية، فلسفية، سيكولوجية... ولا بأس أن نضيف  أيضاً أنها حركة دينية. فهى تستلهم شعر (ريميو) و (بودلير)   و(توتريامون) وتأخذ عنهم حب الخيال الثورى البعيد عن المنطق  وأساليبهم الغريبة فى الشعور والتعبير. وتستلهم فلسفة (هيجل)   فى إيمانها بالحرية؛ وتدين مع (كارل ماركس)بالتفسير المادى  للتاريخ؛ وتأخذ عن (فرويد) نظرياته فى العقل الباطن؛ ثم هى  فوق ذلك تحاول أن تعتمد على هذه العناصر جميعاً فى خلق  ميثولوجيا جماعية جديدة mythe collectif تناظر الميثولوجيات  التى خلقتها الديانات القديمة

ومهما قالوا عن كارل ماركس، ومهما قالوا عن فرويد فلا شك  فى أنهما الرجلان اللذان استطاعا أن يؤثرا فى الفكر الأوربى  الحديث أكبر التأثير. فإلى كارل ماركس يرجع الفضل فى تفسير  التاريخ على أساس من حروب الطبقات وفى التنبؤ بثورة العمال  وبدكتاتورية العمال، ثم بالعصر المقبل (الموعود) الذى تزول  منه الطبقات وتكتمل فيه المساواة الاقتصادية. وقد تأثر العمال  بالمذهب الماركسى فنشطت حركاتهم ونمت أحزابهم حتى أصبح  الصراع بين الاشتراكية والرأسمالية أساس السياسة الأوربية  فى السنين الأخيرة؟ كما تأثر بهذا المذهب عدد كبير من رجال

الفكر والأدب... وهانحن أولاء نرى أن أعلاماً مثل (برناردشو)   و (ولز) و(أندريه جيد) و(مالرو) و (توماس مان)   يدينون به وينافحون عنه

والسير رياليون كما قلنا يؤمنون بالمذهب الماركسى، ولكنهم  يرون فى نفس الوقت أن الدعوة إلى التحرير الاجتماعى يجب  أن ترافقها دعوة إلى التحرير النفسى، فالنفس الإنسانية مكونة  أيضاً من طبقات يتحكم بعضها فى رقاب بعض. ولا سبيل  إلى الوصول إلى التحرر النفسى ما لم تستطع أن نزيل الحدود التى  تفصل بين العناصر المتنازعة فى باطن النفس

ولقد أقنعنا (فرويد) بأن الشخص (السليم) من الأمراض  النفسية هو نموذج مثالى لا وجود له. وما الفارق بين (العاقل)   و(المجنون) إلا اختلاف فى الدرجة ولا فى النوع. والسبب  الأساسى لهذه الأمراض جميعاً هو أن للنفس الإنسانية رغبات،  كثير منها لا يتحقق بالنسبة للعقبات التى تقابلها من الوسط  الخارجى، والطفل الصغير لا يدرك هذه العقبات ولذا كان خياله  لا يعرف الحدود، فهو إذ يرغب في سيارة فخمة، أو فى حصان  مطهم، أو فى قصر باذخ، لا يشعر بأن هناك عائقاً من العوائق يمكن  أن يحول دون ما يبتغيه، ولكن رويداً رويداً يتعلم الطفل خلال  ممارسته للحياة بأن رغباته جميعها لا يمكن تحقيقها، فيضطر  إلى كبح هذه الرغبات ويتعود التسليم بالأمر الواقع. وكلما كبر  فى السن نمت فيه هذه العادة - عادة التسليم بالأمر الواقع.

على أن الصراع بين الرغبات وبين الواقع يستمر طوال الحياة، فحتى  الكهل وهو على أبواب القبر لا يستغنى عن الأحلام. وعادة التسليم بالأمر الواقع بين الناس هى الأساس الذى  ترتكن إليه دعوات المحافظين، وهى العقبة الكأداء التى تقف  فى سبيل كل تجديد وإصلاح. ولما كان السير رياليون يؤمنون  بضرورة تغيير النظام الاجتماعى الحاضر فإنهم يثيرون حرباً شعواء  على هذه العادة

والأساليب التى يتبعونها فى ذلك متعددة: منها ما سيمونه    (تغريب)الأشياء depaysement des objets أى نقلها من  وسطها المألوف إلى وسط غريب عنها (المثل الكلاسيكى لذلك  كلمة لوتريامون:belle comme la rencontre fortuite dun parapluice et dune machine a coudre sur une tab. (les de dissection ) فمن المألوف أن نرى الأسرة فى غرف النوم  فإذا هى تفاجئنا فى رسم سير ريالى على شاطئ البحر، وقد تعودنا

أن نرى السحاب فى السماء فإذا هو يباغتنا داخل الجدران...  وهكذا نشاهد فى الرسوم السير ريالية شجرة تنبثق منها ذراعان،  وسمكة مضطجعة بجانب فتاة عارية، وعيناً تطل من وسط ثدى،  وأجزاء من جسم الإنسان طائرة فى الهواء، وهيكلاً عظيماً يرقص  لأن سمكة بجانبه تغرد...

ولليسر رياليين أسلوب آخر فى مقاومة عادة التسليم بالأمر  الواقع هو اللجوء إلى إثارة الرغبات المكبوتة وتنشيطها وحفزها  على التمرد. ومن هنا كلمة (سلفادور دالى) المشهورة: (يجب  أن يكون الفن مغرياً بالأكل  L`art doit etre comestible أى مغرياً بتحقيق الرغبة واجتلاب اللذة. وكلمة (نيكولا كالاس) :  (الفن معمل بارود art est une poudriere Lart أى وسيلة لهدم  عاداتنا فى التفكير والسلوك.

وهناك أسلوب ثالث هام من أساليب السير رياليين هو ما يسمونه  الأسلوب (الأتوماتيكى) فى الكتابة والرسم. وهنا يحاول  الشاعر أو الرسام منهم أن يتجرد من رقابة عقله الواعى تاركاً  لخياله العنان، حتى يصل إلى حالة تقرب من الغيبوبة، ثم يسجل  كل ما يهب ويدب فى نفسه من الخواطر أو يتراءى له من الأشكال

وقد استعار السير رياليون هذا الأسلوب الأخير عن فرويد.  ففرويد يجلس مريضه على مقعد وثير مريح، ويوحى إليه بأن يرخى  عضلاته ويرسل نفسه على سجيتها، ثم يبوح دون تحوط أو تحفظ  بكل ما يخطر بذهنه من أفكار، وبكل ما يختلج فى قلبه من عواطف.  وبهذا يكتشف فرويد (العقد)التى تكونت من الرغبات المكبوتة  فى نفس المريض، فيصارحه بهذه الرغبات، ويحاول أن يقنعه  بالتفكير فيها بعقله المنطقى الواعى وبالتنازل عنها إذا تعارضت مع  حقائق الوسط الخارجى: يعنى التسليم بالأمر الواقع. وهنا نقطة  الاختلاف الجوهرى بين فرويد وبين السير رياليين: فهؤلاء  لا يريدون بحال من الأحوال سيطرة العقل الواعى على العقل الباطن،  بل هم يريدون مواجهة العقل الواعى بالعقل الباطن، والمنطق  بالخيال، والواقع بالحلم، والحقيقة بالخرافة، والحكمة بالجنون...

محاولين أن يؤلفوا من هذه العناصر جميعاً أداة جديدة للتفكير  والمعرفة والنظر إلى الأشياء لهذا يتهم السير رياليون فرويد بأنه (قد اشترى جرأته  فى البحث العلمى على حساب التحفظ والتسليم بالأمر الواقع  فى الناحية الاجتماعية). (البقية فى ذيل الصفحة التالية)

ثم إن السير رياليين لرغبتهم فى نشر مذهبهم حتى يصبح    (فلسفة عامة) بين الناس يصرحون بأن النبوغ الفنى والكفايات  الأدبية لا تهمهم. فجميعنا نشترك فى الصراع النفسى بين الأحلام  وبين الواقع؛ وعلى ذلك فكل منا يستطيع أن يأخذ بنصيب من  مجهوداتهم، إذ الغاية المرجوة عندهم هى إشاعة (جو سير ريالى)   فى الحياة

والخلاصة أن السير ريالزم وإن كانت تعتمد كثيراً على المذهب  الماركسى وعلى أبحاث فرويد، إلا أنها مع ذلك حركة مميزة مستقلة.  وقد أشرنا إلى خلاف جوهرى بين السير رياليين وبين فرويد،  كما أشرنا إلى اختلافهم مع الاشتراكيين الذين يعتقدون - ونحن  على رأيهم فى مرحلة انتقال سريع - بضرورة توجيه المجهودات  الأدبية والفنية جميعاً فى سبيل الدعاية السياسية المباشرة.

اشترك في نشرتنا البريدية