الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 666الرجوع إلى "الرسالة"

حزب الاستقلال المراكشى، مظهر من مظاهر الكفاح العربي للحرية

Share

في فاتحة يناير ١٩٤٤ تأسس بمراكش حزب سياسي كبير  تحت اسم   ( حزب الاستقلال )  انتظمت في سلكه جميع الأحزاب  والهيئات السياسية الموجودة من قبل . وفي يوم ١١ يناير ١٩٤٤  حرر مذكرة قدمها إلى جلالة ملك مراكش والى ممثلي إنجلترا  والولايات المتحدة وفرنسا وروسيا يعلن ضرورة الاعتراف  باستقلال مراكش استقلالا تاما وإجراء انتخابات لتأليف مجلس  تأسيسي ينظم البلاد تنظيما دستوريا وتوقيع الحكومة المرا كشية  على وثيقة الأمم المتحدة ليصبح لها الحق في مشاركة العالم الحر في  مؤتمراته ومسئولياته في تنظيمات ما بعد الحرب .

وقد وجدت الأمة المراكشية في مذكرة حزب الاستقلال  تعبيراً صريحاً وصادقاً عن رغبتها فاندفعت تؤيدها بكل حماسة

بوادي وحواضر ، ورأى الفرنسيون والحلفاء بأعينهم إجماع أمة  بأكملها طيلة ثلاثة أسابيع إلى أن انقلبت ميادين التأييد وتقرير  المصير إلى ميادين قتال ودماء ووحشية مظلمة تسجل العار الأبدي  على الفرنسيين .

وأقيل من منصبه ونفي إلى الصحراء صاحب المعالي وزير  العدلية الإسلامية سيدي محمد بن العربى ، وصاحب المعالي وزير  المعارف العلامة الحاج أحمد بركاش ، وسعادة محافظ العاصمة ، كما  اعتقل الكاتب العام لحزب الاستقلال أحمد بلافريج وقدم  للمحاكمة العسكرية هو وثلة من الزعماء السياسيين ، بحجة  الاتصال بالألمان ، وقد حكمت المحاكم العسكرية ببراءتهم جميعاً ،  فأخرج بلافريج من السجن العسكري إلى جزيرة كورسيكا حيث  هو الآن منفي مع زوجه .

وقد أكد حزب الاستقلال في تلك الظروف السود أن  موقفه لم يتغير وأن مذكرة ١١ يناير هي الأساس الوحيد لكل  تفاهم مع الفرنسيين . أما الفرنسيون فقد نظموا هجوما سياسياً  مضاداً هو إعلان دار الحماية عزمها على إدخال بعض الإصلاحات  بعد أن تؤسس لجاناً رسمية تدرس لها ما تحتاجه مراكش من  الإصلاحات . وقد كتب حزب الاستقلال مذكرة مطولة قدمها  للفرنسيين وأظهر فيها ما يحتوي عليه برنامج دار الحماية من مراوغة وسخف، كما أ كد إن مذ كرة ١١ يناير هي وحدها الحل الوحيد  الممكن للتقارب بين المراكشيين والفرنسيين . ماذا يريد الفرنسيون من مراكش ؟

يريدون أن تبقى جاهلة ، ولا أدل على ذلك من أن المراكشيين  لم ينتجوا زهاء ثلث قرن كامل قضوه تحت تحكمات الفرنسيين .  سوى ثلاثة أطباء ونحو سبعة من المحامين ونزر من المدرسين !

ويريدون منها أن تكون مفككة العرى متنازعة مقسمة  على نفسها ، ولا أدل على ذلك من   ( الظهير البربري )   الشهير الصادر يوم ١٦ مايو ١٩٣٠ والمرسومات والقرارات التى  تبعته والتي فرضت على سكان البوادى العربية أن يخرجوا عن  الإسلام بالنار والحديد والشنق، وأن يقطعوا كل صلة باللغة العربية  وأن يعزلوا عزلا عن كل اتصال ببقية مواطنيهم المراكشيين .  ويريد الفرنسيون من مراكش أن يكون فلاحوها متشردين

وقطاع طرق ،ولا أدل على ذلك من مرسوم ١٩٢٧ القاضي باعتبار  نزع أراضي الفلاح المراكشي لفائدة   ( المستعمر )  الفرنسى من   المصلحة العامة . وليتصور القارئ أن مراكش من الأقاليم التى تشيع فيها الملكية الصغيرة، فتكوين   (عزبة)  للتعمير تطلب اعتياديا  نزع أراضي مئة إلى مئة وخمسين فلاحا مرا كشياً يسلمون  أراضيها العزيزة لسيدهم المستعمر وينزلون هم إلى المدن يائسين من  الحياة يزيدون في عدد البؤساء المجرمين . وهذه السياسة مستمرة  منذ صدر مرسوم ١٩٢٧ .

ويريد الفرنسيون من مراكش ألا يسمع فيها صوت غير  صوتهم ولا تنفذ إرادة غير إرادتهم ، وليس أدل على ذلك من أن  مراكش تعيش قانونياً وعملياً تحت الحصار   ( الأحكام العرفية )   منذ سنة ١٩١٤ إلى اليوم ، وهي مقسمة إلى مناطق على رأس كل  منطقة منها حاكم عسكري ليس لسلطته حدود، وعلى رأس الحكام  العسكريين القائد الأعلى لجيوش الاحتلال بيده تفويض عام لإصدار  أوامر باسمه متى شاء وكيف شاء، فالمراسيم الملكية نفسها يوقف  تطبيقها أو يناقضها أو يعدلها بحسب مصلحة جيش الإحتلال  ووفقاً للمرسوم الملكي نفسه الصادر سنة ١٩١٤ القاضي بوضع  البلاد تحت حالة الحصار   (الأحكام العسكرية)  وطبقا لهذه  الحالة المؤلمة ليس للمراكشيين ولا جريدة واحدة أو مجلة ، بينما تصدر الجالية الفرنسية عشرات الجرائد والمجلات من كل الألوان  والنزعات . وليس للمراكشيين الآن ولا جمعية واحدة . وقد حلت  إبان حوادث يناير ١٩٤٤ جميع الجمعيات والهيئات التي كان سمح  بها من قبل لغايات استعمارية مختلفة. والمراكشيون محظور عليهم  بحكم مرسوم ١٩٣٨ أن ينتسبوا لأية نقابة ، ومحظور عليهم أن  يعقدوا أي اجتماع كيفما كانت صبغته ، ومحظور عليهم أن يتظلموا  أو يقدموا عرائض تكشف عن رغباتهم . وليس للمراكشيين أية  هيئة انتخابية تمثلهم إزاء السلطة بينما ينتخب الفرنسيون في  مراكش للمجالس البلدية والغرف الفلاحية   ( الزراعية )   والتجارية والصناعية ولمجلس شورى الحكومة المراكشية والبرلمان  الفرنسي مباشرة برغم وضع مراكش الدولي والوطني. والمرا كشيون  محظور عليهم التعليم الحر بينما أطفالهم الصغار على حد ما جاء في  خطاب جلالة الملك يوم ١٨ نوفمبر الأخير متشردون في الطرقات  العامة لا يجدون مدارس تكون منهم رجالاً قديرين ، ولا تتسع

المدارس الحالية لأكثر من ثلاثين ألف طفل فقط .

والمراكشيون يعيشون تحت نظام بوليسي محكم ، يسير الإنسان  والأرصاد الجواسيس تتبعه وأخباره يبحث عنها حتى في منزله ومع  أولاده ، وكل شخص من المحتمل استدعاؤه لإدارة المحافظة على  الأمن حيث يذوق ألواناً من التعذيب الجسماني والكلام على تهمة  مختلقة أو تافهة ، ومن الممكن إبقاؤه تحت يد الشرطة في آفاق  التعذيب المظلمة شهراً أو أكثر ثم إطلاقه من غير أن يمر بمحكمة  أو يسمع له بدفاع يثبت براءته عند البوليس . . .  ليتصور القارئ  أن روح الشرف وعاطفة التضامن والشجاعة ونقاوة الضمير وكل  ما يعتبر فضيلة في علم الأخلاق يعتبر في نظر الفرنسيين في مراكش  جرائم خطيرة يطارد أصحابها وينكل بهم شر تنكيل ؛ لأن العقلية  الاستعمارية الفرنسية لا تعترف بحياد لأحد مطلقاً ؛ فإما خادم لهم  يدل على غيره ويتعلق لأصغر الجواسيس وهو يتظاهر بالرضى  والابتسام ، وإما عدو تعرقل مصالحه اليومية باستمرار وينتظر به  أول فرصة ليرمى به في السجن أو ليساق إلى غرفة التعذيب فى  قسم المحافظة على الأمن .

هذه هي الحالة النفسية والمادية التي تعيش عليها مراكش تحت  الاستعمار الفرنسي المفروض، ولكن المراكشيين يفضلون الموت  على هذه الحياة التعيسة التي سامتهم من البؤس الفظيع ما لا يطيقون .  لذلك صرخ حزب الاستقلال حزب مراكش الأعظم والوحيد باسم اثني عشر مليون مراكشي أن   (لا حماية) ، فزلزل الفرنسيون  للتأييد الجارف الذي لقيته هذه الصرخة العنيفة من ملايين  المواطنين ابتداء من صاحب الجلالة ملك البلاد المحبوب إلى أصغر  فلاح في جبل الأطلس ، ثم سددوا بنادقهم المجرمة ونيرانهم إلى  صدر شعب بريء وقالوا إن يد الألمان حركته .

وهذا الشعب الذي لم يخجل الفرنسيون أن يقولوا إن يد الألمان:  حركته هو الشعب الذي قدم بسخاء دم أبنائه النفيس ليحرر  صقلية وتونس وإيطاليا وفرنسا ووضع جميع موارده الاقتصادية  وقواعده الحربية تحت تصرف المكافحين في سبيل الحرية لتصبح  العدالة فارضة على الجميع أن يحترموا له حريته هو أيضاً من غير  أن يضطر إلى إراقة دمه مرة أخرى .

مراكش

اشترك في نشرتنا البريدية