فى يوليو سنة ١٩١٨ ظهر فى ألمانيا كتاب يحمل هذا الاسم المنذر العجيب (( تدهور الغرب )) وقد آثار هذا الكتاب ضجة ، ولفت الأنظار وشغل الأذهان ؛ وكان مما يثير العجب والدهشة أنه لم يكن قصة مسلية أو رواية شائقة الحوادث ؛ وإنما كان مؤلفا فلسفيا ضخما عميقا ينم على معرفة غزيرة ، وخيال مجنح ، ومقدرة على التفكير ليست كثيرة الأشياء والنظائر ؛ وكانت هناك ظروف قد ساعدت على رواج هذا الكتاب ، أخصها أن ألمانيا كانت قد باءت بالفشل والخسران ، وخرجت تجرر أذيال الهزيمة من تلك الحرب الشعواء التى أثارتها فى وجه العالم وتحدت فيها أمم الأرض ، وتطلعت إلى السيادة العالية لنشر ما كانت تسميه فى تلك الحرب السالفة ((الكالنور الألمانى)) . وكان من الطبيعى أن يحز ألم الهزيمة فى نفوس الألمان ، ويخيم عليهم اليأس ؛ ولكن الألمان شعب قوى الحيوية نزاع إلى التأمل والاستغراق فى التفكير ؛ فهو لا يفنى نفسه حسرات فى أعقاب الهزيمة ، ولا يطيل التراشق بتهم الخيانة ، ولا يفرط فى لوم القدر والإنحاء على الجدود العوائر ؛ وإنما يحاول أن يفكر كيف حدثت تلك الهزيمة ، ويفتن فى تعليلها وتحرى مصادرها ! وقد مهدت هذه النوبة من التشاؤم وما تلاها من الأزمات الاقتصادية والاجتماعية والسياسية السبيل إلى إذاعة هذا المؤلف الذى يحوى فلسفة جديدة من فلسفات التاريخ ، أتحف بها أزوالد اشبنجلر الشعب الألمانى ، وزاد فى ثورته الفكرية .
وقد كشف هذا الكتاب لألمانيا المصدومة الفؤاد
المجروحة الإباء ، أن آمال أوربا الوثابة مقدر لها أن تخيب ، وأن الحضارة الأوربية مقبلة على عهد انحطاط وتهافت ، وأنها تعانى أعراض الشيخوخة وانحلال الفناء ؛ وفى هذا الايمان بالقدرية ضرب من السلوان يسكب العزاء على النفس المحزونة ، لأنه رفع عن كاهلنا الشعور بالتبعة ، ويبين لنا أن سير الحوادث من وراء طاقة الناس ، وأن غايات الأقدار لا حيلة لنا فيها ، ولا بد لنا بدفعها .
ولم يكن ظهور فلسفة تاريخ جديدة فى بلاد هجل وكانت وشلنج وفخته بالأمر الغريب ، لأن التعميمات الفلسفية العريضة ، والأبنية الفكرية الرائعة ، والنظريات الكونية الشاملة تعد فى ألمانيا غاية الحكمة وآية العبقرية ؛ وقد ألف الألمان أن يصب لهم المفكرون أحداث التاريخ فى الصيغ المناسبة ، ويضبطوا لهم حوادث الحياة وتجاربها فى القوالب التى تعين على تنظيمها وتنسيقها ؛ ولا مانع فى بعض الأحيان من أن يجار على الحوادث ، وتقطع أوصالها ، وأن تلوى الحقائق أو تنتقص أطرافها من أجل انتظام المذهب ، والتدليل على صحة النظرية .
وموجز رأى اشبنجلر أن ما نسميه (( تاريخا )) إن هو فى الحقيقة إلا سيرة حياة أنواع عضوية متشابة البناء متماثلة المصير ، لكل منها حياته المعينة ، وفرديته المستقلة ، وخصائصه الممتازة . وقد اكتشف اشبنجلر وجود ثمانى حضارات رئيسية ، وهى : الحضارة المصرية القديمة ، والحضارة الصينية ، والحضارة البابلية الأشورية ، والحضارة الهندية ، والحضارة المكسيكية ، والحضارة المدرسية (اليونانية الرومانية) أو الأبولونية ، والحضارة العربية
- ويسمها اشبنجلر الحضارة الماجية - والحضارة الغربية أو الفاوستية ؛ وهذه الحضارات تتشابه فى بنائها العام ومصيرها النهائى ؛ وكل حضارة منها تحمل طابعها وتنطوى على أسرارها ودخائلها ، وكل منها يخضع لأسلوب
خاص فى التفكير والشعور والنظرة إلى الحياة ؛ وكل حضارة من هذه الحضارات مغلقة مقفلة لا تستمد من غيرها ولا تتأثر به ولا تعتمد عليه ؛ وإنما تنسج خيوطها من بين جنبيها وتسترق منابعها الداخلية ؛ وهى من ثم لا تفهم غيرها من الحضارات ولا تدرك كنهه ، لأنها مستغرقة فى ذاتها . واشبنجلر وحده يزعم أنه قد عرف كلمة السر التى يستطيع أن يتغلغل بها إلى صميم كل حضارة ، ويتعرف أسرارها ، ويكشف له الغطاء عن خصائصها وترفع الحجب عن مزاياها الكامنة ؛ ولاشبنجلر مريدون يكثرون من وصفه بقوة البصيرة وسلامة ((الذوق)) . واشبنجلر لا يدرك أسرار الحضارات بالعقل المفكر الواعى ، وإنما بالبداهة الملهمة ؛ وعنده أنه ليس هناك صلة ولا رابطة ولا وحدة بين الحضارات ، وليس هناك (( إنسانية )) فان ذلك فى رأيه محض تجريد ووهم من الاوهام . ومادام ليس هناك ((إنسانية)) فيقتضى ذلك أنه ليس هناك رياضيات عامة أو علوم طبيعية أو فنون أو ثقافات مطلقة ؛ فانما هذه ألسنة مختلفة ولهجات متباينة ؛ واشبنجلر وحده قد أوتى فهمها وحل رموزها وتفسير غوامضها ، وعلى قارىء اشبنجلر أن يسلم له بذلك ولو مؤقتا ! .
وبالرغم من استقلال كل حضارة عن الأخرى ، فانها من الوجهة العضوية الطبيعية خاضعة جميعها لقانون لا يتغير ، هو قانون الميلاد والنضج ، والتدهور والفناء ؛ فالحضارة تنهض فى ناحية من النواحى ، وتنمو نمو النبات ، وتمر بأدوار الانسان السبعة ؛ فلها عهد الطفولة ، ولها دور الشباب والنضج والشيخوخة ، ولا يستتبع موتها فناء أهلها ، وإنما معناه نفاد حيويتها وانطفاء شعلتها ، وأنها فقدت ميزتها من حيث هى قوة تاريخية محركة منتجة . والحضارة تذبل وتفنى بعد أن تكشف عن خصائصها وممكناتها الموهوبة لها مثل القوميات والديانات والآداب
والفنون والعلوم وصور الحكم .
ولما كانت كل مرحلة من مراحل الثقافة يمكن استنتاجها من المرحلة التى تسبقها ، فنحن نستطيع إذا - ما دمنا نهتدى بهدى اشبنجلر - أن يكون عندنا معرفة فلكية اليقين مطردة السوابق والأشياء لما سيحدث . وأنصار اشبنجلر على ما يظهر يقدرون له هذه اليد ، ويحفظون له هذا الجميل ؛ فان الرجل يحاول أن يخلع على نفسه وعلى أنصاره برد النبوة ، أو يحاول على الأقل أن يرتفع إلى مرتبة كاهنة دلفى .
والحضارة الغربية -أو الفاوستية كما يجب أن يسميها اشبنجلر - مشرفة على عهد انحطاط وتدهور وفناء ؛ وليس معنى ذلك فناء أهلها ، فان الصين لا تزال موجودة ، ومصر لا تزال على قيد الحياة ؛ ولكن الحضارة الصينية قد ماتت ، والحضارة المصرية قد زالت ، ومصر منذ العهد الرومانى لا يسكنها - كما يرى اشبنجلر - قوم لهم ثقافة ، وإنما يقطنها ما يسميهم اشبنجلر (( بالفلاحين )) ، وحالة الفلاحين هى نهاية ثقافة الأقوام ، وفيها ترتد الأمم إلى الحالة البدائية أو حالة الأمم قبل دخولها مسرح التاريخ .
وينكر اشبنجلر وجود وحدة إنسانية تاريخية ، ولا يعترف بفكرة التقدم البشرى أو فكرة وجود تاريخ مستمر متتابع الأدوار متسلسل الحلقات ؛ وإنما يوجد تاريخ ثقافات مستقلة منعزلة قائمة بذاتها ، لا يؤثر بعضها فى البعض إلا إذا اعترضت إحداها نمو الأخرى ، وقضت عليه كما فعل الأسبانيون بالحضارة المكسيكية .
وأكثر المؤرخين يسلمون بانفصال الحضارة الهندية والحضارة الصينية إلى حد كبير من الحضارة الغربية ؛ ولكنهم يرون أن الحضارة الرومانية كانت الجسر الذى انتقلت به تأثيرات حضارة بابل ومصر والحضارة الأبولونية إلى الحضارة الغربية ، واشبنجلر ينكر ذلك ، ويحمل نفسه
عننا فى هذا السبيل لتدعيم نظريته وإثبات مذهبه ؛ وهو يفصل الحضارات عن بعضها ، وبعض بين الحضارة الأبولونية والحضارة الفاوستية الحضارة العربية ، وكل ثقافة من هذه الثقافات تمر فى أدوار متشابهة خلال مدة من الزمن متقاربة ؛ وكل حادث مهم فى حياة ثقافة من الثقافات له نظيره فى الثقافة الأخرى ؛ فالعهد الاقطاعى والاصلاح الدينى والبيوريتائية والنزعة المثالية الروحية والاتجاه المادى الواقعى والقيصرية التى يصحبها إحياء دينى يتبع بعضها بعضا ، وتتوالى على التعاقب فى حياة الحضارات ؛ فالاسلام مثلا هو دور البيورفانزم فى الحضارة العربية ، ونابليون هو اسكندر الحضارة الغربية . وسيسيل رودس هو طليعة قيصرية الحضارة الغربية . والحضارة فى رأى اشبنجلر هى المرحلة النهائية للثقافة ؛ وقد دخلت الثقافة الغربية فى دور الحضارة منذ سنة ١٨٠٠ ؛ وحوالى سنة ٢٢٠٠ ستكون الحضارة الغربية قد أدركها البلى ، وأبادتها صروف الليالى ، ولحقت بالحضارة المصرية والحضارة الصينية والحضارة الهندية والحضارة العربية ، وعمر الثقافة يبلغ نحو ألف سنة .
ولكل حضارة خصائصها وسماتها وأسلوبها وطرازها ؛ ففن البناء القوطى وحساب التفاضل والتكامل وحروب الأسر والتصوير بالزيت وإنشاء السكك الحديدية والنظام المالى الحديث ، وما إلى ذلك من مظاهر الحضارة الغربية ، تعبر جميعا عن الروح (( الفاوستية )) . ولم يكن من قبيل المصادفة - فى رأى اشبنجلر - أن الحضارة الأبولونية وجدت أسمى تعبير عنها فى النحت ، فى حين أن الثقافة الفاوستية كشفت عن نفسها فى الموسيقى .
وهناك فروق ملحوظة بين مختلف الثقافات ؛ فالفرد فى الحضارة الفاوستية مطبوع على حب السيطرة والنفوذ والاستعلاء ، وهو يحاول أن يبسط سلطانه على السكان
والزمان ؛ وفى الحضارة الأبولونية يقف الفرد أوحديا معتصما بإبانه وكبريائه ، يصابر غيره من الناس ويحتملهم ، ولكنه ينأى بجانبه ويلوذ بفرديته ، ونفسية الفرد فى الحضارة العربية ملتقى الخير والشر ، والظلمة والنور ؛ والحضارة المصرية والحضارة الصينية والحضارة الفاوستية تاريخية النزعة ؛ والحضارة الأبولونية والحضارة الهندية لا تكلفان بالتاريخ ولا تعبآن به كثيرا .
والاعتقاد السائد هو أن الحضارة الغربية - أو الفاوستية - قد ورثت عناصر كثيرة من الحضارات السابقة ؛ ولكن اشبنجلر ينكر ذلك ؛ فالديانة المسيحية مثلا من مخلفات الحضارة العربية ، وأرسطو مثلا من مخلفات الحضارة الأبولونية ، فكيف ننكر تأثيرهما فى الحضارة الغربية ؟ الأمر عين لأن الواقع فى زعم اشبنجلر أنه يوجد ثلاثة أنواع من المسيحية : المسيحية العربية وهى مسيحية المسيح ، ومسيحية الغرب وهى مسيحية هلديراند ولوثر ولوبولا ، ومسيحية روسيا وهى مسيحية دستوفسكى التى ستزدهر فى الألف سنة القادمة ، لأن الحضارة الروسية فى العصر الحاضر فى دور الطفولة . والبوذية الهندية مختلفة عن البوذية الصينية ؛ وهناك ثلاثة أنواع من أرسطو : أرسطو الأبولونى ، وأرسطو العربى ، وأرسطو الفاوستى . وكذلك توجد أنواع مختلفة من الرياضيات والطبيعيات والكيمياء والنحت والتصوير والآداب والثقافات . ويرى اشبنجلر أنه ليس فى قدرة حضارة من الحضارات أن تزيد فى ثروة الحضارة الأخرى أو تصلح منها ، وإنما قد تعترض نموها وتقضى عليها ؛ وفى رأيه أن الحضارة الروسية تنتظر اليوم الذى تنطلق فيه من تأثير الحضارة الغربية التى أرغمها على قبولها بطرس الأكبر ، لتكشف عن ممكناتها وتظهر شخصيتها .
والواقع أن مخالفة اشبنجلر لإجماع المؤرخين على أن
الحضارة القديمة قد أثرت فى الحضارة الأوربية الحديثة ، تكشف عن بعض نواحى الضعف فى فلسفته ؛ وقد لاحظ ذلك أحد نقاده ، وهو الأستاذ ريشارد جروتزماخر فقال : (( وصف اشبنجلر لعصر إحياء العلوم من أضعف فصول كتابه ، لأنه يرفض أن يعترف بأن هذا المظهر كان إحياء صادقا للروح القديمة )) .
وفكرة أن لكل حضارة عمرها المحدود ، وأنها تمر بأدوار الطفولة والشباب والكهولة والشيخوخة ، قائمة على تشبيه حياة الحضارة بحياة الفرد ، وهى فكرة كثيرا ما تفتح الباب على مصراعيه للمغالطة والسفسطة ؛ والذى يتأمل الكثير من حوادث التاريخ يدرك أن بعض الأسباب التى أدت إلى سقوط الحضارات وانهيار بناء الأمم لم تكن جميعها داخلية ؛ فالدولة الرومانية مثلا هوجت من الشمال ومن الشرق ، وقد دق ناقوس الخراب عندما هزمت جموع القوط الجيوش الرومانية فى أدريانويل سنة ٣٧٨ ، وقتلوا الامبراطور فالنز . وحضارة الشرق الأدنى أغرقتها وقضت عليها جموع التتار التى أقبلت من آسيا الوسطى . وحضارة المكسيك الأصلية حطمها الأسبانيون . وتغيير طرق التجارة رفع أمما وأسقط أمما أخرى . والظروف الخارجية لها تأثير كبير فى حياة الأمم ومصائرها واتجاه الحضارات وحياتها . وليس يكفى فى تعليل فناء الحضارات وتدهور الأمم الإشارة إلى نفاد الحيوية وإحصاء العلل الداخلية .
هذه لمحة موجزة عن فلسفة اشبنجلر التاريخية التى حاول الأستاذ بدوى أن يعرضها على قرائه فى كتابه القيم الحديث عن اشبنجلر ، وهو الكتاب الثانى من السلسلة النافعة التى ينتوى الأستاذ إصدارها ؛ وأرجو أن يعان على ذلك ، فإن الحياة الفكرية عندنا فى حاجة ماسة إلى أمثال هذه الدراسات الجدية ؛ وكتاب الأستاذ بدوى ليس من الكتب السهلة اليسيرة ، فهو يضطر قارئه إلى
أن يستجمع فكره ، ويحشد انتباهه ؛ وقد عرض فى المقدمة لفلسفة برجسون ، وآراء ماكس بلانك ، وآراء درايش فى المذهب الحيوى ، وآراء دلتان فى التفريق بين العلوم التاريخية والعلوم الطبيعية .
وكتابه الجديد على طراز كتابه السابق عن فلسفة نيتشه ؛ فهو يمضى فيه قدما إلى موضوعه دون أن يمهد له بحديث عن المؤلف ونشأته ومصادر ثقافته ، والعوامل التى أثرت فى تكوينه ؛ وربما كان هذا العيب فى كتابه عن نيتشه أكثر ظهورا منه فى كتابه عن اشبنجلر ، لأن اشنجلر كان (( شخصية بغير شخصية )) كما قال عنه صاحبه جروتزماخر ، وحياته الخاصة ليست بذات قيمة كبيرة على ما يظهر فى توجيه أفكاره ؛ وحالة نيتشه تختلف عن ذلك ، ودراسة حياته تعيننا على فهم أفكاره وإدراك مراسيه ؛ ويخيل إلى أن الأستاذ بدوى ينحو نحو زفايج فى كتابته عن نيتشه وغيره من الكتاب . ولعل الأستاذ بدوى أكثر إسرافا من زفايج فى إحراق البخور أمام أبطال مؤلفاته ، فهو يكتب عن نيتشه كتابة المتحمس المأخوذ ، ويتحدث عن اشبنجلر ونظريانه تحدث المريد عن القطب ؛ وكأنه يزف إلى قارئه رسالة سماوية أو موسيقى علوية . وإنى أرجح أن الأستاذ بدوى لو اطلع على آراء المفكر الأمريكى سوروكين ، والمفكر الروسى تيمتيف ، لطامن من حماسته لآراء اشبنجلر . وقد كنت أود أن يشير الأستاذ بدوى إلى المراجع التى اعتمد عليها ونقل منها ، فهو فى صفحة ٦٣ مثلا ينقل رأيا عن هجل دون أن يذكر المرجع . وأحسب أن إغفال ذكر المراجع يخالف التقاليد الجامعية .
وكتاب الأستاذ بدوى من حيث هو مقدمة لفلسفة اشبنجلر التاريخية صالح إلى حد كبير ، ومجهوده جدير بالثناء والتشجيع .

